شبكة لالش الاعلامية

حسن عبد الهادي: سهل نينوى الجريح.. حين يفقد العراق أحد أعمدة هويته

سهل نينوى الجريح.. حين يفقد العراق أحد أعمدة هويته

حسن عبد الهادي

في بيان حمل الكثير من الألم والمسؤولية، دعت كتلة صويانا المسيحية النيابية الحكومة العراقية إلى التحرك الجاد لحماية مناطق الوجود المسيحي، وفي مقدمتها سهل نينوى، ومنع أي سياسات أو ممارسات من شأنها الإخلال بتركيبتها السكانية أو فرض تغييرات ديموغرافية عليها.

جاء البيان بالتزامن مع الذكرى الثانية عشرة لتهجير المسيحيين من الموصل وسهل نينوى على يد تنظيم داعش، مؤكدةً أن مرور اثني عشر عاماً على تلك المأساة يفرض على الدولة والمجتمع الدولي معاً مسؤولية مضاعفة، في ظل استمرار الهجرة وضعف فرص العودة والتحديات الأمنية والخدمية التي لا تزال تعيق الاستقرار في تلك المناطق.

هذا البيان، رغم إيجازه، يفتح ملفاً أعمق بكثير من مجرد ذكرى سنوية تُستدعى كل عام: إنه يضعنا أمام سؤال وجودي عن هوية العراق نفسه، وعن مصير مكوّن أصيل يشكّل امتداداً حضارياً يسبق الفتح الإسلامي بقرون، ويرتبط بأقدم الحواضر المسيحية في الشرق.

السادس من آب الذاكرة التي لا تُنسى

السادس من آب 2014 لم يكن مجرد تاريخ عابر في سجل الأحداث العراقية، بل محطة تأسيسية في الوعي الجمعي لمسيحيي العراق. في تلك الليلة، اضطر عشرات الآلاف من أبناء الموصل وسهل نينوى – تشير التقديرات إلى نحو 120 ألف شخص – إلى ترك بيوتهم وكنائسهم وأراضي أجدادهم خلال ساعات، هرباً من حملة تطهير عرقي وديني ممنهجة نفّذها تنظيم داعش، رافقتها عمليات تدمير واسعة للكنائس والأديرة والمواقع الأثرية وحرق الممتلكات. لم يكن الأمر نزوحاً عابراً بقدر ما كان اقتلاعاً لجذور امتدت لألفي عام في أرض واحدة.

اثنا عشر عاماً والجرح لم يندمل

اللافت في بيان كتلة صويانا أنه لا يكتفي باستحضار الذكرى، بل يضع إصبعه على حقيقة مقلقة: أن العودة لم تكتمل، وأن الهجرة لاتزال مستمرة رغم مرور أكثر من عقد على هزيمة داعش عسكرياً. فالمشكلة لم تعد أمنية بحتة، بل تحوّلت إلى أزمة بنيوية متعددة الأوجه: ضعف الخدمات، غياب فرص العمل الحقيقية، استمرار وجود جهات مسلحة خارج هيبة الدولة في مناطق ذات حساسية ديموغرافية بالغة، وتأخر ملفات التعويض وإعادة الإعمار الكاملة. كل هذه العوامل مجتمعة تدفع بصمت نحو ما يمكن تسميته “الهجرة الزاحفة” ليست بقرار جماعي مفاجئ كما حدث عام 2014، بل بتسرب تدريجي عائلة تلو الأخرى، وهو نمط أشد خطورة لأنه أقل إثارة للانتباه وأصعب في المعالجة.

لماذا تُعد خسارة المسيحيين خسارة للعراق كله؟

ثمة ميل أحياناً في الخطاب السياسي والإعلامي إلى التعامل مع قضايا الأقليات باعتبارها “شأناً خاصاً” بأصحابها، وهذا فهم قاصر وخطير. فوجود المسيحيين في العراق ليس تفصيلاً ديموغرافياً هامشياً، بل هو جزء عضوي من التكوين الحضاري للبلاد، أسوة بالمكوّن الإيزدي والصابئي المندائي وسائر المكونات الأصيلة التي نسجت معاً على مدى قرون فسيفساء التنوع العراقي.

حين يُفرّغ سهل نينوى من أهله الأصليين، فإن العراق لا يخسر فقط عدداً من السكان، بل يخسر:

-شاهداً حياً على عمقه التاريخي، إذ تحتضن هذه المنطقة كنائس وأديرة يعود بعضها إلى القرون الميلادية الأولى.

-نموذجاً للتعايش كان يُفترض أن يكون مصدر فخر وطني، لا ملفاً أمنياً مؤجلاً.

-رأس مال بشري ومعرفي وثقافي ساهم تاريخياً في الحياة العلمية والاقتصادية والإدارية للبلاد.

-صورته أمام العالم كدولة قادرة على حماية تنوعها، في وقت يُستخدم فيه ملف الأقليات كمعيار لقياس مدى التزام أي دولة بحقوق الإنسان والمواطنة المتساوية.

مسؤولية الدولة لا الأقليات

من الإنصاف القول إن استمرار هذا النزيف الديموغرافي لا يمكن تحميله لإرادة المسيحيين أنفسهم أو ضعف تمسكهم بأرضهم، بل هو انعكاس مباشر لتقصير مؤسسي متراكم. فحين تبقى منطقة كسهل نينوى بلا حسم واضح لملف السلاح، وبلا خطة تنموية جادة، وبلا ضمانات سياسية وقانونية راسخة تحمي التوازن الديموغرافي من أي تغيير قسري أو زاحف، فإن الدولة نفسها تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن كل عائلة تحزم حقائبها وتغادر.

المطلب الذي رفعته كتلة صويانا – حصر السلاح بيد الدولة، وإسناد الملف الأمني لأبناء المنطقة، ووضع سياسات تحول دون أي تغيير ديموغرافي – ليس مطلباً فئوياً، بل هو بالضبط ما يفترض أن تتبناه أي دولة تحترم مبدأ المواطنة الكاملة وتدرك خطورة استمرار تفريغ مناطقها من تنوعها الأصيل.

اختبار وطني لا طائفي

بقاء المسيحيين وسائر المكونات الأصيلة في أرضهم التاريخية ليس ملفاً إنسانياً عابراً يُستذكر في المناسبات، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة العراقية على حماية الصورة التي طالما تغنّت بها عن نفسها: بلاد الحضارات والأديان والأعراق المتعايشة. وكل يوم تأخير في معالجة هذا الملف هو خطوة إضافية نحو مشهد عراقي أكثر تجانساً ظاهرياً، لكنه أشد فقراً في عمقه الحضاري وأضعف في رصيده الأخلاقي أمام التاريخ وأمام العالم.

تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

___

كفاح جمعة كنجي: عثرات خطاط ومواقف مضحكة

Lalish Duhok

حيدر حسين سويري: روسيا الشيعية وأمريكا السنية: يساهمان في الحرب والقضاء على العرب المسلمين!

Lalish Duhok

عبدالغني علي يحيى: حكم أهل الثقة مرآة الفساد والانحطاط

Lalish Duhok