جلال خرمش خلف
يقول المثل الكوردي ( بة لنكازي نة ملكىَ ميَرايا ) أي بمعنى ان الفقر ليس ملكا للرجال في إشارة الى عدم دوام حالة الفقر والبؤس عند الإنسان مهما طال الزمان . وان أوضاع الإنسان في تغير دائم .
هذا المثل ذات معنى ومغزى كبير ولم يأتي من فراغ وهذا الواقع فالكثيرين ممن كانوا فقراء ويعانون من ضيق الأحوال قد تغيرت أحوالهم وتحسنت ظروفهم وأصبحوا ينعمون بالحياة وودعوا الفقر والكل حسب طريقته التي نجح فيها في تجاوز حالة الفقر .وكم جميل حين ينعم الفقير ببعض وسائل الراحة والرفاهية وينعم بالحياة بعدما ضاق من البؤس ما ضاق وبعد ان اخذ الفقر من حياته وعمره سنوات وسنوات وأحلى ايام الشباب ومع ذلك فالسعادة والفرح التي نالهما تعوضه عن تلك السنوات البائسة . وحاله كحال العامل المنهمك في التعب حين ينعم بالاستراحة تحت ظل شجرة مع وجود نسائم الهواء في الصيف .وللإنسان الحق الكامل في العيش بكرامة وسعادة وان ينعم بكل وسائل الرفاهية اذا ما توفرت الظروف الملائمة والوسائل المشروعة وهذا حق طبيعي ومشروع لكل انسان .
وكما هو معلوم فان لكل قاعدة شواذ كذلك الحال بالنسبة للأمثال ومنها المثل السابق أذ ليس بالضرورة ان يصبح فقير غني او ان يصبح العبد حرا . حيث مازالت العديد من العوائل تعيش في ظروف وأوضاع مزرية قد لا يتخيلها العقل ولا يتصورها ابدا . فمع أنهم كانوا فقراء لعقود من الزمن وكانوا أشبه بالخدم والعبيد للغرباء والأغنياء . فأنهم كانوا يأملون أن تتغير حياتهم نحو الأحسن ذات يوم أسوة بالآخرين لذلك كانوا يعيشون حياتهم بشكل طبيعي دون أن يؤثر فيهم الجوع والحاجة والعمل المهين . وكانت لحظات الفرح والسعادة وأن كانت قليلة وعابرة في حياتهم كانت تترك أثارها على وجوههم البائسة والحزينة وكانوا يفرحون ويمرحون وينسون بها أوجاعهم ومعاناتهم المختلفة لأنهم كانوا يأملون أن تتغير الظروف وتتحسن الأوضاع ولكن ذلك الأمل القديم والحلم الذي راود مخيلتهم لم يتحقق وما زال قائما مع تغير بسيط وصغير يتعلق بفقدانهم الأمل في توديع الفقر يوما ما . وانهم كانوا ومازالوا فقراء وكأن الفقر قد اصبح ملكا لهم ولاحفادهم من بعدهم ولاجدادهم من قبل !!!!! فمع كل هذه التغيرات والتبدلات الجوهرية فمازالت العديد من العوائل تئن وتصرخ من شدة الفقر والعوز الى درجة اصبح العديد منهم عبيدا للظروف الصعبة والديون الكثيرة والغلاء المعاشي المتصاعد يوما بعد يوم نحو القمة . فكم من الصعب ان نجد اطفالا بعمر الزهور وهم حفاة وشبه عراة يتسكعون في الشوارع ويلعبون بالعلب الفارغة والنفايات والطين بدلا من أن يلعبوا باللعب الحقيقية الجميلة التي يرونها في المحلات وعند اطفال الاغنياء . وكم صعب ان نجد او نسمع من الاخرين ان بعض العوائل لاتمتلك ثمن شراء المواد الغذائية او الملابس لاطفالهم . او أن البعض منهم قد مرت عليها اشهر ولم يطبخوا الطعام في بيوتهم المتهرئة وانهم يعيشون على ما يقدمه الجيران لهم من الطعام والاصعب من كل شيء عندما لايساعد الاخ الميسور اخاه الفقير ولا يمد له يد الاخوة قبل ان يمد له يد العون . او حين يتبرأ الاب الغني من ابنه المحتاج ولا يعمل على تقديم المساعدة اليه ويتركه تحت رحمة الظروف وهنا ينطبق عليه المثل الكوردي ( هةكة كا كةفت كيَر زةهف دبن ) أي بمعنى حين يقع الثور يكثر السكاكين كتشبيه على الذي يقع فلا يبقى له اصحاب وهذا ما يؤكده المثل ( هةفالى لنكى جةرخي نينة ) فللفقير الحق على الغني ان يقدم له يد العون والمساعدة وأن كان غريبا فكيف الحال اذا ما كان الفقير هو الاب أو الاخ أ الابن ؟؟؟ أليس من الواجب والعدالة والانسانية أن نعمل على تخفيف آلامه وأحزانه أم أن الذي قد سدد بوجهه الابواب والسبل على الاهل والاقارب أن يعملوا على عدم فتحها وأن يرموا مفاتيح الابواب المغلقة في قاع البحر كي لايجدها احد ويفتح بها الابواب . وأن يرددوا مقولتهم الشهيرة ( كيف نسعد من اشقاه ربه ؟ وكيف نغني من افقره الله ؟ ) .
نعم الفقر ليس ملك لاحد وكذلك الغنى ايضا ليس ملك لاحد . ولكن حين يستمر الفقر لعدة اجيال ويتوارثه الابناء من الاباء فالفقر في هكذا احوال قد اصبح وراثة في العائلة والوارث لايرث من سلفه الا الاملاك وهذا يعني أن الفقر لهكذا عوائل هو ملك وقدر محتوم عليهم ولا مفر منه مهما حاولوا وجاهدوا في سبل الخروج من دائرة الحرمان ولسان حالهم يقول قول الشاعر::
أن حظي كدقيق فوق شوك نذروه ثم قالوا للحفاة يوم ريح اجمعوه
فاستحال الأمر بهم فقالوا اتركوه أن من أشقاه ربه كيف انتم تسعده
اقول نعم أن من اشقاه الله من الصعب على العبد ان يسعده ولكن الله لم يأمر بمقاطعة من افقره واشقاه بل امر بمد يد العون والمساعدة لكل محتاج وفقير وكما قيل فالدهر يومان يوما لك ويوما عليك .لذلك علينا ان نضع انفسنا في موضع الفقير المحتاج وكيف سيبتهج قلبه حين يرى الاخرين وهم يحاولون تخفيف الامه ومعاناته . وهذه المحاولات كفيلة أن تغنيه وأن تخلصه من الفقر وليس فقر الحال وانما فقر الانعزال والضغط الداخلي في قلبه .وذلك كفيل بان يجدد في داخله الامل والتفاؤل في تجاوز ازماته والعيش مع امل التغير والتحسن في المستقبل ..
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

