«إقليم البصرة» على سكة الدستور.. صراع سياسي أم حراك شعبي؟
بينما تنشغل القوى السياسية العراقية بخلافاتها حول تشكيل الحكومة وتوزيع النفوذ، عاد ملف “إقليم البصرة” إلى الواجهة هذه المرة عبر مسار دستوري واضح، بعد الشروع بإطلاق استمارات جمع التواقيع الخاصة بالمشروع، في خطوة أعادت تحريك الملف الذي ظل مؤجلاً لسنوات، فيما يقول القائمون على المشروع إن التقدم الحاصل غير مرتبط بالخلافات الداخلية، أو مدفوعاً برغبة سياسية.
وجاء الإعلان عن الاستمارة عبر مكتب المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في البصرة، قبل تداول صورها على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، ما أعطى مؤشراً على بدء مرحلة إجرائية جديدة ضمن المسار الدستوري المنصوص عليه في قانون تشكيل الأقاليم، وهو تطور فتح الباب أمام انتقال الملف من دائرة الطرح النظري إلى حيّز الإجراءات العملية.
وفي السياق، يقول رئيس منظمة بصرياثا عمار سرحان، في حديث لـ”العالم الجديد”، إن “المسار تم من خلال الحصول على استمارة معتمدة من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، استناداً إلى قانون رقم 13 لسنة 2008، تمهيداً للشروع بجمع التواقيع الخاصة بتشكيل إقليم البصرة، إذ ستتضمن المرحلة الأولى جمع تواقيع 2 بالمئة من ناخبي المحافظة، أي أكثر من 32 ألف ناخب من أصل ما يزيد على مليون و600 ألف ناخب، على أن تُقدم هذه التواقيع إلى المفوضية لتدقيقها أصولياً”.
وكانت منظمة بصرياثا للثقافة الفيدرالية قد أعلنت أمس الأول الخميس (18 كانون الأول ديسمبر 2025) البدء بإجراءات تشكيل إقليم البصرة وفق المادة 119 من الدستور العراقي، مؤكدة الشروع بالمسار القانوني عبر مفوضية الانتخابات وجمع تواقيع الناخبين، تمهيداً للوصول إلى مرحلة الاستفتاء.
ويضيف سرحان، أن “المفوضية، وبعد استكمال هذه المرحلة، ستفتح باب جمع تواقيع 10 بالمئة من الناخبين عبر مراكز تسجيل مماثلة للانتخابات ولمدة شهر كامل، تمهيداً للانتقال إلى مرحلة الاستفتاء العام”، مبيناً أن “المشروع يستهدف إدارة الموارد المحلية بشكل مباشر وشفاف”.
وتعود قضية إقامة إقليم البصرة إلى ما بعد عام 2003، إذ طُرحت للمرة الأولى في سياق النقاشات المتعلقة بطبيعة النظام الاتحادي في العراق، قبل أن تتجدد على فترات متباعدة مع تصاعد الأزمات الخدمية والاقتصادية في المحافظة، إذ شهدت الأعوام 2008 و2015 محاولات فعلية للسير بهذا المسار، جمعت خلالها تواقيع واستُكملت بعض الشروط، إلا أن الإجراءات توقفت في مراحل لاحقة لأسباب إدارية وسياسية.
وجاء تحرك ملف إقليم البصرة في ظل خلافات سياسية داخل مجلس المحافظة، تمثلت بانسحاب أعضاء ينتمون إلى الطائفة الشيخية من كتلة تحالف تصميم وتشكيلهم كتلة جديدة باسم “كتلة البصرة”، على خلفية اعتراضات تتعلق بتعطل الدور الرقابي للمجلس، وتلكؤ تمرير عدد من المشاريع الخدمية، قبل أن ينتهي الخلاف، بإعلان رئيس تحالف تصميم عامر الفائز، العودة رسمياً إلى “تصميم”.
من جهته، ينفي الناشط مسلم الخفاجي، خلال حديث لـ”العالم الجديد”، وجود أي صلة بين تحرك مشروع إقليم البصرة والخلافات السياسية داخل مجلس المحافظة أو مسار تشكيل الحكومة الاتحادية، مؤكداً أن “العمل على المشروع مستمر منذ عدة أشهر، ولم يكن وليد لحظة سياسية أو نتيجة خلافات محلية طارئة”.
ويوضح الخفاجي، وهو أحد أنصار الحملة، أن “توقيت إطلاق الاستمارات لا يحمل أي دلالات سياسية، سواء على مستوى الحكومة الاتحادية أو المشهد المحلي”، مضيفاً أن “التحرك الحالي جماهيري بحت، ويستند إلى نصوص دستورية وإجراءات قانونية واضحة، ولا يرتبط بمواقف الكتل أو حساباتها”.
ويؤكد أن “المشروع يمضي وفق المسار المرسوم له بغض النظر عن التغيرات السياسية أو التفاهمات داخل المجالس المحلية”.
وكان المتحدث باسم محافظة البصرة معين الحسن قد أعلن أن المشروع دستوري بغرض إنشاء إقليم إداري بصلاحيات واسعة ضمن إطار الدولة الاتحادية، وبما لا يتعارض مع وحدة العراق أو صلاحيات الحكومة المركزية في إدارة الملفات السيادية، نافياً وجود نزعة انفصالية أو عنصرية.
بدوره، يؤكد الباحث في الشأن السياسي رمضان البدران، في حديث لـ”العالم الجديد”، أن “محافظات أخرى ستتخذ نحو خطوات مماثلة، باعتبار أن التوجه نحو النظام الاتحادي لا يمثل خطأً بحد ذاته، بل يتيح تفكيك إدارة الأموال، والمقدرات بصورة أكثر فاعلية، بما يمنح المجتمعات المحلية فرصة أكبر لتنفيذ احتياجاتها”.
ويبين البدران، أن “التحرك الحالي جاء بعد توفر قناعة لدى شرائح محلية بأن تركّز المال والنفوذ في مركز واحد أدى إلى اتساع الفساد والاستئثار بالمال العام وتراجع فرص النمو، ما دفع باتجاه البحث عن حلول في إطار النظام الاتحادي بدلاً من الاكتفاء بتدوير النقاش حول الإشكاليات القائمة”.
ويلفت إلى أن “الإشكالية لا تكمن في النظام الاتحادي بحد ذاته، بل في ضعف النظام الديمقراطي القائم، إذ أن غياب آليات رقابية ديمقراطية فاعلة قد يشكل تحدياً أمام إدارة السلطات المحلية مستقبلاً،” مؤكداً أن “الانتقال إلى النظام الاتحادي لا يمثل خللاً بقدر ما يعكس محاولة واقعية لمعالجة الخلل القائم في إدارة الدولة”.
ويندرج مشروع إقليم البصرة ضمن الإطار الدستوري الذي أقره دستور عام 2005، والذي نص على أن العراق دولة اتحادية، وأجاز للمحافظات حق تكوين الأقاليم وفق آليات محددة. كما نظم قانون إجراءات تشكيل الأقاليم الخطوات التنفيذية الخاصة بتقديم الطلب وجمع التواقيع والاستفتاء، باعتبارها الطريق الحصري لحسم هذا الخيار.
وضمن هذا المسار، يرى الخبير القانوني المستشار سالم حواس، في حديث لـ”العالم الجديد” أن”الدستور العراقي لسنة 2005، ولا سيما المادة 119، كفلت للمحافظات حق تكوين الأقاليم، سواء عبر طلب يقدمه ثلثا أعضاء مجلس المحافظة أو عبر طلب شعبي يقدمه عُشر الناخبين، وما جرى في البصرة يدخل ضمن إطار الالتزام الحرفي بالدستور واحترام مبدأ اللامركزية الاتحادية”.
ويؤكد حواس، أن “الإجراءات التنفيذية الخاصة بتكوين الأقاليم رسمت مساراً واضحاً ومتدرجاً يمنع الفوضى ويضمن الجدية، إذ يبدأ المسار بتقديم طلب أولي مدعوم بتواقيع 2 بالمئة من ناخبي المحافظة، وهو إجراء تمهيدي يهدف إلى اختبار وجود رغبة شعبية حقيقية، وبعد إعلان الطلب رسمياً، تُفتح سجلات الرغبات لمدة لا تقل عن شهر لاستكمال نسبة 10 بالمئة المطلوبة قانوناً، وعندها فقط ينتقل الملف إلى مرحلة الاستفتاء العام”.
ويوضح أن “منظمات المجتمع المدني لا تمتلك صفة قانونية مستقلة لتقديم طلب تشكيل إقليم، لكنها تستطيع العمل ضمن الإطار التوعوي والتنظيمي، على أن يكون التوقيع شخصياً ومباشراً من قبل الناخبين”.
وفي تقرير سابق لـ “العالم الجديد” رصد اندلاع احتجاجات في محافظة البصرة، على خلفية تفاقم أزمة ملوحة المياه وتدهور الواقع الخدمي في عدد من الأقضية، فضلاً عن تداعيات الاعتداءات التي طالت بعض المتظاهرين في شمالي البصرة.
وخلال التظاهرات التي شهدتها منطقة الشرش الواقعة في شمال البصرة، رفع المحتجون شعارات وهتافات اتهموا فيها محافظ البصرة أسعد العيداني بالفساد، معبّرين عن سخطهم إزاء استمرار معاناة مناطقهم، التي وصفوها بأنها تزخر بالثروات النفطية وتشكّل ركيزة أساسية في تمويل الموازنة العامة.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
