تضخم سكاني وعشوائيات.. متخصصون يفككون عقدة السكن في العراق
لم تعد أزمة السكن في العراق مجرد تحدٍ خدمي مرتبط بتوفير وحدات سكنية إضافية، بل تحولت إلى واحدة من أعقد الأزمات البنيوية التي تواجه الدولة، نظراً لتشابكها مع النمو السكاني المتسارع، وضعف التخطيط الحضري، وغياب التوازن بين العرض والطلب، فضلاً عن تعقيدات اقتصادية وسياسية أسهمت في تكريس واقع عمراني هش.
وفي بلد يتجاوز عدد سكانه 46 مليون نسمة، تتفاقم الحاجة إلى ملايين الوحدات السكنية، بينما تتسع رقعة العشوائيات في أطراف المدن ومراكزها، لتصبح مشهداً يعكس عمق الاختلال في إدارة ملف الإسكان.
وتشير تقديرات رسمية إلى وجود ما بين 3 إلى أكثر من 9 ملايين شخص يعيشون في مناطق غير نظامية، فيما تؤكد وزارة التخطيط وجود نحو 104 آلاف وحدة سكنية عشوائية بالكامل تضم ما بين 500 إلى 600 ألف نسمة، ما يكشف عن فجوة سكنية تتجاوز الأرقام التقليدية وتضع الدولة أمام اختبار تنموي معقد.
التخطيط الاستراتيجي
ويقول المتحدث السابق باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، إن دور الوزارة “محوري في معالجة أزمة السكن عبر التخطيط الاستراتيجي ووضع السياسات العامة وتوفير البيانات والمؤشرات اللازمة بالتنسيق مع وزارة الإعمار والإسكان والحكومات المحلية والقطاع الخاص”.
ويضيف الهنداوي لوكالة شفق نيوز، أن الوزارة تعمل على إعداد الخطط التنموية الوطنية والاستراتيجيات السكانية والعمرانية التي تهدف إلى تحقيق التوازن بين النمو السكاني والتوسع الحضري، وتوجيه التنمية نحو المدن الجديدة والمراكز الحضرية، والحد من الضغط على مراكز المدن الكبرى.
وبحسب المتحدث، فإن ملف الإسكان أُدرج ضمن أولويات خطة التنمية 2024–2028، من خلال تقدير العجز السكني الحالي والمستقبلي وتحديد الاحتياجات الفعلية وفق النمو السكاني، وتوجيه الاستثمارات نحو المشاريع السكنية ودعم إنشاء المدن الجديدة والمجمعات المتكاملة.
ويشير إلى أن الوزارة تعتمد على هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية (GIS) في إنتاج خرائط التوسع الحضري، ومؤشرات العجز والكثافة السكانية، وبيانات العشوائيات والتجاوزات.
ورغم هذا التوجه التخطيطي، يقرّ الهنداوي بأن الأزمة لا تتعلق بالأرقام فقط، بل بضعف التوسع السكني النظامي، قائلاً إن الوزارة تعمل على منع الزحف العمراني على الأراضي الزراعية، وتنظيم استعمالات الأرض، وتشجيع الاستثمار والقطاع الخاص، ضمن التنمية الحضرية المستدامة.
المعالجة التنفيذية
وعلى المستوى التنفيذي، تتعامل وزارة الإعمار والإسكان مع الملف باعتباره أزمة ميدانية تتطلب تدخلاً تنظيمياً وتشريعياً مباشراً.
ويقول المتحدث باسم الوزارة استبرق صباح، إن ملف التجاوزات على الأراضي السكنية “أحد الملفات ذات الأولوية لما له من تأثير مباشر على كفاءة استعمال الأرض وسلامة التصاميم الأساسية وحماية أملاك الدولة”.
ويضيف صباح لوكالة شفق نيوز، أن الحكومة اعتمدت قرارات مجلس الوزراء، أبرزها القراران (20) و(614) لسنة 2025، لمعالجة أوضاع التجاوزات ضمن إطار قانوني، عبر تحديد شروط فنية وتشريعية لشمول الوحدات بالتمليك، وتشكيل لجان للكشف والتدقيق والجرد، وتحديد مدد زمنية لتقديم الطلبات وتنظيم عمليات البيع أو التمليك وفق القانون.
ويؤكد أن هذه الإجراءات لا تقتصر على تقنين الواقع القائم، بل تهدف أيضاً إلى منع تكراره، عبر تحديث التصاميم الأساسية للمدن، ومراقبة استعمالات الأراضي، والكشف المبكر عن التجاوزات، وتوفير أراضٍ مخدومة ومشاريع سكنية نظامية.
ويتابع أن هذه القرارات إطار استثنائي لمعالجة الواقع الحالي، لكن الهدف الاستراتيجي هو منع نشوء تجاوزات جديدة والحفاظ على هيكل المدن.
أزمة سكن أم ضعف الدولة؟
في قراءة أعمق لطبيعة الأزمة، يرى الخبير الاقتصادي العراقي كريم الحلو، أن ما يجري لا يمكن اختزاله بنقص الوحدات السكنية فقط، بل هو انعكاس مباشر لاختلالات بنيوية في إدارة الدولة.
ويقول الحلو لوكالة شفق نيوز، إن التجاوزات في العراق تراكم تاريخي يمتد منذ العهد الملكي، وتفاقم بعد عام 2003 نتيجة ضعف سيطرة الدولة والتساهل في التطبيق.
ويضيف أن التجاوزات تنتشر على الأراضي الزراعية والمقالع وحتى مجاري المياه، وغالباً ما تتم بحماية قوى سياسية، مؤكداً أن جوهر المشكلة يكمن في غياب القانون وضعف الدولة في فرضه.
ويشير إلى أن مشاريع الإسكان التي أُنجزت خلال السنوات الماضية لم تستطع تفكيك الأزمة، لأن “معظمها لم يستهدف الطبقة الفقيرة والمتوسطة، وهي الشريحة الأكثر حاجة.
كما يلفت إلى أن النمو السكاني السريع يفاقم العجز السكني، موضحاً أن العراق لم يعتمد نموذج البناء العمودي بشكل كافٍ، بل بقي رهين التوسع الأفقي الذي يستهلك الأراضي دون كفاءة.
المدن الجديدة
في مواجهة هذا الواقع، تتجه الحكومة العراقية إلى خيار مزدوج يقوم على تقنين القائم وإنشاء مدن جديدة لتخفيف الضغط عن المراكز الحضرية التقليدية.
ويجري العمل على مشاريع مدن سكنية كبرى يفترض أن تستوعب مئات الآلاف من السكان، ضمن شراكات مع القطاع الخاص ونظام المطور العقاري، بالتزامن مع التوسع في مشاريع السكن العمودي لتقليل استهلاك الأراضي الزراعية والحد من التمدد العشوائي.
لكن هذا الرهان يواجه انتقادات متزايدة من خبراء وبرلمانيين يرون أن جزءاً كبيراً من مشاريع الاستثمار العقاري خلال العقدين الماضيين اتجه نحو المجمعات الفاخرة، ما جعل الطبقة المتوسطة والفقيرة خارج نطاق التملك.
وتكمن المعضلة هنا في أن معالجة العجز السكني لا تتحقق فقط بزيادة عدد الوحدات، بل بتوفير نماذج تمويلية وأسعار واقعية تتناسب مع القدرة الشرائية لغالبية العراقيين.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
