شبكة لالش الاعلامية

صالح كفربيري: أقدم صحيفة كوردية عمراً: ريا تازە Riya Teze

أقدم صحيفة كوردية عمراً: ريا تازە Riya Teze

صالح كفربيري

عندما نتحدث عن المناطق التي استوطنها الكورد، لا يمكننا أن ندير وجوهنا عن أرمينيا وجورجيا؛ وخاصة أولئك الكورد الذين توجهوا بعد عام 1915 من ضواحي آغري، وقارص، وإيدر، وبدليس، وساسون، وموش، ووان، نحو الجانب الآخر من جبل آغري (أرارات)، ونهر أراس ومناطق يريفان وتفليس واستقروا هناك.

عندما عبر الكورد إلى الضفة الأخرى من نهر آراس، كانت هناك العديد من القبائل والعشائر الكوردية تعيش هناك بالفعل. لقد كنتُ مراراً شاهداً على دواوين ومجالس الكورد في يريفان، وأبوفيان، وألاگز، وهوكتيمبريان، وتفليس. في تلك المجالس، كانوا يخبرونني دائماً أنه عندما اضطر آباؤنا وأجدادنا للهجرة من مناطق سرحد إلى الجانب الآخر من نهر أراس، كان الكورد موجودين مسبقاً في تلك المنطقة ومستقرين في أماكن كثيرة منها. لذا، من الواضح جداً أن يريفان (أو روان) كانت إمارة كوردية مهمة في العصور القديمة.

إن الدولة الكوردية الشدادية، التي كانت عواصمها مدن (گنجة) و(آني) و(دوين)، قد بسطت سلطتها على يريفان أيضاً. اليوم، تقع (آني) على هذا الجانب من نهر أراس، بينما تقع (دوين) على الجانب الآخر. وتبعد (دوين) الآن 30 كيلومتراً فقط عن يريفان، في حين تقع (آني) على الحدود الحالية لأرمينيا وتبعد 80 كيلومتراً عن مدينة قارص. على اية حال هذا موضوع تخصصي ونتركه للمؤرخين.

لكن دعونا نعد إلى موضوعنا الأساسي، وهو صحيفة (ريا تازە (Riya Teze – وتُلفظ “ريا تەزە” حسب لهجة كورد الاتحاد السوفيتي السابق، و”ريا تازە” حسب لهجة أجزاء كوردستان الأخرى باللغة العربية تعني (الطريق الجديد)- والتي تُعد أقدم صحيفة كوردية في العالم من حيث مدة الصدور. هذه الصحيفة لا تزال تصدر حتى اليوم، وقد بلغ عمرها 96 عاماً.

يمكننا القول بكل فخر إنه بدعم من الاتحاد السوفيتي، خُطيت خطوات كبيرة وأُنجزت أعمال قيمة في مجالات الثقافة والفن والأدب واللغة. في ثلاثينيات القرن الماضي، كانت هناك محاولات في يريفان لتأسيس إذاعة كوردية وقُدمت برامج قصيرة، ولكن في عهد ستالين، توقفت جميع الأنشطة الإعلامية والثقافية والفنية الكوردية جنباً إلى جنب مع العمل الإذاعي. إلا أنه بعد وفاة ستالين وتولي خروتشوف السلطة، عادت المؤسسات الكوردية للعمل مرة أخرى، حيث استأنف القسم الكوردي في إذاعة يريفان نشاطه، وعاودت صحيفة (ريا تازە) الطبع والنشر.

على أعتاب الإغلاق

رغم التهميش والفقر والصعوبات الجمة، استمرت صحيفة (ريا تازە) في الصدور منذ عام 1930 وحتى الآن، ليصبح عمرها 96 عاماً. لهذا السبب، تعتبر هذه الصحيفة مصدر فخر للكورد. لكن للأسف، تعيش الصحيفة منذ فترة طويلة ظروفاً قاسية جداً وهي تحاول الاستمرار في النشر، لكنها الآن باتت على أعتاب الإغلاق.

صدرت صحيفة (ريا تازە) في بداياتها (منذ عام 1930 وحتى 1937) بالأبجدية اللاتينية. ثم، وتماشياً مع السياسة الرسمية للاتحاد السوفيتي، استمرت في صدورها باللغة الكوردية باستخدام الأبجدية (الكيريلية).

عندما زرتُ مقر الصحيفة في يريفان بين عامي 2001 و2002، أخبرني (عمريكى سردار)، الذي كان مناضلاً وعاملاً في الصحيفة لمدة 40 عاماً، قائلاً: “منذ عام ونحن عدنا إلى استخدام الأبجدية اللاتينية”. أي أن هذه الصحيفة التي يبلغ عمرها 96 عاماً، صدرت في سنواتها الأولى باللاتينية، وبعد 75 عاماً من النشر بالكيريلية، عادت في الخمس وعشرين سنة الأخيرة لتواصل صدورها بالحروف اللاتينية.

هذا العام، وتحديداً اليوم 22 نيسان 2026، يوافق الذكرى السنوية الـ 128 للصحافة الكوردية. ففي 22 نيسان 1898، بدأت صحيفة (كوردستان) صدور عددها الأول في العاصمة المصرية القاهرة، بإشراف (مقداد مدحت بدرخان).

تُعد صحيفة (كوردستان) أول صحيفة كوردية، لكن (ريا تازە) هي أطول الصحف الكوردية عمراً. لقد كتبتُ حتى الآن في العديد من المجلات والصحف عن (ريا تازە)، وأعددتُ فيلماً وثائقياً عنها لشبكة رووداو الإعلامية، كما تناولتُ تاريخ هذه الصحيفة بشكل موسع في كتابي المعنون بـ (مسيرة القلم (Gera Pênûsê.

دعونا نعود إلى تاريخ التأسيس وقصة صحيفة (ريا تازە): في عام 1929، بدأ (عرب شمو) والآشوري (إسحاق ماراغولوف) العمل على الأبجدية والكتابة الكوردية باستخدام الأحرف اللاتينية. وباشروا بتدريس وتعليم اللغة الكوردية في المدارس والقرى الكوردية. كانت هناك بعض الاختلافات بين أبجديتهم وأبجدية (جلادت بدرخان). ونظراً لقلة عدد المتعلمين بين الكورد في ذلك العصر، كانت الحاجة ملحة لوجود صحيفة. وبعد عام واحد، أي في عام 1930، بدأت صحيفة (ريا تازە) صدورها باللغة الكوردية في يريفان تحت رعاية الدولة.

العدد الأول من (ريا تازە 1930)

أود هنا التحدث عن غلاف وشكل وكتابات العدد الأول من (ريا تازە):

صدر العدد الأول يوم الثلاثاء، 25 آذار/مارس 1930. باسم (Rya Təzə) كما كان يُكتب في الأصل، وحمل شعاراً دائماً نصه: “يا بروليتاريا العالم، اتحدوا”.

في وسط الصفحة الأولى، وُضعت صورة كبيرة لمؤسس وباني الاتحاد السوفيتي (فلاديمير لينين). وتحت اسم الصحيفة وفوق صورة لينين، كُتبت مقولته الشهيرة: “الأبجدية الجديدة في الشرق ثورة عظيمة. — لينين”.

كُتب اسم لينين تحت هذه المقولة بأحرف صغيرة. وبجانب صورته، يوجد مقال بعنوان: “ثورة أكتوبر والأبجدية الجديدة”. وفي الجانب الآخر من صورة لينين، يوجد نصان قصيران في عمودين، وكلاهما يحمل عنوان: “تهنئة”.

وكما أشرنا في البداية، كُتب بجانب اسم الصحيفة التاريخ: 25 آذار 1930، الثلاثاء. وإلى جوار ذلك، كُتبت في عمود المعلومات التالية عن الصحيفة: “لسان حال مجلس القوميات الصغيرة، التابع لمفوضية المعارف الأرمنية ولجنة الأبجدية الكوردية (الكورمانجية) الجديدة — العدد: 1”.

في عام 1932، وصلت عدة أعداد من (ريا تازە) وبعض الكتب الكوردية المطبوعة في يريفان إلى يد الأمير (جلادت بدرخان). وقد تحدث جلادت بدرخان في مجلة (هاوار) في (العدد 8، أيلول 1932) عن تلك الأعداد والكتب الكوردية. حقاً، في ذلك الزمن وتلك الظروف الصعبة، كان هذا أمراً تاريخياً. وكما هو معروف، كان لجلادت بدرخان اسم مستعار هو (هركول عزيزان). المقال الذي نُشر عام 1932 في العدد 8 من مجلة هاوار باسم (هركول عزيزان) جاء فيه ما يلي:

“تُصدر في روان (يريفان) صحيفة كوردية ، بالأحرف الجديدة وتماما باللغة الكوردية ، وبشكل جميل ومنظم. لقد وصلت إلينا مؤخراً عدة أعداد منها، فقرّت بها أعيننا وانشرحت لها قلوبنا. إن كورد يريفان لم يكتفوا بإصدار الصحيفة فحسب، بل أصدروا عدة كتب أيضاً. لقد انشغلنا بها لثلاثة أو أربعة أيام؛ فبين صفحاتها الغنية والحديثة، كانت تفوح رائحة أزهار جبل ‘ألاگز’ ونسيم مراعي ‘سرحد’. وفي صورها، كنا نرى الزي الكوردي (شال وشبيك) وخناجر ونطاقات آبائنا وأجدادنا”.

صحيفة (ريا تازە)، كما يوحي اسمها، هي طريق جديد، حديثة وبكر، لكنها أقدم من (هاوار) وعمرها أكبر منها. آخر عدد وصل إلى أيدينا هو العدد 59. وبما أن (ريا تازە) صحيفة تصدر كل 10 أيام، فمن الواضح أنها تصدر منذ عام ونيف.

في البداية، عمل الأرمن المتخصصون في الشؤون الكوردية في (ريا تازە). في السنوات القليلة الأولى، وبسبب عدم وجود كورد مؤهلين للإشراف على العمل الصحفي آنذاك، استمرت الصحيفة حتى عام 1934 تحت إشراف عدد من الأرمن، وهم: غيفورك باريس، هراتشيا كوتشار وهاروتي ميگرديتشيان؛ وكان هؤلاء من المهجرين والمنفيين من الأناضول وبلاد ما بين النهرين، وكانوا يتقنون اللغة الكوردية ببراعة.

بعد هؤلاء المسؤولين الأرمن الثلاثة، انتقلت المسؤولية إلى الكورد منذ عام 1934 وصاعداً، حيث تولى (جيردوي كنجو) رئاسة الصحيفة من عام 1934 حتى 1937. كانت سنة 1937 تمثل عهد ستالين القاسي، حيث ضاق الحال بالكورد؛ وحُظر كل ما يمت للهوية الكوردية بصلة، فلا إذاعة بقيت ولا صحيفة استمرت.

ظل وضع كورد أرمينيا متدهوراً حتى عام 1955. وفي ذلك العام، ومع إعادة افتتاح القسم الكوردي في إذاعة يريفان والعديد من المؤسسات الأخرى، استأنفت صحيفة (ريا تازە) صدورها مجدداً.

من عام 1955 وحتى 1989، تولى (ميروي أسد) رئاسة تحرير الصحيفة (أو “سركاري” كما يلقبها كورد القوقاز) لمدة 34 عاماً. خلفه (تيتالي أفو) لمدة عام ونصف. ومن عام 1991 حتى 2006، تولى (عمريكي سردار) الإشراف العام على الصحيفة لمدة 16 عاماً، رغم أن ارتباطه بها امتد لأكثر من 50 عاماً؛ فقد بدأ عمريكي سردار العمل كمذيع في الراديو عام 1959 لمدة عامين، ثم أصبح عضواً في هيئة تحرير (ريا تازە) عام 1962. وقبل أن يصبح المشرف العام، عمل لسنوات طويلة نائباً لرئيس التحرير. عمريكي سردار، الذي ولد عام 1935 في قرية بضواحي جبل ألاگز تسمى (بامبا كوردان – تسمى حالياً سيبان)، ودع الحياة في يريفان عام 2018.

الصحيفة الرسمية للدولة

كانت (ريا تازە) في عهد الاتحاد السوفيتي الصحيفة الكوردية الأولى في أرمينيا. وحتى عام 1994، كانت تصدر مرتين أسبوعياً. أما الآن، وبسبب المشاكل المالية، تصدر أحياناً مرة في الشهر، وأحياناً تُجمع عدة أعداد لتصدر معاً كل شهرين أو ثلاثة.

تتكون الصحيفة من أربع صفحات. وحتى عام 1990 (قبل تفكك الاتحاد السوفيتي)، كانت هناك أربع صحف رسمية رئيسية في أرمينيا تصدر باللغات: الأرمنية، الروسية، الآذرية، والكوردية؛ وكانت (ريا تازە) هي الصحيفة الكوردية الوحيدة بينهم. في ذلك الوقت، لم يكن توزيع الصحيفة مقتصراً على أرمينيا فحسب، بل كان يشمل كافة أرجاء الاتحاد السوفيتي، بل كانت تصل إلى أوروبا وأمريكا وكندا أيضاً.

وكما أخبرني الراحل عمريكى سردار في وقته؛ كان عدد النسخ المطبوعة في العهد السوفيتي يصل إلى 4000 نسخة، تُوزع جميعها عبر الاشتراكات. أما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فقد انحصر توزيعها في أرمينيا فقط، وانخفض عدد النسخ إلى 500 نسخة. وأشار عمريكى سردار في مقابلته معي إلى أن تلك النسخ الـ 500 تُوزع مجاناً في القرى الكوردية.

وهناك، في تلك الغرفة الصغيرة للصحيفة، علمتُ أن الشاعر والمراسل (ميرازي جمال)، الذي كان قد تجاوز الستين من عمره آنذاك، كان يتنقل من قرية كوردية إلى أخرى بنفسه ليوصل الصحيفة إلى أيدي الناس.

منذ عام 1930 وحتى الآن: رؤساء التحرير والمناضلون والكتاب في (ريا تازە)

منذ التأسيس وحتى اليوم، برزت أسماء لامعة بذلت جهوداً كبيرة في مجالات التنضيد، ورئاسة التحرير، والإدارة، والتوزيع، والكتابة، ومنهم: عرب شمو، حجي جندي، أميني أبدال، جاسم جليل، هاروتيون ميگرديتشيان، جيردوي كنجو، قاچاغي مراد، ميروي أسد، توسني رشيد، ميكائيلي رشيد، غريشاي ممي، عمريكى سردار، شاكري خودو، أحمدي هبو، شرفي أشير، عسكري بوييك، عليي أبديرحمان، وزيري أشۆ، تيموري خليل، باباي كلش، يوراي شاهو، باشاي أرفوت، فانيكي أليخان، عگيدي عباسي، بورسورا صبري، لطيفي أمر، بريسكي ميحويي، كارليني تاتشاني، تيتالي مرادوف، تيتالي أفو، سيما سمند، زينبا إيبو، شاميلي أسكروف، خليلي تاتشان، باختشي أرزو، لطيفي ممي، حسني قشنگ، عگيدي خودو، عزيزي إيسكو، رزگاني جانگو، ميرازي جمال، وتيتالى كرمي سياد.

في بدايات عام 2000، استمرت الصحيفة بجهود أربعة أشخاص فقط: عمريكي سردار (المدير العام ورئيس التحرير)، غريشاي ممي (نائب رئيس التحرير)، رزگاني جانگو (سكرتير التحرير)، و ميرازي جمال (مراسل وموزع).

بعد وفاة عمريكي سردار، تولى غريشاي ممي رئاسة التحرير والإدارة لعدة سنوات، وبذل جهداً كبيراً رغم المرض، لكنه رحل عن عالمنا في يريفان عام 2024.

بعد وفاة غريشاي ممي، تولى تيتالي كرمي سياد منصب المدير العام ورئيس التحرير، وأصبح ميرازي جمال نائباً له. الخال ميراز هو نفسه ذلك المراسل والموزع الذي كان يعمل قبل 28 عاماً؛ يبلغ الآن من العمر 89 عاماً، ويحاول إلى جانب تيتالي كرمي سياد، منع الصحيفة من إغلاق أبوابها.

في العهد السوفيتي، كانت (ريا تازە) تمتلك 11 غرفة و25 موظفاً، وكانت حتى لحظة انهيار الاتحاد السوفيتي لسان حال الحزب الشيوعي، لذا كانت ظروفها المادية ممتازة جداً. وبحسب المعلومات التي أدلى بها لي كل من عمريكي سردار وغريشاي ممي وميرازي جمال؛ كانت الصحيفة تشغل طابقاً كاملاً (11 غرفة) في مبنى مكون من 14 طابقاً، أما اليوم، فللأسف تحاول الصحيفة البقاء والاستمرار من داخل غرفتين صغيرتين فقط، وبموظفَين اثنين فقط هما: تيتالي كرمي سياد وميرازي جمال.

تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

___

قاسم مرزا الجندي:راس السنة الايزيدية الميدية والسومرية والبابلية والاشورية

Lalish Duhok

محمد مندلاوي: مأساة اللاجئين وصمة عار أخرى تضاف على جبين الدول العربية والإسلامية

Lalish Duhok

هشام الهبيشان: معركة القلمون …لماذا كل هذا الضجيج ؟!

Lalish Duhok