ياسين مجيد
لم يخطر في بال أكثر المتفائلين في داخل العراق وخارجه ان عملية ازالة ساحة الاعتصام في الانبار ستتم خلال فترة زمنية قصيرة جداً ، كما لم تسقط قطرة دم واحدة اثناء عملية اقتحام القوات الأمنية للساحة ، وبما يعني ان عملية ثأر القائد هي انظف عملية عسكرية – أمنية ينفذها الجيش العراقي منذ تأسيسه ، بل انها الأولى في تاريخ دول المنطقة والعالم ، فتظاهرات ساحة الاعتصام في رابعة العدوية في القاهرة التي استمرت 44 يوماً انتهت بمذبحة راح ضحيتها مايزيد على 800 متظاهر بين قتيل وجريح ، كما سقط عشرات الضحايا اثناء عملية فض تظاهرات ساحة تقسيم في انقرة التي لم تستمر سوى 17 يوماً ، اما تظاهرات ساحة اللؤلؤة في المنامة فقد انتهت بازالة الميدان من العاصمة واحتلال قوات درع الجزيرة والجيش السعودي للبحرين.
والأكثر من ذلك ان فض ساحة الاعتصام التي كانت بطول كيلومترين قد كشفت عن (القيادة الحقيقية) التي كانت تتولى الأشراف على الساحة سياسياً وأمنياً ولوجستياً ، وتتمثل بتنظيمات القاعدة وداعش والبعث ، وكانت تحظى هذه (القيادة الارهابية) بغطاء سياسي من بعض القوى والشخصيات السياسية التي كانت ترتبط بعلاقات وثيقة مع اجهزة المخابرات في بعض الدول الاقليمية التي ترعى الارهاب في العراق والمنطقة وتحديداً قطر والسعودية، وهم من اكثر الخاسرين في ازمة الانبار .
ما يزيد في الاهمية الاستراتيجية لعملية ثأر القائد محمد ان السيد رئيس الوزراء لم يعتمد الخيار العسكري في ازالة ساحة الفتنة ، انما كان حريصاً جداً على مشاركة الحكومة والشرطة المحلية ورؤساء العشائر في عملية الاقتحام ، وهو ما ساعد في تفويت الفرصة على الطائفيين في داخل العراق وخارجه ، وبما شكل سقوطاً مدوياً لاولئك الذين كانوا يروجون بان عملية الاقتحام هي استهداف للسنة.
ما يعزز القناعة التامة لدينا بالأهمية الاستثنائية لعملية ثأرالقائد محمد الدعم الدولي والاقليمي الذي حظيت به الحكومة العراقية ، وهي المساندة التي تعد الأولى من نوعها منذ سقوط النظام الدكتاتوري ، فقد توالت بيانات التأييد من الدول الكبرى ومجلس الأمن الدولي والدول الاقليمية ، بما فيها تركيا التي اعلنت مساندتها للقوات الأمنية في محاربة الارهاب ، وهي رسالة ربما تكشف عن ان حكومة اردوغان قد تعلمت الدرس الكبير من تدخلها في الشؤون الداخلية في العراق وتورطها في الحرب السورية ، كما ان الجامعة العربية التي ظلت صامتة لفترة طويلة محاباة للسعودية وقطر ، اضطرت لمساندة العراق بعد بيانات التأييد من دول العالم.
لكن في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ العراق الذي يدخل في معركة مفتوحة مع الارهاب ، هو ان بعض القوى والشخصيات السياسية التزمت موقفاً منحازاً منذ البداية ضد الحكومة والقوات الأمنية ، كما شكك اخرون بوطنية ومهنية القوات الامنية ، بل ذهب اخرون بعيداً في تحريض اهالى الانبار ضد الجيش وتصويره وكأنه عدو لأهل الانبار وهم يشاهدون عشائر الانبار تقاتل جنباً الى جنب الجيش ضد داعش والقاعدة.
ومهما يكن ، فان بيانات التأييد والمساندة الدولية والاقليمية للحكومة العراقية تمثل رداً بليغاً على جميع من وقف بالضد من القوات الأمنية واصطف الى جانب القاعدة وداعش، لكن الاقوى والابلغ من كل ذلك هي ان العراقيين من جميع مكوناتهم ومختلف اتجاهاتهم السياسية ، قد وقفوا بشكل غير مسبوق مع القوات الامنية واكتشفوا حقيقة بعض القوى السياسية التي تمثل الوجه الاخر للقاعدة وداعش والبعث.
وعلى أي حال ، فان ماحدث في الانبار يمثل رسالة قوية بان المؤسسة العسكرية قد أثبتت وبما لايدع اي مجال للشك ، بانها تتعاطى مع الارهاب بمهنية عالية وخلفية وطنية بعيداً عن التخندق الطائفي والحزبي والفئوي ، وانها تعتمد على المساندة الشعبية أولا حين تضطر للتدخل في أحدى المحافظات لحماية الأمن القومي للبلاد الذي يعد احد اهم مسؤولياتها الكبرى ، وبعبارة اخرى ، فان النجاح الكبير الذي حققته القوات الامنية في الانبار قد ازال نهائياً مقولة ان خروج القوات الاميركية ، قد افقد العراق السند القوي لحمايته من الارهاب وان أمنه القومي قد أصبح في مهب الريح ، انها المقولة التي سقطت مع اندفاعة أول جندي عراقي لساحة الفتنة.
ـ نائب في البرلمان العراقي عن ائتلاف دولة القانون
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

