شبكة لالش الاعلامية

خالدة خليل: البيشمركة فاعل بنيوي في التجربة الكوردية الحديثة

البيشمركة فاعل بنيوي في التجربة الكوردية الحديثة

خالدة خليل

نشأت الجيوش تاريخياً بالتوازي مع قيام الدول، لتكون وسيلةً لفرض النظام وحماية الكيان السياسي ومصالحه، غير أن التجربة الكوردية تقدّم حالةً مغايرة؛ إذ تشكّلت قوات البيشمركة قبل قيام دولة كوردية مستقلة، لتغدو القوة العسكرية تعبيراً عن ضرورة البقاء والدفاع عن الهوية في ظل غياب الإعتراف الدولي بها .

وتعود جذور القتال المنظم الذي خاضته البيشمركة إلى عقودٍ عدّة، أسهمت فيها البنية العشائرية والجغرافية الجبلية في نشوء قوى محلية مسلحة لحماية الأرض والمجتمع.

إلا أن التشكل الحديث للبيشمركة ارتبط بالتحولات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وتقسيم كوردستان، وفشل الوعود الدولية بإقامة دولة قومية. وبذلك، تعدّ البيشمركة قوة مقاومة فرضتها الضرورة التاريخية وارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالمجتمع المحلي والدعم الشعبي لها .

فمصطلح پيشمرك، الذي يعني حرفياً “مَن يواجه الموت”، يعكس فلسفة حياة المقاتل الكوردي وتفانيه في الدفاع عن قضيته. فهو ليس مجرد اسم لوظيفة عسكرية، بل تجسيد لروح التضحية، حيث يقدّم الفرد روحه قربانًا من أجل حماية كوردستان، والمجتمع الكوردي، والهوية الكوردية. لقد شكّل هذا المعنى جوهر البيشمركة، فكل مقاتل فيها يمثل رمزاً للشجاعة والصمود، ويصبح حاملاً لرسالة أمة بأكملها .

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن بيشمركة هو أكثر من مقاتل؛ إنه حارس للهوية، شهادة حيّة على إرادة الشعب الكوردي في البقاء، ووسيط بين الماضي الثوري للأمة وحاضرها ومستقبلها، حيث تتلاقى التضحية، الصمود، والكرامة في شخصيته وواجبه الوطني.

شكّلت جمهورية مهاباد عام 1946 أول تجربة سياسية حديثة لبناء جيش كوردي منظم، إذ تولّى الخالد مصطفى البارزاني قيادة قواتها العسكرية، فغدا نواةً رمزية وتنظيمية للبيشمركة الحديثة، وعلى الرغم من سقوط الجمهورية سريعاً، فإن هذه التجربة أسست لفكرة انتقال البيشمركة من مجموعات مقاتلة محلية إلى نواة مؤسسة عسكرية منظمة على يد البارزاني الخالد.

وفي العقود اللاحقة، ولاسيّما في العراق، غدت البيشمركة القوة العسكرية الأساسية للحركة القومية الكوردية في صراعها مع الدولة المركزية. فقد مثلت ثورات أيلول وكولان شاهداً على البسالة والصمود، وأرست أسس النضال المنظم ضد القمع والاضطهاد. وعلى الرغم من محطات التفاوض، مثل اتفاقية الحكم الذاتي عام 1970، سرعان ما انهارت هذه المساعي، لتعيد إشعال الصراع المسلح، الأمر الذي رسّخ مكانة البيشمركة كقوة مقاومة تدافع عن القضية الكوردية وحقوق الشعب الكوردي.

وبقيت البيشمركة، بقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، خط الدفاع الأول عن المناطق الكوردية.

مثّلت انتفاضة عام 1991 نقطة تحوّل مفصلية في مسار البيشمركة، إذ أدّى انسحاب القوات العراقية من كوردستان إلى نشوء إدارة كوردية ذاتية، الأمر الذي غيّر دور البيشمركة جذرياً من قوة مقاومة إلى قوة تتولّى مسؤولية الأمن الداخلي والدفاع الإقليمي. غير أنّ الانقسامات التي شهدها عقد التسعينيات، وما رافقها من اقتتال داخلي، كشفت بوضوح مخاطر غياب مؤسسة عسكرية موحّدة في كوردستان. وفي مواجهة هذه المرحلة القاسية، جاء موقف الرئيس والمرجع الكوردي مسعود بارزاني ليشكّل منعطفاً أخلاقياً وسياسياً مهماً، حين أعلن حرمة اقتتال الكورد فيما بينهم، مؤكداً أن السلاح الذي وُجد للدفاع عن القضية لا يجوز أن يُوجَّه إلى صدور أبناء الشعب الواحد.

وقد شكّلت هذه المرحلة، على قسوتها، درساً أساسياً في مسيرة الحكم الذاتي الكوردستاني، إذ أظهرت بجلاء أن الاستقلال الإداري والسياسي لا يكتمل دون مؤسسات عسكرية وأمنية مهنية وموحّدة، وهو التحدي الذي واصلت حكومة الإقليم وقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني العمل على معالجته في العقود اللاحقة، ضمن مسار طويل لبناء الاستقرار وترسيخ أسس الحكم الرشيد.

وبعد عام 2003، حظيت البيشمركة بإعتراف رسمي ضمن النظام الاتحادي العراقي بموجب الدستور العراقي لعام 2005، والذي أقرّ بحق إقليم كوردستان في إدارة شؤونه الأمنية. وبذلك أصبحت قوة رسمية تؤدي دورًا أساسيًا في حماية الإقليم والمناطق المتنازع عليها، وفي التنسيق الأمني مع بغداد والتحالف الدولي.

شكّلت الحرب ضد تنظيم داعش بين عامي 2014 و2017 لحظةً مفصلية في تاريخ البيشمركة، إذ تحوّلت إلى خطّ الدفاع الأول عن إقليم كوردستان، فضلاً عن دورها الحيوي في حماية الأقليات في المناطق المستقطعة من كوردستان. وفي الوقت ذاته، كشفت هذه الحرب عن الحاجة الملحّة إلى التوحيد المؤسسي، ما دفع المجتمع الدولي إلى دعم برامج إصلاحية. واستجابةً لهذه التحديات، قادت وزارة البيشمركة برنامجًا للإصلاح والدمج، بالتعاون مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي، بهدف توحيد الوحدات العسكرية، وإعادة هيكلة القيادة، وبناء ألوية موحّدة، وتعزيز المهنية. ولا يُنظر إلى هذا المسار بوصفه منجزًا نهائيًا، بل باعتباره عمليةً تدريجية لتحويل البيشمركة من إرث ثوري إلى قوة عسكرية موحّدة ومنظّمة، تخضع لسلطة مدنية.

تتجسد أهمية البيشمركة في ثلاثة مستويات متداخلة، فهي تاريخياً تمثل ذاكرة النضال الكوردي وأداة البقاء في ظل غياب الاعتراف الدولي بالدولة، محافظةً على إرث شعب طالما قاتل من أجل حريته وحقوقه المشروعة. وعلى الصعيد الأمني، تشكّل صمام أمان لإقليم كوردستان في بيئة إقليمية مضطربة، محافظةً على استقرار الإقليم وحماية المدنيين من التهديدات الداخلية والخارجية. أما على الصعيد العسكري، فهي نموذج فريد في التحوّل من حركة مسلحة قومية إلى مؤسسة عسكرية نظامية ضمن نظام سياسي اتحادي، تجمع بين الانضباط والفعالية والشرعية القانونية، مع الحفاظ على روح التضحية والشجاعة التي تميّز مقاتليها.

تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

___

خدر خلات بحزاني: هل اعاد القط لسانكم الان؟؟

Lalish Duhok

جلال شيخ علي: الله خلقني كورديا .. نشيد أبدي

karwanhaji

عبد الخالق الفلاح: المبادرات …وتغريدة الفاشلين في السياسة

Lalish Duhok