شبكة لالش الاعلامية

معد فياض: أنت كوردي.. أنت مواطن درجة ثالثة

أنت كوردي.. أنت مواطن درجة ثالثة

معد فياض

طوال حياتنا، كمواطنين عراقيين، تعاملنا مع اصدقائنا وزملائنا في الدراسة وجيراننا في الحي السكني مع الكورد باعتبارهم مواطنين مثلهم، مثلنا، أو (حالهم حالنا) مثلما يُقال، جزء مهم من هذه الثقافة تعلمناها من عوائلنا ومعلمينا. كنت اسأل والدي الذي كان مدرساً للغة الانكليزية “شنو يعني كوردي؟” فيجيب مباشرة “شنو يعني عربي؟ الكوردي مثلنا، مثلك ومثلي مواطن عراقي قوميته كوردية ونحن قوميتنا عراقية”، هكذا تربينا ونشأنا.

لكن ممارسات وسياسات الحكومات العراقية المتعاقبة، القومية خاصة والتي كانت تتعامل مع الكورد بأساليب شوفينية نبهتنا الى انهم يعتبرون الكوردي مواطن درجة ثانية، وفي احيان كثيرة درجة ثالثة وليس له الحق بأن يتمتع بحقوق بقية العراقيين من العرب وانهم قوم نزحوا الى العراق قبل اقل من مائة عام وزحفوا علينا عن طريق الجبال! والاكثر من هذا، ومنذ ان وعينا على الدنيا كنا نسمع ونشاهد الجنود يُجبرون على قتال الكورد في (شمال العراق) في حروب حملت تسميات عنصرية وسياسية متطرفة، مثل (حرب الشمال)، واطلقوا على الكورد وصف (العصاة)!، وهم بالفعل كانوا عصاة على الحكومات وعلى السياسات التي ارادت تهميشهم وسلب حقوقهم القومية وترويض ارادتهم الصعبة في نيل حريتهم.

اتذكر درس اللغة الكوردية في الصف الخامس ثانوي، حيث كان مدرسنا الكوردي اللطيف والدمث الاخلاق يسعى بالفعل لتعليمنا اللغة الكوردية، بعد اعلان بيان 11 آذار، لكنه كان يدرك بأن تعليم لغة ثانية تختلف عن اللغة العربية تماماً، وغير مشمولة بالامتحانات النهائية، عملية صعبة وغير منطقية، وكتاب اللغة الكوردية كان مجرد كتيب يضم ترجمة بعض المفردات الكوردية للعربية ليس إلا، وهذا يعني ان اقرار هذا الدرس بهذه الطريقة الهامشية يندرج ضمن دروس الدرجة العاشرة وليس الثانية او الثالثة.

ورغم ذلك فان غالبية العراقيين العرب لم يكونوا يفرقوا بين العربي والكوردي ولم يميزوا بينهم، بدليل التعامل اليومي بين الجيران والمصاهرة والعمل التجاري، وهذا بالتأكيد يختلف عن التعامل السياسي الذي ضغط بقوة على الكورد خاصة في عهد النظام السابق الذي لم يدخر اي وسيلة في محاربة الكورد بشتى الوسائل الوحشية والتي توجت بجريمة قصف مدينة حلبجة بالاسلحة الكيمياوية حيث تمر اليوم ذكراها الـ 38 والتي خلفت الالاف من الشهداء والجرحى من الضحايا، بل تعمقت آثار هذه الجريمة لتترك ندوبا لن تمحى في ذاكرة الاجيال.

لم تتغير نظرة السياسيين، وخاصة الاحزاب العراقية الراديكالية الشيعية والسنية للكورد، وباستثناء حكومة اياد علاوي، لم تتعامل هذه الحكومات، حتى اليوم مع الكوردي باعتباره مواطن درجة اولى، بل ما زاد الامر سوءاً هو ان المواطن العراقي، العربي، وحسب التفرقة المذهبية والحزبية اعتبر مواطن درجة ثانية، وبذلك زحفت درجة تقسيم المواطن الكوردي الى الدرجة الثالثة، او بالاحرى الى (كومبارس) حسب تصنيف الممثلين في الاعمال السينمائية والتلفزيونية، اي ان الممثلين الذين يظهرون من اجل اغناء المشهد دون ان يكون لهم اي دور مهم ومؤثر. بالمناسبة حتى في الاعمال التلفزيونية العراقية يظهر الممثل الكوردي بأدوار ثانوية مهما كانت اهميته الابداعية وهذا يتناسب مع الموضوع الكوردي الثانوي في العمل.

الاحزاب السياسية التي تتحكم باوضاع العراق منذ 23 سنة اعتبرت الكورد مجرد ديكور وطني، كومبارس في المشهد السياسي غير المستقر، ففي الدستور العراقي الكورد هم القومية الثانية وشركاء في الحكم والوطن، وبسببهم صار توصيف العراق بلداً فيدرالياً، لكن اي من مواد الدستور التي منحت الحقوق للكورد لم يتم تطبيقها وابرزها المادة 140 التي تتعلق بالمناطق المتنازع عليها، وبنسبة اقليم كوردستان من الموازنة العامة، وبالتوازن في نسب وجودهم في القوات المسلحة ووظائف الدولة.

حقوق الكورد في الدستور ليست هبة او هدية من الاحزاب السياسية الشيعية والسنية، بل هي جزء من حقوقهم التي فرضتها تضحياتهم من اجل نيل حريتهم على مدى ما يقرب من قرن من القتال والتهجير القسري ومواقفهم الوطنية واصرارهم على دورهم في بناء البلد والدفاع عنه، فهم تقبلوا ان يكونوا شركاء بمحض ارادتهم، لكنهم لم يحصلوا على هذه الحقوق كاملة ولا مناصفة.

عندما نقول ان الاحزاب السياسية المتحكمة باوضاع العراق اعتبرت الكورد مجرد (ديكور وطني) فنعني ان قادة هذه الاحزاب يتباهون امام العالم بان العراق بلد فيدرالي ديمقراطي، وانهم يحكمون العراق بمشاركة الكورد، والحقيقة ان كل هذه الاوصاف وهمية، فقادة الكورد غالبا ما اكدوا ان هذه الاحزاب والحكومات لم تتعامل معهم كشركاء إلا عنما يكونوا بحاجة للكورد، حيث تتحول اربيل في الازمات العراقية الى صالة عمليات طوارئ لانقاذ البلد مثلما يحدث راهنا حول مسالة تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي.

على الاحزاب السياسية، الشيعية والسنية ان يتذكروا جيدا بانه كل ما مروا بأزمات تعصف بهم حجوا الى اربيل وكان الرئيس مسعود بارزاني هو من يطفئ الحرائق ويحل المشاكل حتى تحول مكتبه الى غرفة عمليات او باللاحرى الى صالة للعناية المركزة لازماتهم السياسية، وهذا حدث منذ عام 2003 وحتى اليوم، لكنهم سرعان ما يتنكرون لمواقف القيادة الكوردية البرازانية او يتناسوها، والاكثر من هذا تمادت الفصائل المسلحة بقصف مدن اقليم كوردستان، اربيل خاصة، بالصواريخ والمسيرات ليس دفاعا عن العراق بل تصرفوا بروح ثأرية على الاقليم وعلى الكورد.

الكورد بعد هذا وذاك لن يرضوا ان يكونوا مجرد مواطنين من الدرجة الثانية او الثالثة، بل هم اقدم من العرب في وجودهم على ارض العراق، وهم عراقيون من الدرجة الاولى، ولم يقبلوا بدور الكومبارس الوطني، بل مؤثرين بقوة في المشهد السياسي العراقي، هم من يكتب سيناريو الاحداث، وهم من يقودها بارادتهم وعزمهم الذي لا يلين.

تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

___

مركز لالش المانيا “جسر” بين كوردستان والايزيديين في المانيا

Lalish Duhok

فلاح المشعل: العراق بين الفكين ….!

Lalish Duhok

كفاح جمعة كنجي: بين زمنين في بعشيقة وبحزاني!!

Lalish Duhok