أي إلزام ديني في الدستور يفقده الديمقراطية
الدستور هو الذي يبين شكل الدولة ,ونظام الحكم فيها ,ويقوم بتنظيم السلطات المختلفة ,ويوضح حقوق الافراد وحرياتهم ,مع وسائل لضمان وحماية هذه الحقوق . ولكتابة الدستور فان هنالك أساليب يجب إتباعها ,ولسنا هنا بصدد الحديث عن تلك الوسائل والأساليب بقدر ما نريد أن نوضح بعض الأساليب التي نعاني منها بسبب المعتقدات الدينية في مجتمعاتنا , فنحن نعيش في إشكالية كبيرة بين المحافظة على حقوق ألافراد والجماعات وحرياتهم (المادة 6 ثانياً و ثالثاً – مشروع دستور كوردستان ) , وبين العقيدة الدينية وفرضها على عموم الشعب من خلال اعتبار مبادئ الشريعة الاسلامية مصدراً أساسا للتشريع (المادة 6 اولاً –مشروع دستور كوردستان) .
فأما أن يتم فرض دستور من المصادر الاسلامية (القرآن والسنة النبوية و الشريعة الاسلامية ) على عموم الشعب ومن ثم فان على الجميع قبولها وتنفيذها دون اي تغيير . أو وضع دستور من دون أي التزامات دينية إسلامية تقيد باقي المكونات حتى وان أقر الدستور باحترام باقي العقائد والأقليات الدينية الاخرى فبخلاف ذلك سيفقد الدستور ديمقراطيته .
وطالما كانت هنالك أطراف اسلامية تفرض اعتقاداتها الدينية في الدستور فمن المؤكد ان ذلك الدستور سيفقد جانبا مهما من الديمقراطية في نصوصه وحتى إذا تم كتابة الدستور بانتخاب مجموعة من ممثلي الشعب لوضع مواده او كتابة دستور ومن ثم التصويت عليه من قبل الشعب على اعتبار انها الوسيلة المتبعة لوضع الدستور في الانظمة الديمقراطية في العالم , ولان اصحاب العقيدة الاسلامية يرفضون اي انتقاد لها فان الآخرين الذين يتبنون عقيدة اخرى او الذين لا يتبنون اي عقيدة سيفقدون حريتهم وحقوقهم في التعبير عن آرائهم , كون الدستور ينص على عدم انتقاد العقيدة الاسلامية وباي شكل من الأشكال . هنا اصبح الأمر مفروضاً وملزماً على عموم الشعب , كون الدستور وثيقة نافذة وملزمة وتتمتع بالسمو والعلو على جميع القوانين السائدة في المجتمع .
وبما ان الدستور يوضع وفق آلية معينة ويصبح هو المرجع القانوني الوحيد للدولة فان التراجع عن بعض احكامه غير ممكن إلا وفق آلية معينة , هذا في حال اذا كان الدستور وضعياً , فما بالك اذا كان الدستور “وضعي” مضبوطاً بأحكام اسلامية غير قابلة للتغيير ؟ والغريب في الامر كيف للاسلاميين ان يقبلوا ببعض الاحكام الاسلامية دون غيرها ؟ هل هذا من باب المجاملة لباقي المعتقدات والافكار ؟ إذ أن قبول كل الاحكام سوف يلغي الفقرة ثانياً من المادة 6 في الدستور ولايبقى لها اي معنى .
فمهما حاول الإسلاميون ان يعالجوا وضع الطوائف المغايرة للإسلام “الأغلبية” من حيث الحقوق والواجبات فسوف لن يتمكنوا من توفير الآليات التي تضمن لهم الحفاظ على حرياتهم في التعبير تجاه الاغلبية او الاسلام , فكيف يمكن معالجة محورية الايمان بالله وان الشريعة الاسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع بالنسبة للإسلام وما يخالفها باطل ؟ .
وسؤال آخر يطرح نفسه : الدساتير الوضعية “البعيدة عن الدين” يمكن ان يتم تطويرها وفق تطور واحتياجات المجتمع , فكيف مع آيات قرآنية او أحاديث نبوية تنظم الشريعة الإسلامية المعتمدة في الدستور الوضعي الكوردستاني والتي لايمكن ان يتم اي تلاعب فيها لا في صياغتها ولا في تفسيرها ؟ وما فائدة الدستور طالما يذكر فيها واجب الحفاظ على الاحكام الشرعية المتعلقة بالدين والسياسة في الاسلام ؟ اذ يمكن في الدساتير الوضعية تعديل او تعطيل بعض المواد والنصوص اما الأحكام الإسلامية في الدستور فهي قطعية و غير قابلة للتغيير .
وهنا نطالب حكومة كوردستان بصياغة دستور وضعي بعيد عن اي معتقد ديني للحفاظ على ديمقراطيته وضمان تمثيله لكافة الاطياف والمكونات العرقية والإثنية التي يضمها المجتمع الكوردستاني .
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

