لالش… حصن الأمن القومي الثقافي ومنار التعايش الكوردستاني
فينوس بابان
لم يكن تأسيس مركز لالش الثقافي والاجتماعي في الثاني عشر من أيار عام 1993 مجرد إضافة لمؤسسات المجتمع المدني في إقليم كوردستان بل كان بمثابة إعلان ولادة ثانية لأحد أعرق الجذور الهوياتية في ميزوبوتاميا،
فـ لالش لم تُبنَ من حجر بل نبتت من رحم المعاناة والصرخة الصامتة التي أطلقها أبناء المكون الإيزيدي عبر قرون من التهميش، إن عبقرية هذا الكيان تكمن في كونه الثمرة السياسية والمؤسساتية لرؤية الرئيس مسعود بارزاني الذي أمر وأشرف على إنشائه إيماناً منه بأن الأمن القومي الثقافي لكوردستان يبدأ من حماية تنوعها وأن الإقليم لا يكتمل إلا بكل تلاوينه، وهي الرؤية التي تعتبر امتداداً أصيلاً لنهج مدرسة البارزاني الخالد في التعايش الإنساني، لقد أكد الرئيس بارزاني بدعمه اللامحدود أن كوردستان هي البيت الكبير والآمن الذي يحمي الخصوصية الدينية والاجتماعية للإيزيديين كجزء أصيل من قلب مشروع الدولة والعدالة والمواطنة.
إن القيمة السياسية لـ لالش لم تبرز في الندوات والكتب فحسب بل تجلت في أبهى صورها الإنسانية حينما عصفت مأساة سنجار بالفتيات والنساء والأطفال الإيزيديين في عام 2014 ففي تلك اللحظة القاتمة التي اهتز فيها ضمير العالم أمام بشاعة الجريمة، كان لالش هو الجسر الذي عبرت فوقه صرخات الضحايا لتصل إلى المحافل الدولية، لقد علمتنا مأساة بناتنا في سنجار أن الإنسانية والتعايش ليسا مجرد شعارات بل هما فعل حماية؛ حيث احتضنت كوردستان أبناءها المكلومين بقلب مفتوح وكان لهذا الصرح دور محوري في توثيق هذه الفجيعة وتحويل الوجع إلى قضية رأي عام عالمي، إن هذه المأساة، رغم قسوتها قربتنا من بعضنا أكثر وعرّفت العالم بأن ما يجمعنا في كوردستان هو رابطة الدم والمصير وأن استهداف الإيزيدي هو استهداف لجوهر الروح الكوردستانية مما جعل من لالش المنصة التي تنطق باسم الإنسانية المتجاوزة لحدود الدين أو المذهب أو لون البشرة مؤكداً أن الإنسان هو القيمة العليا التي لا تقبل التفويت.
لقد رُفع من خلال لالش شعارٌ نبيل مفاده أننا بالتعايش نكون أقوى وهو شعار لم يكن موجهاً للداخل الكوردي فحسب، بل كان رسالة سياسية بليغة للعالم أجمع بأن التعددية هي مصدر قوة لا ضعف وأن الهوية الحقيقية لا تُبنى بإقصاء الآخر بل باحتوائه والاعتزاز بخصوصيته، إن التحليل العميق يكشف عن إرادة سياسية صلبة تؤمن بأن الحروب والمآسي قد تدمر الحجر لكنها لا تستطيع كسر إرادة شعب يقدس التنوع، فـ لالش اليوم بمثابة العقل التوثيقي الذي يحمي الذاكرة من الاندثار وهو الضمانة التي تؤكد أن صرخات أطفال سنجار لن تذهب سدى بل ستتحول إلى دروس في الصمود والوحدة، وإلى قيم تمنع تكرار المآسي جاعلاً من كوردستان نموذجاً شرق أوسطي فريداً في التسامح الفعال الذي يهزم لغة الكراهية والحروب.
إن بقاء لالش وازدهاره بعد ثلاثة عقود ونيف هو البرهان الساطع على أن الإنسانية والتعايش يغلبان دوماً منطق الحروب والدمار، فهو اليوم ليس مجرد مؤسسة بل هو نبض كل إنسان يؤمن بأن الاختلاف هو سر الجمال والبقاء، لقد أثبتت التجربة الكوردستانية أن الرد الحقيقي على الإبادة هو الحياة والرد على التفرقة هو المأسسة الجامعة وبذلك يظل لالش حاملاً لمشعل النور الذي تشرّب من فكر البارزاني مؤكداً للعالم أننا في هذا الوطن لا نعيش جنباً إلى جنب فحسب بل نعيش ببعضنا ولأجل بعضنا وأن صرخة المرأة الإيزيدية هي صرخة كوردستان بأسرها، وصمودها هو صمودنا جميعاً، لتظل الإنسانية هي الهوية الوحيدة التي لا تمزقها الطائفية والبشرة الإنسانية الواحدة التي تتوحد تحت سماء الحرية والكرامة.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
