سالم مشكور*
لا يخرج كثير من المتناولين للعلاقات العراقية الاميركية، من سياسيين وصحافيين، عن خياري العمالة أو العداء. لا يستطيعون التصديق ان هناك خيارا ثالثا هو القائم على تعاطي دولتين على قاعدة المصالحة المتبادلة.
لا يحول دون ذلك، كون العراق لا يضاهي – ولو بجزء يسير – ما لدى الولايات المتحدة من قوة مالية واقتصادية وعسكرية، فالكثير من العلاقات تقوم ، بشكل متكافئ، بين دولتين متباينتين في الحجم والقوة، من دون أن تخضع الصغرى لإرادة الكبرى. ومن المؤسف ان ثنائية (العمالة – العداء) تتحكم بتقييمات وتحليلات كثير من الصحافيين والسياسيين، فتراهم مثلا، وفي ذروة رفضهم للتدخل الأميركي، يشيدون بموقف أعضاء الكونغرس الأميركي الذين أبدوا موقفا سلبيا من رئيس الوزراء واتهموه بإقصاء “الشركاء”. أليس هذا تدخلا أميركيا في الشأن العراقي؟.
أحدهم، وهو مصاب “بعقدة المالكي ” استنتج – بما يوافق هواه- بأن المالكي عاد بموقف أميركي رافض لولاية ثالثة له، فكتب مهللا و”شامتا”، من دون ان يتنبه للحظة أن طموحه – إن صح – فهو تدخل أميركي في تعيين رئيس وزراء بلاده، فكيف يرضى بذلك وكيف يهلل له؟. ومع ذلك فان مصادر مقربة من الإدارة الاميركية قالت ان موضوع الولاية لم يطرق خلال اللقاءات ابدا، بل ان اجواء اللقاءات مع الرئيس الأميركي ونائبه كانت بين قيادتين وان اللقاء الاخير فاق الثلاث ساعات في وقت كان مقررا له خمسة وأربعون دقيقة فقط، لدرجة ان التعب كان باديا على وجهي كل من المالكي وأوباما.
لكن الرغبة في عدم بقاء المالكي في ولاية ثالثة لم تكن بعيدة عن موقف عدد من نواب الكونغرس الجمهوريين الذين بدوا مدفوعين بعوامل عدة بينها موقفهم من ايران وما يتصورونه من دعم رسمي عراقي للنظام السوري، وانزعاجهم من موقف الإدارة الاميركية الديمقراطية المقترب من طهران، وتأثير لوبي يدعم منظمة مجاهدي خلق الايرانية المعارضة بسبب اصرار المالكي وحكومته على إخراجها من العراق، وكذلك حالة الشد التي يعيشها الجمهوريون مع الرئيس الديمقراطي وإدراته. لكن هؤلاء هم نواب ويعلنون موقفهم وهو مجرد موقف لا تأثير له على سياسة الإدارة إلا إذا اتسع وتحوّل الى قوة ضغط على الرئيس.
لكن الموقف السلبي من الحكومة العراقية ورئيسها، في واشنطن، لا يقتصر على النواب الخمسة الذين وجهوا الرسالة الى أوباما مطالبين بموقف من المالكي، بل هو جزء من جوّ سلبي اتسع في أوساط عديدة في العاصمة الاميركية على مدى السنوات الماضية، تحوّل فيه الكثير من داعمي التغيير في العراق في نيسان 2013، والذي تم بيد اميركية، الى متحفظين أو معارضين للنظام الجديد بحجج عدة بينها “إقصاء السنة” و”العلاقة مع طهران” وغيرها.
دعم تبلور هذه الصورة هناك تحرك محموم من رافضي معادلة الحكم الجديدة، بمن فيهم بعض المشاركين فيها، تجاه العاصمة الاميركية التي لم يخلُ شهر فيها من زيارة وفد منهم، فضلا عن جهود سفارات عربية منسجمة مع الموقف ذاته بينها السفارة السعودية. مقابل ذلك كانت واشنطن شبه خالية من أي وجود لقوى الاغلبية في الحكومة، فلا زيارات ولا لقاءات لها مع مفاصل صنع السياسات الاميركية، ولا سفارة كفوءة تنهض بمهمة القناة الدبلوماسية الحقيقية، بل جلّ كادرها هو من الموظفين الجدد الذين تنقصهم حتى اللغة، اضافة الى البعض الآخر الذي كان يعمل ضد الحكومة في مفارقة غريبة.
صحيح ان الادراة الاميركية لا تزال إيجابية في تعاطيها مع الحكومة العراقية، وان الصورة السلبية الموجودة لدى بعض السيناتورات لا تؤثر على هذه السياسة، إلا ان استمرار ترك الساحة من دون حضور مستمر ومكثف، سيوسع من هذه الصورة ويرسخها لدرجة تأثيرها على سياسة الادارة نفسها. عندها قد تبدأ الضغوط والتدخلات الحقيقية التي يرحب بها الكثيرون رغم ترديدهم الشعارات ضدها.
*إعلامي ومحلل سياسي
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

