الكفاءات الوطنية بين مطرقة الاقصاء وسندان المحاصصة، الفريق الركن نجيب الصالحي انموذجا
محمد قاسم النصرالله
لا تكمن خطورة انتهاج سياسة التهميش والاقصاء التي وجدت من يروج لها ويتبناها علنا في المشهد السياسي العراقي، في تعطيل الطاقات العلمية وابعاد الكفاءات عن كافة المجالات الحيوية؛ التربوية والادارية والطبية والعسكرية والامنية وحرمان العناصر الكفوءة من نيل استحقاقها، ليس هذا وحسب، بل تمتد خطورة هذه السياسة الشاذة الى انتاجها جيشا من الوصوليين والجهلة والفاسدين في دوائر صناعة القرار، ليشكلوا بالنتيجة ظاهرة منتجة للحواضن الموبوءة التي تضع العراقيل والعقبات امام الكفاءات للحؤول دون تبوأ أي منها المواقع الطبيعية التي تستطيع من خلالها النهوض بالواقع الاداري والسياسي والامني في البلاد.
لم تسلم قطاعات الدولة قاطبة من الاثار السلبية لهذه الظاهرة، وخاصة المؤسسة العسكرية (الدفاع) والمؤسسة الأمنية (الداخلية) المرتبطتين بحياة الناس والممكن ان يترك فيهما الاداء اثرا كبيرا على بقية القطاعات سلبا او ايجابا وفقا لطبيعة ادارة هاتين المؤسستين، وما انهار الدماء الجارية منذ 2003 الى اليوم سوى دليلا على اهمية ما نتحدث عنه.
وما دمنا بصدد الحديث عن تهميش الكفاءات في هاتين المؤسستين تقفز الى الاذهان شخصيات مهنية تستحق التوقف عند تاريخها النضالي وجسامة التضحيات التي قدمتها، منهم الفريق الركن نجيب الصالحي لمعرفة تامة به، وتكامل رؤيتنا عن صلابة موقفه الوطني وما يتمتع به من روح مبادرة وتفان ومستوى عال من المهنية والايثار.
الصالحي وإن لم يكن ضحية المحاصصة الاوحد، الا ان تدرجه في الرتب والمناصب العسكرية للوصول الى ما هو عليه وبما يجعله أقدم فريق ركن في الجيش العراقي يؤكد بحد ذاته المهنية والكفاءة في المجال الاداري الامني والعسكري المتأتية من ممارسات ميدانية والمتشكلة من دورات ودراسات عسكرية عليا في الداخل والخارج، وليس هذا وحسب بل تمتد خبراته الى ما يحمل من بكلوريوس اجتماع من جامعة بغداد، ومن توظيف لهذه الخبرات مجتمعة في ادارة بعض مؤسسات المجتمع المدني وخاصة المتعلق منها بالتنمية البشرية وتأهيل وبناء الكوادر القيادية الشابة.
ليس الامر جديدا، فالفريق الركن، لم يكن يوما أداة طيّعة بيد النظام الدكتاتوري السابق بل كان يؤدي مايمليه عليه ضميره الوطني ضمن أجواء خطرة بالغة التعقيد آنذاك في سعيه للتغيير من الداخل، وهكذا كانت مواقفه الوطنية من الإنتفاضة الشعبانية 1991 وحمايته لثوارها، ومن جانب آخر بدا ذلك جليا أيضاً في البحث المقدم من قبله الى جامعة البكر والذي سبق إلتحاقه في المعارضة العراقية 1995 في كردستان العراق التي كانت تحتضن المعارضة العراقية، حيث تناول في البحث (الفساد الإداري) في المؤسسة العسكرية متخذا من الجيش نموذجاً لأجهزة الدولة آنذاك وعندما كان تشخيص ظواهر سلبية عامة من هذا النوع يعد طعنا في مسيرة نظام البعث. ولاشك أن الشخص الذي تصدى في فترة الدكتاتورية للحديث عن مواضيع حساسة كالفساد الإداري لن يقف موقف المتفرج مطلقا حيال انحراف العمل المؤسسي عن مساره الإصلاحي في العراق الجديد. لذا أسوة بجميع الحريصين لم يتردد عن تشخيص مظاهر وأنواع الفساد الإداري وتشخيص الفاسدين وإقتراح المعالجات الجادة للحد منه في مفاصل الدولة عموما والمؤسسة الأمنية على وجه الخصوص. وليس من المستغرب اليوم، بل ليس هناك تفسيرا آخر للتهميش والاقصاء الذي يتعرض له الصالحي سوى الحيلولة دونه ومواقع المسؤولية التي يستطيع من خلالها تفعيل الرؤية الاصلاحية لرعاة الاصلاح الهادفة لاعادة بناء الدولة عموما وإصلاح المؤسسة الأمنية وعدم تجزئتها (حزبيا- محاصصاتيا) في العراق الجديد.
صحيفة المؤتمر ( الناطقة بإسم المعارضة العراقية آنذاك) العدد 94 في 18 كانون الأول 1995 ، ليست وحدها من أعدت التحاق الفريق الركن نجيب الصالحي دفعة معنوية كبرى وانتصارا للمعارضة العراقية في حينه، بل جميع صحف المعارضة قد كتبت على صفحاتها الاولى ذات المعنى بشكل أو بآخر. وتحت عنوان ( الجيش العراقي لا يؤيد صدام حسين ولن يقاتل دفاعا عنه) نشرت صحيفة المؤتمر عن لسانه ذلك وهو ما حدث بالفعل عام 2003، تسترسل الصحيفة بالقول “ينتمي الصالحي الى قبيلة عراقية ممتدة من الوسط حتى الجنوب”، وتستمر الصحيفة بالقول، “عمل في صفوف المعارضة داخل الجيش منذ سنوات وقد انتقل الى المنطقة المحررة في كردستان لإكمال مسيرة العمل الوطني المعارض ضد نظام صدام، وبشكل علني.”
نعم كان الصالحي قد التحق بالمعارضة العراقية من موقعه الوظيفي (رئيس اركان فرقة) برتبته (عميد ركن) وملابسه العسكرية مع ابنه عامر/ 11 سنة، وبرفقة 6 من افراد حمايته الخاصة عام 1995، مسجلا بذلك سابقة لأول ضابط ركن شيعي بمنصب رفيع يعلن موقفه الرافض للنظام ولم يكررها أحد بعده!… وإستمر نضاله السياسي بوتائر متصاعدة لحين اسقاط النظام عبر القنوات السياسية والاعلامية، فضلا عن مواقفه الوطنية الموثقة في حماية ثوّار الإنتفاضة الشعبانية 1991 جنوب العراق، وتوثيقه المتميز لأحداثها في كتابه الشهير (الزلزال)؟.
عندئذ، لأي منا الحق بالتساؤل: ألَم يبقى الرجل محتفظاً بثوابته ومبدئيته رغم كل هذا الإقصــاء والتهميش منذ 2003 وحتى اليوم؟ … أتساءل أيضاً، أليسَ هناك قيم ومقاييس واضحة لنوعية الرجال التي ينبغي اعتمادها في بناء وإدارة مؤسسات الدولة؟ ولاندري كيف يتفق، وماهو المبرر الموضوعي لأصحاب القرار اليوم وهم كانوا قادة معارضة سابقون على وضع شخصية رجل من هذا النوع بخصائصها المعروفة تاريخيا وسياسيا ومهنيا بموازاة من التحقوا بالركب بعد 2003، أو دون ذلك؟!!.
لاشك ان الرجل كان معارضا شرسا، ومناضلا حقيقيا ضمن مجموعة نادرة جدا في خصائصها وصدقية نضالها واستقلاليتها، وللأسف يطلب منه البعض حزبا يدعم ترشيحه لوزارة الدفاع، ولا احد ممن يتنكر له ويطالبه بذلك يمتلك القدرة على الاجابة على السؤال حين يطرح، أين كانت هذه الاحزاب عندما كانت المعركة محتدمة مع النظام منذ 1995 الى 2003. وأين كان معظم المتنافسون على المناصب اليوم في تلك الأيام الملتهبة.
ألم يكن الفريق الركن الصالحي الرجل المتخصص بالعلوم العسكرية بأعلى تخصصاتها، والمتصدي لتشخيص الفساد الاداري في النظام السابق وفي العراق الجديد؟ وهو الشخصية الجامعة بين العلوم العسكرية والعلوم الإدارية (دبلوم عالي)، يضاف إليها العلوم الإجتماعية بحصوله على شهادة البكلوريوس في علم الإجتماع؟… ألم ينتخب رئيسا للجنة حقوق الجيش والكيانات المنحلة 2007 ليضع مع آخرين الأسس السليمة لكل ما أنجز لاحقاً.؟ أم ان الإستقلالية والمهنية واللا حزبية جرماً يستحق عليه صاحبه العقوبة بالتهميش والإقصاء؟، بل كيف لمستقل غير متحزب، ان يجد كتلة سياسية او حزب سياسي يستقتل لطرح اسمه ويتبنى ترشيحه لمنصب وزاري كالدفاع أوالداخلية؟
ألا يعُد التنكر للمواقف الواضحة للوطنيين ضمن مسيرة النضال ضد النظام الدكتاتوري المباد، تكريما للمتسلقين والوصوليين ممن غيروا مواقفهم بين ليلة وضحاها، وتسنموا اعلى المناصب دون وجه حق ولا جدارة استحقاق، وليس تكريما وحسب بل تعزيزا لنقمة الطارئين والمتلونين من التاريخ النضالي للرموز الوطنية التي وقفت في وجه صدام علانية بأسمائها وعناوينها الصريحة من امثال الفريق الصالحي.
صمت المعنيين الأساسيين وقادة المجتمع ازاء الحق، والاكتفاء بالوقوف على الحياد حيال المسائل التي تهم امر الوطن وحياة المواطن، لن ينتج تاريخا يستحق ان يكون منهلا للعبر في حياة الاجيال المستقبلية.!
فمن الغرابة ان يسمح سماحة السيد مقتدى الصدر وهو ( راعي الاصلاح)، للمحاصصة ان تفتك بالكفاءات دون ان يقدم رأيا منصفا بحق المهمشين ممن عارضوا النظام مقتفين أثر الشهيد الثاني ( قدس) في مقارعة الطاغية ومحاربة الظالمين.
وكيف للسيد عمار الحكيم الذي دائما ما يشير الى أن الاصلاح بحاجة الى رؤية شاملة وخارطة طريق وفق معايير واضحة، تنطلق من النهوض بمستوى الوزارة من خلال التأكيد على كفاءة الوزير ووضع الاكفاء في المناصب كبديل عن تسنم المسؤوليات بالوكالة. لا يتسنى لنا ازاء هذا التوجه الا موقفا مساندا من سماحته يضع الامور في نصابها الصحيح.
ولا يخفي الجهد الحكومي ايضا توجهاته بهذا الخصوص، ومع وذلك، وفي ظل هذه التأكيدات لم يزدد المستهدفون الا تهميشاً وإقصاءا، وبحجج واهية في معظم الأحيان!
فان اقصى ما ُيؤاخذ عليه الفريق الركن نجيب الصالحي كما يصفه (رئيس وزراء عراقي سابق) بالقول انه : أي الفريق الصالحي ( “رجل طموح”)، ولا ادري متى كان الطموح مثلبة ومتى كان من (الخصال السيئة) ان يسعى المرء لتطوير ذاته وتعزيز ثقته بنفسه ليكون مستعدا لتحمل المسؤولية وخوض التجربة المهنية بنجاح وفق رؤية واضحة وبشكل منهجي ، ففي الوقت الذي يُجمع فيه الخبراء والمتخصصين على ان (الطموح) هو من أهم جزئيات السيرة الذاتية للشخصية الايجابية، يعده بعض الساسة مؤاخذة وشيئا خطيرا، لربما كان قصد هذا البعض هو الطموح غير المشروع، الا ان ذلك ومن واقع التجربة لم ينسلخ الفريق الصالحي عن مبادئه يوما من اجل مصلحة شخصية، حيث وقف في ايام الانتفاضة الشعبانية / آذار 1991 الى جانب نضال الشعب العراقي ومحاولاته لاسقاط وكما يشهد له الزملاء بذلك، ليس هذا وحسب، بل في عام 1995 اعلن الصالحي وقوفه العلني مع المعارضة العراقية ضاربا طموحه الوظيفي عرض الحائط ، معرضا عائلته واخوته لظلمات السجون و رعب الملاحقات وتاركا املاكه المنقولة وغير المنقولة للمصادرة لينتهي محكوما عليه بالاعدام غيابيا عندما اقتضى الموقف مساندة المصلحة العليا للشعب والوطن في التخلص من الدكتاتورية والنضال لتأسيس نظام ديمقراطي ينصف الاغلبية الصامتة من حقوق مصادرة ومصير مجهول… اذن اين الخلل عندما يكون المرء طموحا من هذا النوع؟…
ويسوق مسؤول عراقي آخر حجة واهية اخرى، بالقول: كيف نطمئن لرجل استطاع الافلات من عشرة اجهزة امنية في زمن صدام، ان لا نتوقع منه انقلاب مماثل لما كان يسعى اليه سابقاًّ، وهكذا دواليك، هي بعض العقول التي تسعى لتبرير ابعادها للكفاءات بهذه الافكار الشيطانية!.
في الحقيقة والأمر ليس خاصا بالفريق الصالحي وحسب، بل شعورا بات مسيطرا على الشارع العراقي، مفاده ان الامور اصبحت من الصعوبة أشد بكثير من ان تُحتمل، إذ الإيغال المتعمد في اقصاء الكفاءات العراقية، واحكام طوق المحاصصة على المنظومة الادارية المثخنة بالفساد، والمنظومة الامنية التي تنزف دما…
بل من غير المعقول ايضا، ان يتحول المرء من رمز وطني ثائر ضد النظام، الى مثار للتشكيك وصفحة من المظلومية والتهميش والاقصاء بعد زوال الدكتاتورية التي افنى حياته وجميع ما يملك في سبيل زوالها.
ختاما، نسأله تعالى ان لا يكون حالنا قد بات مصداقا لقول ابي الشهداء الامام الحسين (ع)، في وصفه القوم :” لقد ملئت بطونهم من الحرام، ولم يعودوا يميزوا الخبيث من الطيب واستحلوا الحرمات.”.
يبقى جميع ما تطرقنا له لا يعدو عن كونه مناشدات قد تفضي عن فعل مؤثر وهو مما لا شك فيه، الا ان القرار بالأصل مرهونا بمدى امتلاك القائد العام للقوات المسلحة و رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي لإرادة سياسية يستطيع من خلالها فرض رؤيته الاصلاحية على الفرقاء في عدم الاستسلام للضغوط التي يمارسها رؤساء الكتل السياسية الهادفة لاخضاع المناصب الوزارية للمحاصصة، وخاصة الوزارات الأمنية (الدفاع والداخلية)، فان السيد العبادي هو الرجل التنفيذي الاول والمباشر في الدولة العراقية المسؤول عن وضع الكفاءات العسكرية في أماكنها الصحيحة، وان الضغوطات الصادرة من هنا وهناك لن تعفيه من مسؤولياته تجاه شعبه، بل له ان يتحصن بإرادة شعبه ومصارحة الجميع بالقول ان المحاصصة هي سرطان العراق وقد حان وقت الخلاص منها.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
