التدخل السعودي التركي البري في سورية بين الاحتمال والنتائج
بعد تباين التصريحات الدولية بشأن ضرورة وجود قوات برية لمحاربة تنظيم داعش الارهابي في سورية، تغيرت المواقف الدولية بصورة متسارعة وأبدت دول عربية عدة استعدادها لإرسال قوات برية إلى سورية لمحاربة التنظيم تحت راية التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.
ففي الخميس الماضي أبدت المملكة العربية السعودية استعدادها للمشاركة في أي عمليات برية في سورية، إذا قرر التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة القيام بعمليات من هذا النوع.
وانضم إلى السعودية دولة الإمارات العربية المتحدة الأحد الماضي، وقالت إنها مستعدة لإرسال قوات برية إلى سورية، في إطار التحالف الدولي الذي يقاتل “تنظيم داعش”.
وبعد أن وردت الأنباء عن نية البحرين المشاركة أيضاً في مثل هذه القوات، نفت ذلك وبيّنت أنها “ملتزمة مع حلفائها بمحاربة إرهاب داعش”.
وعند التساؤل عن الدافع لمثل هذه التصريحات في وقت دخلت فيه روسيا بقواتها للقتال في سورية دعماً للأسد بحجة محاربة “تنظيم داعش” وغيره من الفصائل التي تعتبرها روسيا “إرهابية”، لا يمكن إغفال الحالة العامة للوضع الميداني في سورية، والخطر المحدق بفصائل المعارضة السورية المسلحة في حلب بعد التقدم الذي أحرزه النظام بمساندة روسية، بالإضافة إلى تقدم وحدات الحماية الكردية من جهة أخرى، عدا عن “تنظيم داعش” نفسه الذي يسيطر على مناطق في ريف حلب.
ويشتد الخناق على قوات المعارضة السورية في ريف حلب الشمالي، مع استمرار الغارات التي يشنها الطيران الحربي الروسي، تزامناً مع تقدم قوات النظام وميليشياته من جهة، وهجمات القوات الكردية وما يسمى “جيش الثوار” من جهة أخرى، إضافة إلى محاولات “تنظيم داعش” توسيع مناطق سيطرته والتقدم باتجاه قوات المعارضة.
وبرأي “أندرياس كريغ” من قسم الدراسات الدفاعية في كلية “كينغ” في لندن فإن السعودية “مستميتة للقيام بشيء ما في سورية”، ويقول في تصريح لوكالة “فرانس برس” الفرنسية إن المعارضة “المعتدلة” تواجه خطر التعرض لهزيمة كبيرة في حال سيطرت قوات النظام على حلب، خصوصاً بعدما تمكن جيش النظام من السيطرة على بلدات عدة وقطع طريق إمداد رئيس لمقاتلي المعارضة يربط مدينة حلب بالريف الشمالي حتى تركيا.
ويضيف “كريغ” الذي يعمل أيضاً مستشاراً للقوات المسلحة القطرية أن “هذه تعتبر مشكلة بالنسبة إلى السعودية وقطر اللتين استثمرتا بكثافة في سورية من خلال طرح المعارضة المعتدلة كبديل لهما على الأرض”.
وبينما لا يظهر الأتراك حتى الآن نيتهم إرسال قوات برية إلى سورية، راحت روسيا تتهم تركيا بالإعداد لتدخل عسكري، ووصف الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” هذه الاتهامات بأنها “مضحكة”، معتبراً أن روسيا تقوم “باجتياح” سورية.
وبحسب الصحفي التركي “حمزة تكين” والذي صرح لـ”السورية نت” قائلاً: إن “الأيام المقبلة ستكشف طبيعة وكيفية تحقيق ما وعد به رئيس الحكومة التركية البروفيسور أحمد داوود أوغلو أمس في خطابه أمام كتلة حزب العدالة والتنمية البرلمانية، حيث وعد بأن روسيا ستنهزم في سورية، وستنسحب مهزومة مكسورة مذلولة، كما انكسر الاتحاد السوفييتي في أفغانستان”.
وأضاف تكين: “بحسب المسؤولين الأتراك ليس هناك تدخل عسكري تركي في سورية حتى هذه اللحظة، ولكن لتركيا الحق بحماية حدودها مع سورية وعدم تشكل كانتونات إرهابية في تلك المنطقة، بدعم روسي وغير روسي، وتركيا لن تسمح بقيام مثل هذه الكانتونات بأية وسيلة”.
وتتوجس تركيا من التقدم الكردي في مناطق شمال سورية القريبة من الحدود التركية، بالإضافة إلى خوفها من تدفق جديد وكبير للاجئين السوريين إلى أراضيها، فمع استمرار المقاتلات الروسية في استهدافها لمعظم بلدات الريف الشمالي، نزح معظم الأهالي باتجاه معبر باب السلامة على الحدود السورية التركية، الذي تغلقه السلطات التركية غير سامحة للأهالي بدخول أراضيها، حيث تقوم بتقديم الخدمات لهم في الجانب السوري.
وفي هذا السياق، يشير مصطفى العاني من مركز أبحاث الخليج إلى أن “تركيا متحمسة لهذا الخيار (إرسال قوات برية) منذ بدأ الروس حملتهم الجوية ومحاولته إخراج تركيا من المعادلة”.
كما يؤكد العاني أيضاً أن السعوديين جادون في نشر قوات “كجزء من التحالف الدولي، خصوصاً في حال مشاركة قوات تركية”، ويقول العاني إن السعوديين “منهكون، ولكن من حيث المبدأ أعتقد أنهم لن يترددوا في إرسال عدد معين من مقاتليهم للقتال في سورية”، مضيفاً أن ذلك من المحتمل أن يشمل قوات خاصة سعودية.
وبرأي الصحفي التركي “تكين” فإنه “في حال حصل التدخل التركي، فهو لن يكون تركياً فحسب، بل سيكون تدخلاً إسلامياً بمشاركة دول إسلامية عديدة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي، وكل من يدعمه في السر والعلن، في البر ومن الجو”.
وأوضح أنه “عند وجود تحالف إسلامي قوي سيعلم العالم أن قوة إسلامية قد ولدت وسيكون لها ألف حساب وحساب، وخاصة عند الولايات المتحدة الأمريكية، صاحبة الازدواجية في المواقف والمعايير، والتي لا تهتم لمئات آلاف الشهداء وملايين المظلومين في سورية”.
أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد أظهرت رغبتها بوجود قوات برية لمحاربة “تنظيم داعش”، وقال وزير الخارجية “جون كيري” في اجتماع في “بلجراد” لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا عقد في ديسمبر/ كانون الأول الماضي: إنه “لابد من مشاركة قوات برية سورية وعربية في الهجمات على تنظيم داعش”، مشيراً إلى أن الغارات الجوية وحدها لن تهزم التنظيم.
وفي السياق ذاته وزير الدفاع الأمريكي “أشتون كارتر” فقد صرح في 22 يناير/ كانون الأول الماضي: إن “على التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم داعش الارهابي استعادة مدينتي الموصل والرقة وإنه سيستعين بقوات برية في إطار استراتيجيته لتحقيق ذلك”.
وأضاف “كارتر” الذي كان يتحدث من “دافوس” في مقابلة مع شبكة “سي.ان.بي.سي” أنه سيتم “إرسال المزيد من القوات البرية على الأرجح لدعم القوات الموجودة هناك، لكن جزءاً من الاستراتيجية أيضاً تقوم على تعبئة القوات المحلية وليس محاولة أن نحل محلها.”
من جانبه يرى الناشط السوري “محمد الحلبي” أن دخول القوات البرية سواء العربية أو التركية إلى سورية تحت ذريعة محاربة “تنظيم داعش” لن يفيد السوريين في شيء، “فروسيا دخلت لتقاتل المعارضة السورية دعماً للأسد بذريعة طلب حكومة النظام منها التدخل للمساعدة في محاربة من يسميهم الإرهابيين، ودفع ثمن هذا التدخل ومازال الشعب السوري الذي قصفته الطائرات الروسية، وتسبب بنزوحه من جديد”.
وأضاف لـ”السورية نت”: “لو دخلت قوات برية أخرى لسورية فلن تكون إلا لتحقيق مصالح تلك الدول، وليس لمساعدة الشعب السوري، الذي يدفع حتى الآن ثمناً مضاعفاً لمطالبته بالكرامة وإزاحة استبداد آل الأسد عنه، لكن الدول وجدت فرصتها مستغلة هذه الأماني لتحقيق مصالح لها وتصفية حسابات دولية فيما بينها”.
لكن الصحفي التركي “حمزة تكين” يقول: “صحيح أن الأمور في سورية تتعقد يوماً بعد يوم، وما زادها تعقيداً بالدرجة الأولى هو التدخل الروسي وما ترتكبه آلته العسكرية من إجرام ومجازر بحق المدنيين السوريين، تحت ذريعة واهية وكاذبة وهي محاربة تنظيم داعش الإرهابي، ولكن عند هزيمة روسيا وعودتها مذلولة من سورية، ستكون الأزمة السورية في خواتيمها، وسيكون البقاء للشعب”.
ويوافق “أحمد” المقاتل السوري في أحد الفصائل المسلحة السورية في ريف دمشق على ما يقوله “تكين” ويرى أن “تدخل القوات العربية والتركية حتى لو كان لمحاربة تنظيم الدولة فهو سيفسح المجال لقوات الجيش الحر بالتحرك وسيرفع عنها ضغط هجوم التنظيم”.
وأضاف في تصريح لـ”السورية نت”: “إن القوات البرية العربية والإسلامية إن تواجدت على الأرض ستكون عاملاً مهماً لوقف الضربات الروسية العشوائية على قوات المعارضة”.
ويؤكد أن “شباب سورية الذين خرجوا لإزاحة الظلم لن يتوقفوا حتى إسقاط النظام” وناشد المعارضة السياسية أن تثبت على مطالبها، ولا تستأنف أي مفاوضات ما لم تتحقق جميع مطالبها العادلة.
الجدير بالذكر أن المفاوضات السورية بين المعارضة والنظام توقفت الأسبوع الماضي في جنيف على أن تستأنف في 25 فبراير/ شباط الجاري.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
