شبكة لالش الاعلامية

فوزي الاتروشي: حينما نحب بعضنا بعضاً.. يهرب الارهاب

حينما نحب بعضنا بعضاً.. يهرب الارهاب
فوزي الاتروشي / وكيل وزارة الثقافة
لانكاد نجد فرصة للفرح أو الغناء أو الشعور بشيء من السعادة، ولانكاد نقتنص دقائق لإطلاق همسات حميمة أو حوارات ندية مع الأحبة والأصدقاء، بل حتى الحضور إلى حفل تأبين أو دفن الشهداء أصبح أمراً مرعباً حاملاً توقع الموت كل لحظة، لأن الأرهابيين والأحزمة الناسفة مزروعة في كل مكان.
هم مصممون على قتل الفرح وتدمير الحياة وتحويل الوطن إلى ذكرى وطن، والحياة إلى مسلسل تراجيدي دموي، والأرض إلى بيادر جثث ومقابر تترامى على مدِّ البصر. وهم ماضون في فعل المصادرة، مصادرة الأحلام والعواطف ومنع الحب بكل أشكاله وتنويعاته واحتكار تمثيل الجميع باسم الله والدين.
بعد اكثر من عشر سنوات على التحرر من الدكتاتورية مازلنا في البيوت والمدارس والأسواق والدوائر والجوامع والكنائس نشعر بالحاجة إلى أمان لايأتي واستقرار كأنه السراب الذي يخدع العين لبرهة ثم يغيب في زحمة الأخبار اليومية العاجلة التي تعدد لنا أرقام القتلى والجرحى من الأطفال والنساء والرجال والأبرياء في هذا الوطن، وفي كل مرة نعرف أن المسلسل طويل وأن البقية تأتي.
أطفال بلادي تعودوا ان المتنزهات والحدائق وأماكن اللهو ليست في مأمن من حزام ناسف قد يتفجر في أية لحظة، ونساء بلادي تعودّن أن الاسواق معرّضة لكي تتهدم على رؤوس الناس، والمصلون يذهبون إلى أماكن العبادة وقلوبهم تخفق بالتوجس والتوتر من هذا الوحش القادم لتسميم لحظات العبادة النقية.
وهكذا نعيش يومياتنا بانتظار موت يحصد كل يوم جزءاً من حاضرنا ويحاول زرع اليأس في مستقبلنا ويجعلنا أسرى لمشاهد الدم والدموع حوالينا.
ولكن كفى.. فمنطق الحياة في النهاية يقول ان الإرهاب عمره قصير إذا أردنا، وطويل _لاسمح الله_ إذا ترددنا في حب الحياة واغنائها واثرائها وتنميتها مثلما حاول ونجح العالم المتحضر.
وهنا نتذكر حوار والدة الشهيدة (نورس النعيمي) مع قاتل ابنتها الذي قُبض عليه بعد يومين من الجريمة البشعة. كانت الأم بطلة بكل معنى الكلمة حين لقّنت الإرهابي درساً بشرحها كل القيم الجميلة التي حملتها ابنتها من جدية في العمل والدراسة والطموح وحب الرسم والحياة، ولم تمنح القاتل الظلامي فرصة للفرح بما ارتكب وفعل، فهي لم تذرف الدموع وانما ذكّرته بحجم الخطيئة التي أقدم عليها. مثلما نستحضر باعتزاز صورة الشرطي الذي إحتضن الإرهابي المجهّز بالحزام الناسف لمنعه من التفجير وبذلك خسر حياته مقابل حفظ حياة كثير من الأبرياء وصار رمزاً متألقاً لنكران الذات.
اذن لابد أن نبادر وندشن ونخلق افعالاً بطولية للمقاومة، والبطولة هنا لاتعني قوة العضلات والبدن، بقدر ماتعني قوة الحقيقة والمنطق، وقوة الثقافة والتنوير، وقوة الاستفادة من تجارب العالم في دحر آفة الإرهاب، وقبل هذا وذاك قوة الحب كأعظم سلاح يمكن ان نواجه به الإرهاب ونقتله بضربة قاضية. فالحب يعني ان لامكان للبغضاء مهما كانت الذرائع وان الحوار ووصل الجسور وتقديس حق الحياة وتوسيع هامش الحريات والحقوق للجميع، وفتح الأبواب على مصاريعها للثقافة المستنيرة التي تضيء دهاليز العقول والقلوب وتجعلنا على اختلاف الأعراق واللغات والأفكار والأشكال والمناطق والثقافات نتناسق إلى حدّ التلاحم لسد أية مسامات تدخل منها سموم التفكير السوداوي الاقصائي العنصري المتعالي والأحادي الرؤية. هذه هي البذرة الأولى لمنع تكفير الآخر واحترامه والتعايش معه ضمن آصرة الوطن الخضراء، وهذا يجعل الإرهابي يهرب حتماً لأنه يتغذى على ثقافة التناحر بيننا، وحين يتحول التناحر إلى تآلف يفقد الإرهاب مايعتاش عليه.
في ديوانه (ورد أقل) يقول الشاعر “محمود درويش”:
ونحن نحب الحياة اذا ما استطعنا اليها سبيلا
ونسرق من دودة القزِّ خيطاً
لنبني سماءاً لنا ونسيَج هذا الرحيلا
ونفتح باب الحديقة كي يخرج الياسمين..
إلى الطرقات نهاراً جميلاً
ونحن نقول اننا نستطيع بالإرادة والتصميم ان نتلاقى على ضفاف الحب والعناق الأبدي، عناق المآذن والكنائس، وعناق المسلم والمسيحي، وعناق اللغات والاعراف في كل تضاريس العراق، على وقع انشودة المطر السيابية من أجل مطر يغسل كل الأدران في القلوب لنلتقي على بساط عراق ملوّن وجميل يتسع للجميع.. لنجرب مرة ان نحب بعضنا بعضاً بعمق وإخلاص وسنجد كيف تتغير حياتنا. فبهذا الحب غيَّر نيلسون مانديلا صورة جنوب أفريقيا وقهر نظام الفصل العنصري البغيض وانجز وطناً ديمقراطياً للجميع من داخل زنزانة لاتزيد مساحتها على (5ر1متر×5ر1متر) قضى فيها الفترة من 1964 حتى 1990.

26/12/2013
المانيا/فرانكفورت

تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

___

أ.د. محمد الربيعي: ماذا لو اصبحت رئيسا لجامعة ؟

Lalish Duhok

حسن الخفاجي: قائد كوردي شجاع بمواصفات جديدة

Lalish Duhok

علاء الخطيب: التدين في العراق يحمل بذور فنائه

Lalish Duhok