الاغلبية والاقلية
زهير كاظم عبود 
ترد كلمة الأغلبية والأقلية كثيراً في التصريحات والمقالات التي يكتبها المعنيين بقضايا الدستور والحقوق ، حيث يجري تقسيم القوميات والأديان إلى أكثرية وتليها أقلية .
ولا يختلف أحد من أن العراق يتشكل من قوميات وأديان ومذاهب متعددة ، وهذه القوميات والأديان تعايشت بانسجام وبمودة ووئام طيلة فترات طويلة من التاريخ العراقي ، ولم تبرز في علاقاتها أية شروخ أو فواصل لولا تدخل السلطات التي أبتلي بها العراق ، وطغى عليها الفكر الشوفيني والشمولي في اعتقادها بتغليب قومية على باقي القوميات ، أو تغليب دين على باقي الأديان ، أو تغليب مذهب على بقية المذاهب ، وأن إطلاق تسمية الأغلبية والأقلية ضمن النصوص الدستورية سيساهم في تغييب حقيقة من حقائق الحياة العراقية ويسهل الأمر عليها في السلطة .
والأغلبية تعني الأكثرية وتشير ضمن هذا المفهوم إلى القومية العربية وكما يشير دين الأغلبية وهو الدين الإسلامي ، وتعني المفردة حق سيطرة الأكثرية على الأغلبية من منطق أن الأكثرية هي التي يجب أن تحكم .
وأستمر العمل بمنهج الأكثرية والأقلية حتى اقترنت كلمة الأقليات بالقوميات الأخرى غير القومية العربية أو الكردية المميزة بثقلها السكاني في العراق ، وأصبحت هذه الكلمة لازمة لقوميات تسكن العراق ولها حقوقها الدستورية وواجباتها المنصوص عليها وهي القومية التركمانية والكلدانية والآشورية والآرامية ، كما انسحبت على الأديان التي تدين بها ( الأقلية ) وهي الديانة المسيحية واليهودية والصابئة المندائية والأيزيدية .
وتضمنت النصوص الدستورية التي تم اعتمادها في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية ولحد صدور قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية والدستور الحالي ( 2005 ) تعابير مختلفة تدل على ( الأقلية ) منها الطوائف كما وردت في عدة دساتير وكذلك كلمة ( الإسلام وغيره من الأديان والطوائف ) أو في نص المادة 2/ثانيا من الدستور في ضمان كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية للمسيحيين والأيزيديين والصابئة المندائيين .
إن أشارات خجولة مثل هذه ترد في نصوص الدساتير المؤقتة تعني أن تكريساً للزعم بوجود مساواة بين القوميات والأديان في العراق التي نصت عليها المادة 14 من الدستور من مساواة العراقيين أمام القانون ، ستكون حبراً على الورق دون أن يتم ترجمة وتجسيد هذه الحقوق ، لا نتطرق هنا إلى مسألة حقوق الأديان والمذاهب في ممارستها عقائدها وطقوسها بما لا يتعارض مع النظام العام والآداب ، إنما نعني مسألة المساواة بين القوميات والأديان المتآخية في العراق .
يتم احتساب حقوق هذه القوميات وفقاً لنسبة أعدادها من مجموع السكان في العراق ، وعلى هذا الأساس فأن للقوميات غير العربية والكردية نسبة ضئيلة لا يؤشر مساهمة جدية في حقل المساواة بين القوميات في العراق ، والأمر نفسه ينسحب على الدين حيث تكون الأديان الصابئة المندائية والأيزيدية والمسيحية تشكل نسبة ضئيلة مقارنة بنسبة عدد المسلمين في العراق .
وعلى هذا الأساس فأن الحق سيتم تجزئته وتقسيمه وفقاً لنسب محددة ، وبهذه الطريقة سيتم تغليب قوميات على أخرى وسيتم تغليب ديانة على أخرى ، مما يتنافى مع مبدأ المساواة التي وردت ضمن نصوص الدساتير الأساس والمؤقتة والتي أكدت جميعها أن العراقيين ( كافة ) أي بمختلف قومياتهم وأديانهم ، متساوون في الحقوق ، وبهذا الشكل الذي يفقد المساواة معناها الحقيقي ويجزئ الحقوق إلى نسب ، سيكون لهذه القوميات والأديان نسبة من التمثيل وجزء من الحقوق بما يتناسب مع هيمنة القوميات والأديان التي تسود الساحة العراقية ، وسيكون هذا التمثيل النسبي ليس له تأثير مطلقاً ولايمكن أن يصل إلى مستوى القدرة في صنع القرار أو المساواة مع القوميات والأديان الأخرى .
ويبدو إن المعاناة التي عانى منها المواطن العراقي طيلة الفترة من تشريع القانون الأساس في العام 1925 ولغاية تشريع قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية وحتى كتابة دستور 2005 لم يلتفت إلى هذه الناحية المهمة ، وأعني بها مسألة التعايش الحقيقي والمساواة في الحقوق .
وإذا كانت جميع النصوص التي وردت في القانون الأساس والدساتير المؤقتة جميعها تشير إلى مبدأ المساواة ، فأن اللائحة الدولية لحقوق الإنسان أكدت على هذا المبدأ وألزمت الدول الموقعة على الإعلان على أتباعه والالتزام به والعراق من ضمن الدول الملتزمة بذلك .
إن نصوصاً تدعو إلى المساواة ستصطدم بعقبة كبيرة جرى العمل بها ، وهي مسألة الأكثرية والأٌقلية ، وهذه القضية ستحرم أعداداً كبيرة من أبناء العراق من تمثيل حقيقي ومساواة دستورية في التمثيل البرلماني القادم .
إن التمثيل النسبي الذي سيتم تطبيقه في العراق سيجعل لها فرصة في الحصول على تمثيل لها في البرلمان ، ولكن الحقيقة إن هذا التمثيل يبقى رمزياً وغير فاعل مما سيضعف صوتها من هذه الناحية وحقيقة وجودها التجارب الدستورية والبرلمانية التي مرت بها دول عديدة تشكل تجربة ثرة يمكن الأستفادة منها في تشكيل صورة عراقية مادام الهاجس الأساس في خلق تعاضد وطني وتمثيل حقيقي للجميع لغرض المساهمة في ترميم وبناء العراق .
والمملكة الأردنية الهاشمية بلد مجاور يعتمد تخصيص اثنا عشر مقعداً من أصل 112 مقعداً في البرلمان الأردني يتم تخصيصها للمسيحيين والشركس ، ويتم التنافس فيما بينهم على تلك المقاعد ، وعند التمعن في عدد سكان المملكة الأردنية سنجد أن هذه المقاعد نسبة إلى مجموع مقاعد البرلمان لا تتناسب مع مجموع السكان من المسيحيين والشركس وإنما وفقاً لمبدأ المساواة والجدية في التمثيل البرلماني مع أن الأغلبية الساحقة في الأردن من المسلمين والعرب .
كما أن بلجيكا أيضاً سعت إلى تجسيد المساواة بشكل يتوافق مع النصوص الدستورية واللائحة الدولية حين ساوت في الحقوق بين الناطقين بالفرنسية والناطقين بالهولندية مع الناطقين بالألمانية ، بالرغم من تفاوت النسب حيث تشكل الجماهير الناطقة بالهولندية الأكثرية وتليها الناطقة بالفرنسية ، في حين لا يتجاوز الناطقين باللغة الألمانية نسبة لاتصل إلى 2% من مجموع السكان ولكنهم يتساوون مع الطرفين بقصد إيصال الجميع بالتساوي إلى البرلمان باعتباره ممثلاُ للشعب .
كما أن انضواء هذه القوميات والأديان الصغيرة تحت عباءة قوميات وأديان أخرى يجعل منها تابعاً ليس له مبرر ، وهيمنة على أصواتها ، في حين يقتضي المنطق أن يتم إطلاقها ومنحها حريتها وقابليتها على التعارض أو التوافق .
الإطار الديمقراطي الذي يسعى إليه جميع العراقيين يتشكل في أن يكون للجميع صوتاً مؤثراً ومساهمة ايجابية متساوية في البناء المستقبلي للعراق ، فمثلما يكون للعربي وللكوردي يكون أيضاً للكلداني وللأشوري والتركماني ، ومثلما يكون للمسلم والمسيحي يكون للصابئي المندائي وللأيزيدي ولليهودي هذا الحق ايضاً . إن إعادة النظر في مفردات الأقليات والأكثرية تدفعنا للتفكير بمعادلة وطنية يتم أنصاف هذه الشرائح التي لم يقل نضالها وتضحياتها في سبيل العراق طيلة التاريخ القديم والحديث .
كما أن من حقائق العراق وجود هذه القوميات والأديان والمذاهب والتي أتفقت جميعها على إلغاء سيطرة قومية على باقي القوميات ، فقد حولتنا السياسة الشوفينية إلى بلد تراجع في كافة مناحي الحياة وقد آن الآوان أن نركلها إلى غير رجعة ، وأن ندفع بأخوتنا من القوميات الأخرى المتفاعلة والموجودة فعلاً في الساحة العراقية ، كما ندفع بالأديان العراقية الجميلة والعبقة المتآخية من أجل المساهمة الفعالة في تجسيد معالم الدستور بما يحقق ترجمة الحقوق المتساوية فعلاً إذا كان الهاجس الأساس الذي يدفعنا هو بناء العراق وبدء الخطوات الديمقراطية الأولى ، دون أن يكون هدفنا إلغاء الآخر وأحتواءة أو السيطرة على السلطة التي لن تدوم لأحد مطلقاً .
النظام الديمقراطي والفيدرالي الذي ننتظر يوجب علينا أن ننظر بمنظار عادل ومتساوي لكل القوميات دون حساب للحجم والنسب والبيانات والخطوط والفوارز ، ودون أن نضع فوارق بين الأديان في العراق .
يقيناً أن في هذه الألتفاتة الوطنية وقفة نتجرد فيها من العديد من التراكمات السلبية والمخلفات التي تركتها في نفوس العديد منها التجارب الشوفينية المريرة والثقافة الظالمة في أن تكون كل القوميات تابعة لقوميتنا العربية ، وأن تكون كل الأديان تحت سلطة ديننا.
والاعتقاد بحق الآخر في الحياة العراقية يوجب علينا أن نجدد المناهج بما يجسد حق الإنسان في الحياة ، فالحقوق لا تتجزأ والحقوق ليست منّة يمكن أن تتوسل بها لتمنحك أياها سلطات وأحزاب ، وأنما هي حقوق موجبة مقررة شرعاً وقانوناً .
وهي وجهة نظر قابلة للنقاش ومنطلق يمكن أن يخلق لنا أفكاراً أكثر سعة وأوسع صورة من أجل العراق الديمقراطي والفيدرالي الذي ننشد ، فقد حل علينا زمان جديد حق علينا أن نفكر بطرق ننصف بها إخوتنا من بقية القوميات والأديان ، وحق علينا أن نقّر ونعترف بحقوق مغبونة للصابئة المندائية والأيزيدية والمسيحية منذ زمن طويل وآن الأوان أن نكشف عنها هذا التراكم الثقيل من الظلم .
إن الإصرار على تطبيق سطحي لمفهوم الأكثرية والأقلية على القوميات في العراق لايصلح أساس طبيعي للحياة المستقبلية الديمقراطية ، وكما لايؤسس لحياة يتعايش فيها الأنسان بكرامة وحقوق متساوية في العراق ، وعلى من يريد أن يجعل للمساواة ملامس حقيقية في الحياة العراقية والعمل الديمقراطي ينبغي أن نقوم بتطبيق مبدأ المساواة على الجميع دون أن تكون هذه المساواة مفصلة مقاساتها على النسب المئوية ، فالسعي من أجل إعادة بناء العراق والعمل من أجل ترجمة حقيقية لحقوق الإنسان والمجتمع المدني يجعل للإنسان كقيمة عليا أساس في مبدأ المساواة وحضور في الحياة العراقية الجديدة ، وأن نقرأ التجربة المريرة التي مرت بالعراق دستوريا وسياسياً ونستل منها ما يفيد المستقبل العراقي .
وفي تكريس مبدأ التوزيع على حساب الأقليات أو القوميات الأخرى لايحل لنا مشكلة طويلة وعسيرة طالما عانينا منها في العراق ،
وطالما تذرعت السلطات بأن لاخيار ولاحل لديها غير الأقرار بالأمر الواقع ، وعلى هذا الأساس يبقى الحال على ماكان عليه في حكم القومية الكبيرة للقوميات الصغيرة في العراق ، وبذلك نتحول إلى مبدأ جديد مستتر يكمن في انضواء أي قومية صغيرة تحت عباءة القومية الكبيرة مع صيغ دستورية ونصوص قانونية عامة لا تفيد الحق والحقوق وبقصد ذر الرماد في العيون .
ونعاني في العراق من قضية عدم المساواة في الحقوق بين القوميات والمكونات ، وإن مجرد وجود النصوص لا تعكس حالة ايجابية أو حقيقية على مسألة الشروخ
والفجوات التي تتعامل بها السلطات البائدة في قضية القوميات في العراق ، شروخ عديدة ينبغي أن تتم دراستها بصراحة وبشفافية بقصد التوصل إلى حلول ايجابية نتجاوز بها عملياً الفترات السابقة التي كان فيها المواطن العراقي من القومية غير العربية يعاني معاناة قاسية دون أن يحق له أن يعترض أو يرفع صوته عالياً بوجه السلطات ، أو على الأقل يطالب بتطبيق حقيقي لنصوص الدستور ومن بين أهم التعابير التي تعاني منها القوميات في العراق تعبير (الأقليات) والتي تشير إلى عبارة (القلة) من البشر ، والتي توحي أو تهدف إلى أبقاء هذه المجاميع البشرية تحت سلطة (الكثرة) وأن تكون نسبة حقوقهم بقدر النسبة المئوية الخاصة بمجموعهم ، ويشكل الأمر غبناً لمبدأ المساواة في الحقوق ، وكما يشكل أيضاً تسطيحاً لمبدأ الحق الذي ينبغي أن يتساوى فيه البشر في كل زمان ومكان ، بصرف النظر عن القومية أو الدين أو اللغة أو الفكر أو الجنس
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
