الذكرى 51 على ترحيل قرى باسكى شيخان وتحويلها إلى مجمع قسرى من قبل النظام البعثي
حسن قوال رشيد
مرّ امس 5 أيار الذكرى الواحدة والخمسون على ترحيل قرى مجمع مهد، في ذكرى أليمة تخطت حدود الزمن وتركَت بصمتها في ذاكرة الإيزيديين. ففي ذلك اليوم من عام 1975وضمن السياسات التمييزية التي اتبعها النظام السابق عقب إنهاء الحركة التحررية الكوردية وتوقيع اتفاقية الجزائر في ذلك العام، أقدم نظام البعث البائد على تهجير سكان قرى باسكى شيخان ونقلهم قسرًا إلى ما عُرف وقتها بمجمع مهد العصري، حيث تم جمع سكان قرى عدة مثل مامرشا، موسكا، محمودا، مقبلة، باقسرا، بيتنار، وكندالة، بالإضافة إلى قسم من سكان قصبة عين سفني الذين كانوا ينتمون إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
قدمت الحكومة العراقية حينها تعويضات مالية رمزية لبناء مساكن طينية بدلاً عن تلك التي صودرت منهم؛ حيث حصل أصحاب البيوت الطينية على 400 دينار فقط، في حين كانت التعويضات أعلى قليلاً للبيوت المشيّدة من الحجر والخرسانة المسلحة. هذا في مقابل أن تم الاستيلاء على منازلهم وأراضيهم الزراعية التي قدرت مساحتها بمئات الآلاف من الدونمات. تلك الأراضي أُعطيت للعرب الموالين للنظام البعثي، وتحديدًا لعشيرتي اللهيب والحديدية. كان الهدف من هذه الإجراءات مهينًا ومعاقبًا للإيزيديين وسكان المنطقة بسبب دعمهم للحركة الكوردية واعتزازهم بقيادة البارزاني الخالد.
عاش من تم تهجيرهم أوضاعًا مأساوية، إذ اضطروا في البداية إلى السكن في العراء بلا مأوى يحميهم، بينما كانوا يعتمدون على المياه التي توزعها الحكومة بالتناكر. لكنهم استطاعوا التغلب على تلك الظروف القاسية بشجاعتهم وصبرهم وإيمانهم بمبادئهم القومية وولائهم لنهج البارزاني.
الإيزيديون واجهوا عقوداً طويلة من الاضطهاد الديني والقومي، واستمرت أراضيهم وقراهم تحت سيطرة العرب الموالين للنظام حتى سقوطه في التاسع من نيسان عام 2003. ومع ذلك، لم تجلب المرحلة الجديدة بعد السقوط تحسناً يُذكر لحياتهم، إذ واجهوا تهميشاً واضحاً من الحكومة المركزية التي أظهرت ازدواجية في التعامل معهم. كما أن حكومة إقليم كوردستان لم تمنح المناطق الإيزيدية الاهتمام الكافي بسبب تعقيدات إدارية تتعلق بعدم تطبيق المادة 140 وبقاء العديد من المناطق تحت سيطرة المركز بدلاً من الإقليم.
استمرت معاناة المجتمع الإيزيدي حتى بعد سقوط النظام البعثي، إذ لم يتم تعويضهم عن سنوات التهجير ولم تُنفذ مشاريع تنموية لتحسين واقعهم. هذه الأوضاع دفعت الكثيرين منهم إلى التمسك بخيار الهجرة كسبيل وحيد للخلاص من الألم والحرمان. وسرعان ما تفاقمت الأوضاع مع أحداث الثالث من آب 2014 عندما اجتاح تنظيم داعش الإرهابي مناطق سنجار وبعشيقة وبحزاني، مما أدى إلى موجة نزوح وهجرة جديدة للإيزيديين نحو أوروبا وأمريكا وأستراليا بحثاً عن الأمان والاستقرار.
ما يطمح إليه الإيزيديون اليوم هو وطن قائم على العدل والمساواة، حيث تُصان فيه حقوق الجميع دون تمييز. إن أملهم كبير بأن تولي الحكومتان العراقية والكوردستانية مزيداً من الاهتمام بمشكلاتهم وتقديم حلول عملية وفورية تعيد لهم كرامتهم وتخفف من معاناتهم. كما تتطلب المرحلة استجابة عاجلة لتوفير التعويضات للنازحين الإيزيديين، خاصة أولئك المقيمين في مخيمات إقليم كوردستان، وضمان عودتهم إلى ديارهم مع توفير الخدمات الأساسية لإعادة الحياة إلى مناطق سنجار وجوارها.
وأخيراً، فإننا ندعو الكابينة العاشرة لحكومة إقليم كوردستان إلى تخصيص اهتمام أكبر للإيزيديين، بما في ذلك إشراكهم في المناصب القيادية وصنع القرار تماشياً مع مبادئ الشراكة الوطنية. إن الإيزيديين دفعوا ثمناً باهظاً وقدّموا تضحيات جليلة من أجل كوردستان وحریتها، والآن آن الأوان لتعزيز دورهم وتمكينهم ليعيدوا بناء وطن يليق بتاريخهم الحافل وتضحياتهم الجسام..
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
