شبكة لالش الاعلامية

قرى “الأشباح” في قضاء سنجار: داعش هجّر السكان وأزمة المناخ تمنع عودتهم

قرى “الأشباح” في قضاء سنجار: داعش هجّر السكان وأزمة المناخ تمنع عودتهم

تبرز قرية “فاكة” الصغيرة في قضاء سنجار كشاهد حي على مأساة مزدوجة، حيث يعيش من تبقى فيها صمتاً مطبقاً، اليوم الأربعاء 19 آب/أغسطس 2026، وسط شوارع خالية من ضجيج الأطفال ومحال تجارية مغلقة، ومنازل بلا أسقف تملأ التلال وتنتشر على جدرانها آثار الشظايا، بينما تشق الأعشاب البرية طريقها عبر غرف المعيشة المنهارة.

بعد مرور أكثر من عقد على اجتياح تنظيم داعش للمنطقة، لا تزال آثار الحرب مرئية في كل زاوية، لكن السكان الذين حاولوا العودة يواجهون اليوم “عدواً جديداً” أخذ يحل محل الحرب ببطء وهدوء. ويقول رجب محمد (62 عاماً)، مختار القرية، وهو يقف فوق أنقاض “فاكة”: “المشكلة اليوم لا تقتصر على داعش فحسب؛ بل هي المياه، والوظائف، والمستقبل”.

في جميع أنحاء سنجار، باتت المنازل المهجورة تفوق في عددها تلك المأهولة. وبينما وضعت الحرب مع داعش أوزارها، بدأت معركة البقاء ضد الجفاف والإهمال، وهي معركة يبدو أن الوقت ليس في صالح القرويين فيها.

تاريخ من النزوح والإبادة

قبل آب/أغسطس 2014، كانت “فاكة” تضم نحو 150 عائلة، لكن مع سيطرة مسلحي داعش على سنجار، فَرّ السكان مع تقدم خطوط المواجهة في شمال غرب العراق. وقد شهدت المنطقة آنذاك ما اعترفت به الأمم المتحدة كعملية إبادة جماعية ضد الكورد الإيزيديين، حيث قُتل الآلاف واختُطف أكثر من 6000 شخص، معظمهم من النساء والأطفال.

وعلى الرغم من أن قرية “فاكة” وقرية “قوبق” المجاورة نجتا من المجازر الجماعية التي دمرت قرى أخرى، إلا أن الغارات الجوية والمعارك البرية خلفت دماراً واسعاً. واليوم، لم تعد سوى 20 عائلة فقط، بينما استقر الباقون في أماكن أخرى، متأثرين بغياب إعادة الإعمار ونقص الخدمات الأساسية، في منطقة جعلت فيها أزمة المناخ سبل العيش الريفية، مثل الزراعة، غير مستقرة بشكل متزايد. وتساءل عقيل رضا، من قرية “قوبق”: “يسأل الناس لماذا لا تعود العائلات؟ الجواب بسيط: أين سيعيشون؟ وكيف سيكسبون رزقهم؟”.

أزمة المناخ: العدو الصامت

صنفت الأمم المتحدة العراق في المرتبة الخامسة بين الدول الأكثر عرضة لنقص المياه والغذاء والحرارة الشديدة. وتتوقع السلطات الاتحادية أنه بحلول عام 2050، سيرتفع متوسط درجة الحرارة السنوية في البلاد بمقدار 2.5 درجة مئوية، مع زيادة 24 يوماً إضافياً في السنة تتجاوز عتبات الحرارة القصوى. وفي هذا الصيف، اقتربت درجات الحرارة في سنجار من 50 درجة مئوية.

أصبحت الأمطار غير منتظمة، والصيف أطول وأكثر حرارة، بينما يقلل الجفاف الممتد من الإنتاج الزراعي. وحذرت الممثلة الخاصة للأمم المتحدة في وقت سابق من أن العراق لن يتمكن من تلبية سوى 15% من احتياجاته المائية بحلول عام 2035 إذا استمرت الاتجاهات الحالية. وفي المناطق الريفية، حيث تظل الزراعة المصدر الرئيسي للدخل، باتت قضايا المناخ والهجرة لا تنفصل عن بعضها البعض؛ إذ سجلت المنظمة الدولية للهجرة نزوح أكثر من 186 ألف شخص بسبب عوامل مرتبطة بالمناخ في مختلف أنحاء العراق حتى أيلول/سبتمبر 2025.

آبار جافة وأراضٍ ملغومة

في قرية “تل جدوع”، يسير بهجت عثمان حسن بين منازل مدمرة لم تُرمم أبداً، حيث لا تزال الطرق ترابية والكهرباء متقطعة. وقبل الحرب، كان يعيش هنا أكثر من 200 شخص، أما اليوم فبالكاد بقي 50 شخصاً. ويقول حسن: “لم يغادر الناس لأنهم أرادوا ذلك، بل لأنهم لم يعودوا قادرين على العيش هنا”.

وبينما لا تزال أجزاء من الريف المحيط ملوثة بالذخائر غير المنفجرة التي خلفها التنظيم، فإن القلق الأكبر يكمن تحت الأرض، حيث تستمر مستويات المياه الجوفية في الانخفاض سنوياً. ويوضح حسن: “قبل سنوات، كان بإمكانك الوصول إلى الماء على عمق 10 أمتار، أما اليوم، فيتعين علينا الحفر حتى 25 متراً، وكل عام يصبح الأمر أكثر تكلفة”.

وعلى مقربة من “تل جدوع”، تقدم قرية “السجعة” مثالاً لما يحدث عندما يتم تجاوز “نقطة الانهيار”. قبل الحرب، كانت القرية تضم 37 عائلة، واليوم، لا تزال المنازل الـ 24 القائمة متضررة بشدة، وقد اجتاحتها النباتات الشوكية والحشائش البرية، ولم يعد يسكنها أحد. يقول آصف حسن علي (43 عاماً)، وهو أحد القلائل الذين لا يزالون يترددون على المكان: “الجميع ذهبوا إلى تلعفر. بالنسبة للعائلات، العيش هنا مستحيل؛ كل شيء قُصف ولا يمكن لأحد السكن في هذه الظروف”.

فقدان جيل كامل

لا تفقد هذه القرى سكانها فحسب، بل تفقد جيلاً كاملاً. فمدارس القرى تضم عدداً أقل من التلاميذ كل عام، والذين يكملون تعليمهم الثانوي نادراً ما يعودون بعد التخرج من الجامعة، بينما يتجه آخرون مباشرة إلى وظائف البناء في مدن مثل الموصل أو أربيل (كوردستان)، حيث الأجور أكثر استقراراً من الزراعة رغم تواضعها.

ويروي الشاب “سمين” (19 عاماً)، من قرية “قزل قويو”، كيف احترقت حديقة خضروات عائلته تماماً بعد أن تسببت “دوامة غبار” (عاصفة ترابية مصغرة) في حدوث شرارة كهربائية أشعلت النباتات الجافة. وأصبحت هذه الأعمدة الدوارة من الهواء الساخن، الشائعة خلال فصول الصيف الشديدة في العراق، رمزاً آخر لتغير المناخ. ويقول سمين: “كل أصدقائي يريدون المغادرة، وأحياناً أريد ذلك أيضاً، لكن إذا رحلت، فمن سيساعد والديّ؟”.

تتطلب هذه الأزمة تدخلاً عاجلاً من الوزارات والدوائر الاتحادية في بغداد لتوفير حلول مستدامة للمياه وإعادة إعمار البنى التحتية، وإلا فإن قرى سنجار التي نجت من “الإبادة الجماعية” قد تختفي تماماً بسبب “الإبادة المناخية” وتآكل سبل العيش. وفي ظل غياب استراتيجية وطنية شاملة مدعومة من الحكومة الاتحادية، ستبقى هذه القرى “قرى أشباح” تسكنها الذكريات وتذروها الرياح الساخنة.

المصدر: صحیفة The Guardian البریطانیة

  

تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

___

تخصيص 2 مليار دينار في موازنة 2017 لاعادة تأهيل الناجيات من قبضة داعش

Lalish Duhok

لالش بحزاني يمنح درع المركز للنائب شيروان الدوبرداني

Lalish Duhok

مركز لالش الثقافي والاجتماعي / فرع بحزاني: تعزية

Lalish Duhok