فرصة لإنعاش الخزين المائي.. هل تتحول تدفقات الفرات إلى فيضان أم طوق نجاة؟
بعد عقود من الانكماش المائي الذي يعود تاريخه إلى آخر فيضان كبير شهده العراق عام 1988، بدأت الخارطة الاقتصادية والزراعية للبلاد تستقبل مؤشرات تعافٍ واعدة. فقد سجلت مناسيب نهر الفرات في مدينة دير الزور السورية المتاخمة للحدود العراقية ارتفاعاً ملحوظاً، مما فرض واقعاً مائياً جديداً تحركت على إثره وزارة الموارد المائية سريعاً.
حيث أكد وزير الموارد مثنى التميمي، جاهزية المنشآت الهيدروليكية لاستيعاب هذه التدفقات وتحويلها من “موجة فيضانية محتملة” إلى أصول مائية إستراتيجية تدعم النمو الاقتصادي وتكافح خسائر الجفاف التراكمية.
السدود والخزانات
معاون مدير الهيئة العامة لتشغيل مشاريع الري والبزل، التابعة لوزارة الموارد المائية، غزوان السهلاني، قال إن الملاكات الفنية تواصل إطلاق كميات من المياه في حوضي دجلة والفرات، بهدف تلبية متطلبات إرواء البساتين وتأمين مياه الشرب، فضلاً عن المحافظة على الجريان البيئي للأنهار، بما ينعكس إيجاباً على الواقع البيئي والزراعي في مختلف المحافظات.
وأضاف أن توزيعات المياه تدار حالياً وفق نظام “المراشنة” بين الجداول المائية، وبحسب الحاجة الفعلية لكل جدول، لضمان العدالة في التوزيع وتحقيق أفضل استفادة من الخزين المائي المتاح.
وأشار السهلاني إلى أن الوزارة تركز في الوقت الراهن على الاستفادة من الكميات المائية الواردة لإعادة إنعاش الأهوار، مؤكداً أن نسب الاغمار وصلت إلى مراحل جيدة.
ولفت إلى أن المياه تم توزيعها بصورة جيدة وإيصالها إلى الذنائب، في المحافظات ومنها البصرة والمثنى وذي قار، الأمر الذي ساهم في تحسين الواقع المائي وتقليل تأثيرات الشح المائي في تلك المناطق.
وفي ما يتعلق بملوحة المياه، نوه السهلاني بتسجيل انخفاض كبير في نسب الأملاح في شط العرب، بعد أن كانت قد وصلت إلى تراكيز عالية خلال الفترات السابقة، مبيناً أن التراكيز الملحية أصبحت حالياً منخفضة في مناطق شمال ووسط البصرة.
وأكد عودة قناة شط العرب الإروائية إلى العمل، والذي من شأنه تعزيز تجهيز المياه وتحسين الواقع الزراعي والبيئي في المحافظة.
إدارة فنية
من ناحيته، أشر الخبير في الشأن الاقتصادي، ماجد أبو كلل، زيادة واضحة في واردات نهر الفرات القادمة من تركيا عبر الأراضي السورية، لافتاً إلى إمكانية أن تكون تلك الزيادة، فرصة مهمة للعراق لتعويض جزء من النقص المائي الذي تراكم في سنوات الجفاف بشرط إدارة الزيادة إدارة فنية دقيقة، لا إلى تهويل أو إهمال.
وشدد أبو كلل، على ضرورة العمل على جاهزية منشآت السيطرة والخزن، مشيراً إلى أهمية أن تأخذ وزارة الموارد المائية، دورها بتكثيف الفحص وصيانة البوابات والنواظم والمعدات الميكانيكية والكهربائية في سد حديثة، وسدة الرمادي، وناظم الورار المؤدي إلى الحبانية، وقنوات التصريف باتجاه الرزازة.
وأضاف أن هذه المنشآت هي من تسمح بخزن المياه وتنظيم التصاريف وتقليل الضغط على المدن والقرى الواقعة على ضفاف الفرات، منوهاً بأهمية المتابعة اليومية للمناسيب والتصاريف، مع إعلان الارشادات للحكومات المحلية والسكان، للاستعداد المبكر ومعرفة توقيت وحجم الاطلاقات المائية قبل وصولها إلى كل محافظة، حاثًا على توجيه الأهالي وتعريفهم بالأساليب الوقائية، لمن يسكن في المناطق المنخفضة او القريبة من حافة النهر ونقل المواشي والممتلكات كإجراء احترازي.
زيادة الإطلاقات
على صعيد ذي صلة، رأى الباحث في الشأن الاقتصادي، عماد المحمداوي، أن زيادة الإطلاقات المائية في نهر الفرات حاليًا هي حالة إيجابية، تعمل على تخفيف الجفاف في الأراضي الزراعية، خاصة وأن البلد يمر ومنذ سنوات بأزمة جفاف وانخفاض في الخزين المائي، مبينًا أن الإطلاقات الحالية، في حال إدارتها بشكل صحيح، ستعمل على زيادة الخزين المائي، فضلاً عن تقليل الملوحة وتوسيع المساحات الزراعية وتحسين الري.
وأوضح المحمداوي، أن ارتفاع مناسيب السدود والخزانات، يعمل على تأمين المياه في فصل الصيف وتقليل الشحة، فضلاً عن تقليل نسبة تركز الملوحة في الأراضي الزراعية، ناهيك عن أن زيادة التدفقات تخفف التلوث وتحسن نوعية المياه، مؤكدًا أن احتمالية الفيضانات، في الوقت الحاضر قليلة جداً لأن البلد يعاني أساسًا من شح المياه وهنالك العديد من البحيرات شبه فارغة، خاصة بحيرة الرزازة والحبانية والكثير من المسطحات المائية التي يمكن توجيه المياه إليها.
قلق مشروع
المحمداوي الذي أعرب عن قلقه، من إمكانية تأثر بعض الأراضي الزراعية القريبة من النهر بالغرق خاصة المحاذية للأنهر في الأنبار والنجف، شدد على ضرورة التعامل مع هذه الاطلاقات وإدارتها بالشكل الأمثل، والحد من الهدر، لافتًا إلى أنه من غير المرجح أن تتحول إلى فيضانات خطيرة.
يشار إلى أن وزير الموارد المائية الأسبق، حسن الجنابي أفاد بوجود موجة تخويف من حالة لا تستحق الهلع بشأن الكثير من المياه التي أطلقت من السدود التركية والسورية وبناءاً عليه سيغرق العراق، موضحًا أن كل ما سيأتي من سوريا يمكن تخزينه في سد حديثة على الفرات الذي يعاني فراغًا خزنيًا بنسبة 75% وبحاجة إلى 6 مليارات متر مكعب للإمتلاء، فضلاً عن بحيرة الحبانية شبه الفارغة والتي تستوعب نحو 3 مليارات متر مكعب، ناهيك عن بحيرة الرزازة الفارغة ذات الخزين المغلق.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
