شبكة لالش الاعلامية

فرست مرعي: الأنفال.. حين يصبح الموت ذاكرةً وتتحول الذاكرة إلى هوية

الأنفال.. حين يصبح الموت ذاكرةً وتتحول الذاكرة إلى هوية

فرست مرعي

لم تكن الأنفال مجرد حملة عسكرية عابرة في تاريخ العراق الحديث، ولا يمكن اختزالها في أرقام القتلى والمفقودين والقرى المدمرة. فالجريمة التي وقعت بحق الكورد في عام 1988 كانت، في معناها الأعمق، اعتداءً على الإنسان في وجوده الفردي والجماعي، وعلى المكان بوصفه حاضنة للذاكرة، وعلى الأسرة بوصفها المؤسسة الأولى التي تحفظ استمرارية المجتمع، وعلى الدين بوصفه أحد مصادر المعنى في مواجهة الموت والمحنة.

ولهذا فإن الحديث عن الأنفال لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: كم قتل؟ وكم قرية دمرت؟ وإنما ينبغي أن يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقاً: ماذا يحدث للإنسان حين يُسلب منه الماضي، ويُهدد حاضره، ويصبح المستقبل نفسه موضع خوف؟.

لقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش أن حملة الأنفال اتسمت بالإعدامات الجماعية والاختفاء القسري والتهجير القسري واستخدام الأسلحة الكيميائية وتدمير نحو ألفي قرية، بما فيها المنازل والمدارس والمساجد والبنية الاقتصادية الريفية. وقد خلصت المنظمة، استناداً إلى آلاف الوثائق الحكومية العراقية وشهادات مئات الناجين، إلى أن الحملة شكلت جريمة إبادة جماعية بحق الكورد.

لكن الإبادة لا تنتهي عندما يتوقف القتل. فقد ينتهي الفعل العسكري، بينما تبدأ بعده حياة أخرى للضحايا والناجين؛ حياة مشبعة بالغياب والأسئلة والقلق والبحث عن المعنى. ومن هنا يمكن النظر إلى الأنفال بوصفها حدثاً مستمراً في الذاكرة، لا حدثًا انتهى بانتهاء العمليات العسكرية في عام 1988.

أولًا: الأنفال بوصفها اعتداءً على الإنسان والمكان

يتميز الإنسان عن الكائنات الأخرى بأنه لا يعيش في المكان فحسب، بل يمنح المكان معنى. فالقرية ليست مجموعة من البيوت، والوادي ليس مجرد مساحة جغرافية، والمقبرة ليست قطعة من الأرض. المكان عند الإنسان يتحول مع الزمن إلى ذاكرة، والذاكرة بدورها تتحول إلى جزء من الهوية.

لهذا كان تدمير القرى في الأنفال يتجاوز المعنى العسكري المباشر. فعندما تهدم القرية، لا يهدم البيت وحده، وإنما يهدم جزء من التاريخ الذي صنعته أجيال متعاقبة. وعندما تُدمر المدرسة والمسجد والمقبرة والحقول، فإن المجتمع يفقد بعض المؤسسات التي كانت تربط الماضي بالحاضر والمستقبل.

وقد أظهرت دراسة هيومن رايتس ووتش لقرية “كوريمي” الواقعة في منطقة دهوك بصورة واضحة كيف أدت الأنفال إلى تفكيك القرية بوصفها كياناً مادياً واجتماعياً وثقافياً؛ إذ قتل أو اختفى عدد كبير من الرجال والفتيان، ونُقلت النساء والأطفال والمسنون قسراً، ثم دمرت القرية حتى أساساتها. وتصف الدراسة الأنفال بأنها لم تستهدف السكان فقط، وإنما سعت إلى إنهاء القرية باعتبارها كياناً مادياً وثقافياً.

وهنا تتكشف إحدى أكثر المفارقات مأساوية: يمكن قتل الإنسان مرة واحدة، لكن يمكن قتل المكان مرات عديدة؛ مرة عندما يهدم، ومرة عندما يمنع أهله من العودة إليه، ومرة عندما يمحى من الذاكرة الرسمية، ومرة عندما يصبح أبناؤه عاجزين عن نقل صورته كاملة إلى الأجيال التالية.

ثانياً: تفكيك البنية الاجتماعية

كانت المجتمعات الريفية الكوردية قبل الأنفال تعتمد على شبكة معقدة من العلاقات العائلية والعشائرية والجوار والعمل المشترك والروابط الدينية والمكانية. وكان الفرد يعرف نفسه من خلال أسرته وقريته ومنطقته، وكان المكان يؤدي دوراً مهماً في تثبيت هذه العلاقات.

لكن الأنفال أحدثت خلخلة عميقة في هذه البنية. فالقتل والاختفاء لم يستهدفا الأفراد بصورة منفصلة؛ بل استهدفا في حالات كثيرة جماعات كاملة، وخصوصاً الرجال والشباب. والتهجير نقل الأسر من فضاء اجتماعي مألوف إلى بيئات جديدة، بينما أدت عمليات إعادة التوطين إلى تفكيك كثير من أنماط الحياة الريفية التقليدية.

وهنا لا ينبغي النظر إلى الأسرة باعتبارها مجرد وحدة اجتماعية، بل باعتبارها ذاكرة حية. فإذا فقد الطفل أباه، والزوجة زوجها، والأم ابنها، فإن الفقد لا يكون عاطفياً فقط، وإنما يؤدي إلى إعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة. يصبح الطفل مضطراً إلى النضج المبكر، وتتحمل المرأة أدواراً اقتصادية واجتماعية كانت موزعة سابقاً بين أفراد الأسرة، ويصبح المسن أحياناً حاملاً لذاكرة عائلة فقدت كثيراً من شهودها.

ومن ثم يمكن القول إن الأنفال أحدثت انتقالاً من المجتمع المستقر إلى مجتمع الناجين. والمجتمع الذي يعيش بمنطق النجاة يختلف عن المجتمع الذي يعيش بمنطق الاستقرار؛ ففي الأول يصبح الخوف جزءاً من الوعي، وتصبح الثقة أكثر هشاشة، ويصبح المستقبل أقل قابلية للتنبؤ.

ثالثاً: من صدمة الفرد إلى صدمة الجماعة

ربما كان الأثر النفسي للأنفال من أعمق آثارها وأكثرها استمراراً. فالصدمة لا تختفي بالضرورة بمجرد انتهاء الخطر. وقد بينت دراسات حديثة أن آثار الإبادة والهجمات الكيميائية على الكورد امتدت إلى أجيال لاحقة، وأن بعض الناجين وأبنائهم وأحفادهم مازالوا يعانون من آثار مرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب ومظاهر أخرى من المعاناة النفسية.

وهذا يقودنا إلى مفهوم فلسفي مهم هو الذاكرة الموروثة. فالجيل الذي لم يعش الأنفال بصورة مباشرة قد يعيش آثارها من خلال قصص الآباء، وصور المفقودين، وزيارات المقابر الجماعية، وأسماء القرى التي لم تعد موجودة، والصمت الذي يحيط ببعض الحوادث.

فالطفل الذي يسمع أباه يتحدث عن شخص مفقود لا يعرف قبره، لا يتلقى معلومة تاريخية فحسب؛ بل يتلقى تجربة عاطفية. والابن الذي ينشأ في بيت تعيش فيه الأم على انتظار خبر عن زوج أو ابن مفقود، قد يتعلم بصورة غير مباشرة أن العالم مكان غير آمن.

وهنا تصبح الذاكرة سلاحاً ذا حدين: فهي من جهة تحفظ الحقيقة وتمنع الجريمة من السقوط في النسيان، لكنها من جهة أخرى قد تجعل الألم حاضراً باستمرار إذا لم تتحول الذاكرة إلى معرفة ومصالحة وعدالة.

رابعاً: الأنفال وأزمة الثقة

من أخطر النتائج النفسية والسياسية للعنف الجماعي انهيار الثقة. فالإنسان يحتاج إلى الثقة بالدولة، وبالمؤسسات، وبالمستقبل، وبإمكان حماية القانون له. وعندما تتحول الدولة نفسها إلى مصدر للخوف والقتل والتهجير، فإن العلاقة بين المواطن والدولة تتعرض لانهيار عميق.

ومن هنا يمكن فهم لماذا لا تكفي عملية التعويض المادي وحدها لمعالجة آثار الأنفال. فالبيت يمكن إعادة بنائه، والمال يمكن تعويضه، والقرية يمكن إعادة إعمارها، لكن الثقة المفقودة لا يمكن بناؤها بالخرسانة.

إن العدالة في حالة كهذه ليست انتقاماً، وإنما محاولة لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والحقيقة. فالاعتراف بالضحية يعني الاعتراف بأن ما حدث لها كان ظلماً، وأنها لم تكن مجرد رقم في سجل حكومي أو اسم في قائمة مفقودين.

خامساً: البعد الديني للأنفال

قد يبدو الحديث عن أثر الأنفال في البنية الدينية أكثر تعقيداً، لأن الدين يمكن أن يكون في أوقات المحن مصدراً للطمأنينة، لكنه قد يصبح أيضاً مجالاً للأسئلة والشكوك.فالإنسان الذي يفقد أسرته بأكملها قد يسأل: لماذا حدث هذا؟ لماذا مات الأب وبقي الابن؟ لماذا اختفى الأخ ولم يُعرف قبره؟ لماذا نجت عائلة وفقدت أخرى جميع أفرادها؟.

هذه الأسئلة ليست بالضرورة رفضاً للدين، بل قد تكون جزءاً من تجربة التدين تحت وطأة المأساة. وقد يجد بعض الناجين في الصلاة والقرآن والمقبرة والدعاء أدوات لمواجهة الفقد، بينما قد يعاني آخرون من أزمة معنى تجعل علاقتهم بالدين أكثر تعقيداً.

واللافت أن الأنفال نفسها استخدمت اسماً ذا حمولة دينية؛ فقد أشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن اسم العملية مأخوذ من سورة الأنفال، وأن استخدام الاسم كان يمنح العملية العسكرية مظهراً من مظاهر التبرير الديني، مع أن الدولة العراقية آنذاك كانت دولة علمانية وأن الضحايا الكورد كانوا في غالبيتهم مسلمين؛ وهنا تظهر مفارقة شديدة الخطورة: حين تُستخدم مفردة دينية لتبرير العنف ضد جماعة مسلمة، فإن الضرر لا يصيب الضحية جسدياً فقط، وإنما يخلق أيضاً التباساً أخلاقياً بين الدين والعنف.

ومن ثمّ، تبرز إحدى الإشكاليات الفكرية والأخلاقية التي كشفت عنها الأنفال في كيفية توظيف الدولة ذات التوجه العلماني للرموز والمفردات الدينية في تبرير سياساتها تجاه المجتمع الكوردي. فاستدعاء مفهوم “الأنفال” وتسميته لحملة عسكرية واسعة النطاق لم يكن مجرد اختيار اصطلاحي عابر، بل حمل دلالة رمزية عميقة، إذ جرى توظيف مفردة ذات مرجعية قرآنية في سياق سياسي وعسكري، بما أضفى على الفعل الرسمي غطاءً رمزياً مستمداً من المجال الديني، على الرغم من الطبيعة العلمانية للدولة العراقية آنذاك. وتكشف هذه المفارقة عن قابلية الخطاب الديني لأن يتحول، عندما يقع تحت سلطة الدولة، من منظومة أخلاقية تُعلي من قيمة الإنسان وكرامته إلى أداة رمزية يمكن توظيفها لخدمة أهداف سياسية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين الدين بوصفه منظومة للقيم والمعنى والرحمة، وبين توظيف السلطة للمفردات الدينية لإضفاء المشروعية على ممارساتها؛ إذ إن الخطر لا يكمن في الدين ذاته، وإنما في إخضاع رموزه لمقتضيات السياسة ومصالح السلطة. وفي المقابل، ظل الدين بالنسبة إلى كثير من الناجين مجالاً آخر للبحث عن المعنى ومقاومة اليأس، واستعادة الكرامة، والتشبث بالأمل في مواجهة تجربة الموت والفقد.

سادساً: المرأة في مجتمع ما بعد الأنفال

لا يمكن فهم التحولات الاجتماعية التي أحدثتها الأنفال دون التوقف عند المرأة. فقد فقدت آلاف النساء أزواجهن وأبناءهن وإخوانهن، وتحولت كثير منهن إلى معيلات لأسرهن. كما أن بقاء المرأة على قيد الحياة في ظروف القتل والتهجير لم يكن مجرد نجاة بيولوجية، وإنما كان بداية لتحمل أعباء جديدة. ولهذا فإن المرأة الأنفالية ليست فقط “ضحية”، بل هي أيضاً حاملة للذاكرة. فهي التي حفظت أسماء المفقودين، وروت قصص القرى، ونقلت إلى الأبناء تفاصيل الحياة التي سبقت الكارثة.

ومن هنا ينبغي ألا تكون دراسة الأنفال دراسة عن الموت فقط، بل عن القدرة الإنسانية على إعادة إنتاج الحياة بعد الموت.

سابعاً: من ذاكرة الألم إلى فلسفة الذاكرة

السؤال الأكبر الذي تطرحه الأنفال ليس: كيف نتذكر؟ وإنما: كيف نتذكر دون أن نبقى أسرى للماضي؟ هناك فرق بين ذاكرة تريد الانتقام وذاكرة تريد العدالة. الأولى تجعل الماضي وقوداً لإنتاج عنف جديد، أما الثانية فتحوله إلى درس أخلاقي يمنع تكرار الجريمة.

ولهذا فإن تخليد الأنفال ينبغي ألا يقتصر على إقامة النصب التذكارية أو إحياء المناسبات السنوية، على أهميتها، وإنما يجب أن يتحول إلى مشروع ثقافي وتربوي. ينبغي أن يعرف الجيل الجديد أسماء القرى، وأن يقرأ شهادات الناجين، وأن يتعلم تاريخ المفقودين، وأن يفهم أن الإنسان لا يفقد حياته فقط عندما يُقتل، وإنما يمكن أن يفقد كرامته عندما يُمحى تاريخه. إن تحويل الذاكرة إلى معرفة هو الخطوة الأولى نحو تجاوز الصدمة.

خاتمة: حين يصبح البقاء فعل مقاومة

ربما تكون أعظم مفارقات الأنفال أن السلطة أرادت أن تجعل من الموت نهاية للوجود الكردي في المناطق المستهدفة، لكن ما حدث كان مختلفاً؛ فقد تحولت الذاكرة إلى وسيلة للبقاء.

لقد دمرت آلاف البيوت، ولكنها لم تستطع تدمير فكرة البيت. واختفى آلاف الرجال، ولكن أسماءهم بقيت في ذاكرة أبنائهم. وهُجرت قرى بأكملها، ولكن أسماءها ظلت حاضرة في وجدان سكانها. وتحطمت بنى اجتماعية، لكنها أعيد تشكيلها في أماكن أخرى. وتعرض الإنسان لصدمة عميقة، لكنه حاول أن يعيد بناء معنى لحياته.

ومن هنا فإن فلسفة الأنفال لا ينبغي أن تقوم على الموت وحده، وإنما على البقاء بعد الموت؛ أي على قدرة الإنسان على إعادة بناء نفسه بعد أن حاول الآخرون تدمير شروط وجوده.

فالأنفال لم تكن مأساة أجساد فقط، بل مأساة ذاكرة ومكان وأسرة ومعنى. ولذلك فإن آثارها لا تقاس بعدد الضحايا وحده، وإنما بما تركته في البنية النفسية والاجتماعية والدينية للأجيال.

إن العدالة الحقيقية للأنفال تبدأ حين يتحول الضحايا من أرقام إلى أسماء، ومن أسماء إلى قصص، ومن قصص إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى معرفة، ومن المعرفة إلى التزام أخلاقي بألا تتكرر المأساة.

وهنا تكمن المفارقة الأخيرة: قد يستطيع القاتل أن يهدم القرية، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يهدم معناها؛ وقد يستطيع أن يقتل الإنسان، لكنه لا يستطيع أن يقرر وحده ماذا ستعني حياته وموته للأجيال التي تأتي بعده.

ولهذا فإن بقاء ذاكرة الأنفال ليس استمراراً للمأساة فحسب؛ إنه، في أحد أعمق معانيه، انتصار الإنسان على محاولة محوه من التاريخ.

تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

___

بير خدر سليمان: الجرح النازف

Lalish Duhok

عبدالكريم الكيلاني: عامان على احتلال الموصل

Lalish Duhok

د. مهدي كاكه يي: مَن لا يلتزم بالدستور العراقي، حكومة إقليم جنوب كوردستان أم الحكومة العراقية؟

Lalish Duhok