العراق.. إلى أين؟
((قراءة تحليلة للواقع العراقي وما آل إليه مع أبرز الأسباب والنتائج))
حول ما يجري في العراق من اقتتال داخلي فظيع وتدخل اقليمي ودول الجوار بشكل أفظع ومن تشرذمات سياسية لا يمكن التكهن بنتائجها.
يدور ببال المتتبع للواقع سؤالنا.. مَن يخون مَن؟ وما هي الأسباب التي أدت بالعراق الى حيث ما هو عليه الآن؟
نتيجة الحماقات السياسية والتي بدأت حينما اعتبروا العراق حامي البوابة الشرقية للوطن العربي ومنقذ الخليج العربي من التوسع والأطماع الايرانية.. أصبح العداء ما بين العراق وايران يتوسع وصعدت بوادر الحرب في حدتها حتى اشتعلت مع بدايات العقد الثامن من القرن الماضي وأصبح العراق بحكومته وشعبه ومقدّراته وقوداً لآلة الحرب الدائرة مع الايرانيين ومن أجل ماذا؟ حتى يبقى الخليج العربي بحكّامه في مأمن وشعوبهم بأمان.
كان الشعب العراقي يعاني من الحروب التي اتسمت بالعروبية والعبثية القومية، والتي بدأت مع ايران في بداية الثمانينات من القرن الماضي واستمر ثمان سنوات استنزف فيها الجانبان، العراقي والايراني من قواهما البشرية والاقتصادية الكثير الكثير وتأثرت البُنى التحتية في البلديّن الى الشلل والدمار جرّاء تلك الحرب.
وما أن انتهت الحرب حتى كان البلد مثقلٌ بالديون التي ترتبت على العراق (حكومة وشعبا) دفعها، وخاصة لدول الخليج حتى كان نتيجتها ضرب الكويت سنة 1990م والدخول اليها بعد اجتماعات ومفاوضات سلبية بين الحكومتيّن العراقية ـ الكويتية وقتذاك، وبأمر من القيادة العامة في العراق أصبحت الكويت المدينة التاسعة عشرة وتابعة للعراق.
في خضم ذلك.. تحشدت القوى الإقليمية والدولية ضد العراق وأصبح يعد خطرا على حلفاء الغرب الاستراتيجيين في المنطقة وبالذات أمريكا، حيث لجأت دول الخليج العربي كافة السلطات الدولية من أجل موقف موحد ضد العراق وبمساعدة راعيتها الولايات المتحدة الأمريكية، فكانت حرب الخليج الأولى سنة 1991م، والتي سميت بعاصفة الصحراء وفيها انهزمت القوات العراقية دون أن تُبدي مقاومة طويلة الأمد ضد القوات المتحالفة والتي تشكلت من 33 دولة ومن بينها دول عربية عديدة كـ مصر و سوريا وحتى المغرب وتلك التي لم تشارك بجيوشها، شاركت بالدعم اللوجستي وتجهيز أراضيها لحشد الهجوم على العراق.
كانت الهزيمة في تلك الحرب غير المتكافئة وخاصة في مجال الطيران الحربي نكسة كبيرة جدا على الجيش العراقي بحيث لاذ الجنود والضباط الكبار بالفرار وهم يتركون دباباتهم واعتدتهم وكل ما يُشير الى عسكريتهم حتى كانت الاجتماعات ما بين قادة القوات العراقية وقوات التحالف عند العراقية ـ السعودية بضرورة انسحاب القوات العراقية من كافة الأماكن التي يقررها التحالف وخاصة أمريكا، ومن أهم نتائج دخول العراق الى الكويت عسكرياً وهزيمته فيما بعد:
1- فرض الحصار الاقتصادي على العراق والذي دام حتى سقوط بغداد سنة 2003م، و دخل العراقيون فيه مرحلة نظام النفط مقابل الغذاء وكانت البطاقة التموينة حصيلتها وما يزال العمل بها حتى الآن والتي وجدت من أجل الفرد العراقي.
2- تقسيم العراق الى خط طول عرض 36 شمالا وخط عرض 32 جنوبا في سنة 1992 وتم تعديله لتشمل خط عرض 33 جنوبا وذلك في سنة 1996م.. وتم منع الطيران العسكري العراقي ذات الأجنحة الثابتة في تلك المناطق.
3- قيام الانتفاضة في مناطق الجنوب… لكن الشعب هناك لم ينجح بانتفاضته، وتعرّض الى أبشع أنواع الاضطهاد والقتل الجماعي كما جرى مع عمليات الأنفال سنة 1988م والسيئة الصيت بحق أبناء الشعب الكوردي.
4- قيام الانتفاضة الكوردية في محافظات دهوك وأربيل والسليمانية وحصول الكورد فيها على حقوقهم بادارة مناطقهم ذاتياً وتشكيل حكومة خاصة بهم مع أول برلمان كوردستاني، ولعل الكورد استفادوا من تلك المرحلة لنيل حقوقهم المشروعة.
5- تراجع مستوى التمثيل العراقي في المحافل الدولية والاقليمية وقلّ دوره حتى أمسى ضعيفاً كدولة كان لها وزنها في منطقة الشرق الأوسط.
6- تفشي حالة الفقر، وانعدام المستوى الخدمي والمعيشي بسبب دخل الفرد المحدود جداً لأن القيادة كانت تذخر كل الطاقات من أجل تقوية سلطتها العسكرية والأمنية على البلد.. بحيث أصبح الموظف صغيرا كان أم كبيراً في مسؤوليته، يتعود ويعتمد على الرشى التي يحصل عليها وبهذا تفشَّت حالة الفساد الاداري والمجتمعي في البلد.
7- توزيع النفط العراقي بدون مقابل وعلى شكل هبات لبعض الدول المجاورة ومنها الأردن وسوريا من أجل لملمة بعض الأصدقاء بعد خسارة الكثيرين منهم.. وهذا ما كان يثشكّل هدرا للمال العراق العام ومقدّراته.
8- ظهور مشكلة البحث عن الاسلحة الكيماوية والمحرمة دولياً والتي أصبحت السبيل فيما بعد للتخلص نهائياً من نظام البعث القائم على العراق.
وهكذا دخل العراق مرحلة جديدة بسلبياته وايجابياته والتي يمكن ايجادها في النقاط أعلاه.. وبدأ نشاط فرق ومجموعات الأمم المتحدة في البحث عن الأسلحة حتى وصل ذروته بضرورة التخلص من نظام صدام وحزب البعث في العراق بعد قرع طبول الحرب من قِبَل معظم ساسة أمريكا ومن الطبيعي كان لدول الخليج وبالذات الكويت والسعودية لهم اليد الطولى في ذلك أيضاً.
بهذا الشكل تنفست المعارضة العراقية آنذاك الصعداء وظهرت لهم بوارق الأمل تظهر وتلوح في الأفق للتخلص من حُكم دكتاتوري دام لأكثر من 35 عاماً نال فيه الشعب والبلد الويلات ثم الويلات بسبب الحروب والتنكيل بالمعارضين.. فكانت أمريكا هي المستنجدة لأن مصلحة الجميع وأهدافهم اجتمع وتبلور في هدف واحد.. التخلص نهائياً من حكم العبث على العراق.
تحرّكت الولايات المتحدة نحو ذلك الاتجاه وعبأت كل الظروف من أجل التحشيد الدولي والإقليمي واجتمعت بالقوى المعارضة المختلفة في مؤتمر لندن في أواخر سنة 2002م والذي حضره أغلب الساسة العراقيين المتواجدين الآن أو الذين تواجدوا في ميدان العراق الجديد ما بعد 2003م.
قامت أمريكا وبمساعدة حلفائها الرئيسيين بضرب العراق والدخول الى بغداد يوم التاسع من نيسان سنة 2003م، ونتيجة ذلك كان هروب أغلب قادة العراق من العاصمة وثم القبض على أغلبهم ومنهم الرئيس العراقي صدام حسين وزجّهم في السجون لتبدأ محاكماتهم والتي تمخضت عنها اعدام العديد منهم.. هذا من جانب.
ومن جانب آخر.. فأن مرحلة جديدة وعراقٍ جديد بدأ مع سقوط نظام البعث، وحاولت أمريكا أن تطبّق مبدأ الديمقراطية ونظام الانتخابات العامة في كل مرافق الحياة السياسية والادارية في الدولة العراقية الجديدة.. وبالتأكيد فأن الولايات المتحدة أنفقت مليارات الدولارات بحربها تلك وضَحَّت بجنودها من أبناء وطنها في تلك المهمة، ولا يمكن أن يكون كلّ ذلك من أجل عيون السياسيين المعارضين فقط… ومن دون أدنى شك كان لها أهداف محددة في كلّ ما جرى ومنها وكما أسلفنا سابقاً أن يكون العراق حليفاً موالياً (قول و فعل) وتكون بين الدولتيّن استراتيجية ثابتة كالتي بينها وبين دول الخليج.
وما أن وضع ساسة العراق أيديهم على السلطة حتى بدأوا يتمرّدون على أمريكا ويوالون لدول الجوار الإقليمية.. وأصبحت السياسة العراقية تدار وفق ثلاث محاور:
أ- محور يتخذ من إيران مرجعاً له في بلورة السياسة العراقية وتكوين الحكومة كلما انتهت الانتخابات البرلمانية ونستطيع القول في أن لا حكومة تشكَّلت قبل ان يراجعوا المعنيين بها نظام طهران عبر زيارات خاصة وعامة.. ولا ننسى اطماع إيران تاريخياً وحلم الانتقام من العراق والذي يراودها دوما حتى اضحت تفكر باستغلال الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة بعد انسحابها من العراق.
ب- محور يتخذ من دول الخليج وبشكل خاص السعودية وقطر مع الجارة الأخرى تركيا مرجعاً لهم موازياً بذلك الخط في المحور الأول وتضادا معه، ومجاميع أو رموز هذا المحور هو الآخر يراوده حلم العودة الى سُدّة الحُكم من جديد مستغلاً هو الآخر الفراغ الناتج من انسحاب القوات الامريكية.
ت- المحور الكوردي ويتلخص في تعامله بكل جدَّية مع الوضع الجديد وظل يتماشى مع الجميع وفق نهج واحد ومن دون التفريط بالمكتسبات التي حصل عليها الإقليم ما بين عام 1991م وحتى ما بعد سقوط بغداد سنة 2003م، ومنها التمسك بالفدرالية مع بقاء كوردستان ضمن العراق الموحد قدر الامكان، ويمكن القول في أن الكورد هم الوحيدين الذين عارضوا خروج القوات الأمريكية لأن الدولة العراقية الجديدة لم تكتمل بعد وكانوا يدركون مدى أهمية تواجد تلك القوات.. عندها طالب الأغلبية الأخرى بذلك، بحجة انها جاءت محتلة ويجب عليها الانسحاب حتى أصبحوا يُنادون ويستغيثون بها الآن ممَّن وهم الذين هلهلوا لخروجها وقتذاك.
أن النتائج من محوريّ ( أ & ب ) أفرز ونتج عنه الصراع المذهبي ( أهل السنة و الشيعة ) حتى وصل الى حدّ القتل على الهوية، وحدثت مجازر وعمليات انتحارية بحقّ الطرفيّن وبالتأكيد أن الآلة الارهابية والارهابيين استغلوا ذلك الفراغ والتفرقة المذهبية بضرب الوحدة الوطنية في الصميم، ساعدهم في ذلك قُصر نظر المسؤولينفي الدوة وساستها تجاه مختلف الأوضاع، لا بل أن ما يجري الآن هو من افرازاتها.. وكذلك فأن مقدّرات الدولة وأموالها الطائلة باتت تُسرَق هنا وهناك مما أدى الى حالة فوضى عارمة في البلاد، ويكفينا الاشارة الى أنه وبعد الانتهاء من الأربع سنوات الحالية للحكومة ما زالت بعض المؤسسات الأمنية والعسكرية من غير ادارة فعلية وأصبحت معظم مرافق الدولة الحيوية بيد رئيس الوزراء حتى جعل من الآخرين يخافون من تكرار نموذج الدكتاتورية رغم التكاليف الكبيرة والتي تنفقها الدولة والجهود الكبيرة التي يبذلها الأمم المتحدة والدول الصديقة للعراقيين من أجل ترسيخ مبادىء الديمقراطية الحقة.
وفي هذه المرحلة الدقيقة.. هناك عدة خيارات للحكومة العراقية او العراق الجديد الخوض فيها من أجل الخلاص من مأزقها الخطير والتي أصبحت الحرب الأهلية قاب قوسين منها.
أما تنّحي الحكومة ممثلة بالمالكي ورفاقه وهذا ما يطالب به المسلحون وقياداتهم (طبعا يُستثنى من هذا الارهابيين القتلة والذين كلّ همهم اراقة الدماء مهما كانت الحجج والدوافع).. أو تقسيم البلاد الى ثلاث بلدان أو ثلاث أقاليم.. أو الانزلاق نحو الهاوية والاقتتال الداخلي المذهبي الصبغة.. أو كما يجري الآن من طلب للادارة الأمريكية بالتدخل عسكريا ومساندة الحكومة.
يا تُرى أيّ من الخيارات ستكون؟؟؟
هل ستتنّحى الحكومة حُقناً للدماء؟
هل سيتم تقسيم البلاد؟ وهذا لن يتم بسهولة إلا بعد هلاك او الاقتتال الداخلي الطويل الأمد او بتدخل دولي مميز.
أما بشأن الخيار الأخير وفيما يخص القرار الأمريكي في امكانية التدخل العسكري من عدمه.. لا يمكن لأمريكا أن تُضحي بحُلفاء ثابتين كالسعودية وقطر (دول الخليج العربي عامةً) وتركيا من أجل عيون الحكومة العراقية والعراق الجديد والموالي لإيران وهي أي أمريكا تحسب الواقع العراقي الجديد بالمتورط معه كونه واقع مشكوكٌ في ولائه.. وهذا ما عبّر عنه وقاله الكاتب والمحلل السياسي الأستاذ عزيز جبر في احدى اللقاءات أو الحوارات السياسية ذات الشأن.
لقد فوَّت حكام العراق الجدد فرصة تأريخية من أجل البلد والشعب معاً عندما أفرطوا بالولايات المتحدة الأمريكية.. حليفهم الرئيسي، واستمالوا الى أطراف أخرى لم تكن منها إلا ما يُلّبي مخططاتها وأهدافها التي يريدون تحقيقها عبر اراقة الدماء العراقية.
أختتم موضوعي بسرد حادثة على ما أظن جرت في اسرائيل (يعدّونها كافرة).. في احدى السنوات الماضية شَبَّ حريق بملهى ليلي يشغله الموسمات فكانت النتيجة ازهاق أرواح بعضهن وكانت الصدمة قوية على المجتمع الاسرائيلي كدولة وشعب مما أرغمت بعض المسؤولين البارزين فيها الى تقديم استقالاتهم.
نحن هنا لا نُجرم السيد المالكي والحكومة العراقية بساستهم، وانما نضعهم أمام المسؤولية التاريخية كي يكونوا ذو ضمائر ويتحملون الواقع فيمتثلون لما فيه خير الشعب والبلاد بشكل عام لأن العراق أكبر وأسمى من كل المسميات ويجب إنهاء هذا التدهور الخطير بأي شكل كان.
مصطو الياس الدنايي
24- 6- 2014
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

