شبكة لالش الاعلامية

كاوه عبان: مركز لالش الثقافي والاجتماعي: منارة الهوية الإيزيدية وحارس الذاكرة

مركز لالش الثقافي والاجتماعي: منارة الهوية الإيزيدية وحارس الذاكرة

كاوه عبان

يُصادف 12 أيار من كل سنة ذكرى تأسيس مركز لالش الثقافي والاجتماعي، بحيث يعدُ مركز لالش واحداً من أبرز المؤسسات التي ارتبط اسمها بخدمة الثقافة الإيزيدية والحفاظ على الهوية الدينية والقومية والاجتماعية للإيزيديين، ولا سيما بعد مرحلة تاريخية طويلة اتسمت بالحرمان والتهميش ومحاولات طمس الخصوصية فقد جاء تأسيس هذا المركز في ظرف حساس من تاريخ كوردستان وتحديداً بعد انتفاضة شعب كوردستان في بداية تسعينيات القرن الماضي حين بدأت أبواب الحرية تنفتح أمام مكونات المجتمع الكوردستاني ومنها الإيزيديون الذين كانوا قد عانوا طويلاً من سياسات الإقصاء والتعريب ومنع التعبير الحر عن خصوصيتهم.

لم يكن ظهور مركز لالش مجرد خطوة تنظيمية أو ثقافية عابرة بل كان بداية لمشروع واسع يهدف إلى إحياء الوعي الإيزيدي وحماية التراث وتعريف الأجيال الجديدة بجذورها الدينية والثقافية، وقد جاء هذا العمل نتيجة جهود مخلصة بذلتها مجموعة من الشخصيات الإيزيدية الواعية التي أدركت أن بقاء أي مجتمع مرتبط بقدرته على حفظ ذاكرته وتدوين موروثه والدفاع عن هويته في وجه محاولات التشويه والذوبان ومن هنا حمل المركز رسالة واضحة مفادها أن الإيزيدياتية ليست مجرد طقوس دينية بل هي إرث روحي وثقافي أصيل يشكّل جزءاً مهماً من النسيج الثقافي الكوردستاني.

لقد كانت البدايات صعبة، كما هو حال كل مشروع يولد في زمن التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى فالمركز لم ينشأ في ظروف طبيعية بل في مرحلة كانت آثار النظام السابق وسياساته لا تزال حاضرة في الذاكرة والواقع فقد تعرض الإيزيديون خلال عقود طويلة لمحاولات منظمة تستهدف تغيير هويتهم القومية والدينية وجرى العمل على تعريب مناطقهم والتضييق على ثقافتهم ومحاولة فصلهم عن انتمائهم الكوردستاني الأصيل لذلك كان تأسيس مركز لالش خطوة مهمة في مواجهة تلك السياسات، لأنه وفر إطاراً مؤسساتياً يجمع المثقفين والمهتمين والناشطين لخدمة القضية الإيزيدية بأسلوب ثقافي واجتماعي منظم.

ومن الإنصاف عند الحديث عن هذا المركز أن نستذكر الشخصيات التي ساهمت في وضع لبناته الأولى ولا سيما الذين رحلوا عن عالمنا وتركوا خلفهم أثراً لا يمحى. ومن بين هؤلاء الأعلام: الأستاذ العلامة بير خدر سليمان،و الذي كان له دور كبير في خدمة المعرفة الإيزيدية، وكذلك شيخ شامو وشيخ عيدو بابا شيخ والبيشمركة سعيد سلو والأستاذ طارق شكري والأستاذ ريسان حسن والمرحومة سيفي بابا شيخ، إن ذكر هذه الأسماء ليس مجرد وفاء شخصي بل هو اعتراف بدور جيل حمل المسؤولية في مرحلة لم تكن سهلة وآمن بأن خدمة المجتمع تبدأ من حماية ثقافته وكرامته وذاكرته.

وقد استطاع مركز لالش رغم كل التحديات أن يتحول مع مرور الزمن إلى مؤسسة فاعلة لها حضور واضح داخل كوردستان وخارجها فمنذ سنواته الأولى اهتم المركز بجمع التراث الإيزيدي الشفهي وتوثيق النصوص الدينية والعادات والتقاليد والمناسبات الاجتماعية لأن جزءاً كبيراً من هذا التراث كان مهدداً بالضياع بسبب الاعتماد الطويل على النقل الشفهي وبفضل هذه الجهود أصبح بالإمكان تقديم صورة أوضح عن الإيزيدياتية وعن تاريخها وعن خصوصيتها بعيداً عن الأحكام الجاهزة والمعلومات المغلوطة التي كانت تُنشر أحياناً بسبب الجهل أو التعصب.

ومن أهم إنجازات المركز أيضاً مساهمته في إبراز المآسي التاريخية التي تعرض لها الإيزيديون من حملات اضطهاد وفرمانات وأنفالات ومحاولات إبادة لقد كان من الضروري أن تُكتب هذه المعاناة لا بهدف البقاء في دائرة الألم بل من أجل تثبيت الحقيقة التاريخية ومنع تكرار الظلم فالشعوب التي لا توثق مأساتها قد تجد نفسها مرة أخرى ضحية للنسيان أو الإنكار ومن هذا المنطلق أدى مركز لالش دوراً مهماً في نقل الصوت الإيزيدي إلى الرأي العام وفي تعريف الآخرين بما تعرض له هذا المكون الأصيل عبر مراحل مختلفة من التاريخ.

كما كان للمركز دور بارز في إدخال مادة الإيزيدياتية إلى المدارس وهي خطوة ذات أهمية كبيرة في بناء وعي الأجيال الجديدة فبعد أن كان الحديث عن الطقوس والنصوص الدينية الإيزيدية أمراً محاطاً بالخوف أو المنع في مراحل سابقة أصبح بإمكان الطلبة الإيزيديين أن يتعرفوا إلى دينهم وتراثهم ضمن إطار تربوي رسمي وهذه الخطوة لا تعني الانغلاق أو العزلة بل تعني الاعتراف بالتنوع واحترام خصوصية المكونات وهو أمر أساسي في أي مجتمع ديمقراطي يؤمن بالتعددية.

ولا يمكن الحديث عن مركز لالش من دون الإشارة إلى مجلة لالش، التي مثّلت نافذة ثقافية مهمة للتعريف بالإيزيدياتية داخل الوطن وخارجه فقد نشرت المجلة بحوثاً ودراسات ومقالات بلغات متعددة منها الكوردية والعربية والإنكليزية وغيرها وأسهمت في إيصال الفكر والثقافة الإيزيدية إلى القراء والباحثين والمهتمين وكانت المجلة بمثابة جسر بين الماضي والحاضر وبين المجتمع الإيزيدي والعالم الخارجي لأنها قدمت مادة معرفية تساعد على فهم هذا الدين العريق وتاريخه ورموزه وقيمه الإنسانية.

ومع توسع نشاط المركز، لم يعد وجوده مقتصراً على مكان واحد، بل امتدت فروعه ومكاتبه إلى مناطق متعددة داخل الوطن وخارجه. وهذا الانتشار يعكس حاجة المجتمع الإيزيدي إلى مؤسسة جامعة تهتم بشؤونه الثقافية والاجتماعية، وتدافع عن قضاياه، وتعمل على ترسيخ التعاون بين أبنائه. لقد بدأ المركز بفكرة محدودة وإمكانات متواضعة، لكنه تحول بجهود القائمين عليه وداعميه إلى شجرة واسعة الأغصان، يستظل بها كثيرون ممن يؤمنون بأهمية الثقافة والهوية والعمل الجماعي.

واليوم، وبعد ما تعرض له الإيزيديون من مأساة كبرى في الإبادة الأخيرة المعروفة بالفرمان الرابع والسبعين، أصبحت مسؤولية المركز أكبر من أي وقت مضى. فآثار تلك الجريمة لا تزال حاضرة في نفوس الضحايا والناجين والمهجرين، وما زال المجتمع الإيزيدي بحاجة إلى مؤسسات قوية تسانده في التعافي، وتدافع عن حقوقه، وتعمل على حماية ذاكرته من النسيان. لذلك فإن أعضاء المركز ومنتسبيه مطالبون بمواصلة الطريق بروح عالية، وبعمل مخلص، وبوعي عميق بحجم التحديات التي تواجه الإيزيديين في هذه المرحلة.

إن الحفاظ على الهوية لا يعني رفض الآخر، بل يعني معرفة الذات والتمسك بالجذور مع الانفتاح على المجتمع الأوسع. ومن هنا تأتي أهمية دور مركز لالش في مواجهة محاولات زرع الفتن وإثارة الانقسامات، سواء كانت قومية أو طائفية أو اجتماعية. فالإيزيديون جزء أصيل من كوردستان، وحماية هويتهم الكوردية والإيزيدية مسؤولية جماعية تتطلب الحكمة والوحدة والابتعاد عن كل ما يضعف الصف الداخلي.

كما هنأ الرئيس مسعود البارزاني الكورد الإيزيديين في إقليم كوردستان بمناسبة الذكرى السنوية لتأسيس مركز لالش قائلا “مركز لالش ساهم في حماية التراث والثقافة القومية لشعب كوردستان” .

وفي الختام، فإن مركز لالش الثقافي والاجتماعي لم يكن مجرد مؤسسة تحمل اسماً تاريخياً مقدساً، بل أصبح رمزاً للعمل الثقافي المنظم، وذاكرة حية للمجتمع الإيزيدي، ومنبراً للدفاع عن الحقيقة والهوية. ومن الواجب توجيه الشكر والتقدير لكل من أسهم في تأسيسه ودعمه واستمراره، سواء من الشخصيات الإيزيدية أو من القيادة الكوردستانية، وفي مقدمتها قيادة الرئيس بارزاني، التي قدمت دعماً مهماً لهذا المركز في مسيرته. كما يستحق التقدير كل من وقف إلى جانب المركز في أيامه الأولى، بجهده أو ماله أو علاقاته أو كلمته الصادقة.

سيبقى مركز لالش شاهداً على أن الثقافة قادرة على مقاومة محاولات المحو، وأن الشعوب التي تحفظ تراثها وتكرّم رجالاتها وتعلم أبناءها تاريخهم، تستطيع أن تبقى حية مهما اشتدت عليها المحن.

تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

___

سليمان عمر علي: في معبد لالش

Lalish Duhok

محمد مندلاوي: الفيليون.. كوردٌ أصلاء لا هم أنباط ولا هم آراميون1-2

Lalish Duhok

حسن الخفاجي: أغنياء يستجدون من الفقراء

Lalish Duhok