المؤسسات التعليمية وتراجع مستوى التعليم فيها
لقد تراجع مستوى التعليم في المؤسسات التعليمية في العراق وكردستان , ويعود الى أسباب عديدة تتعلق بجوانب كثيرة منها اقتصادية واجتماعية وسياسية وطائفية وعنصرية ودينية وأمنية وسوء إدارة هذه المؤسسات بسبب المحسوبية والمنسوبية, وعدم الدراية والفهم من قبل المسؤولين في الدولة وفي المؤسسات التعليمية؟ ونرى ان التعليم ضاع بين المصالح الضيقة والأهداف الطائفية والسياسية والاجتماعية والتفاضلية الآنية؟ رغم ان الأفكار البسيطة لا تدوم لفترة زمنية طويلة, وأيضا ترجع لأمور وأساليب تتعلق بالتعليم نفسه حول كيفية منح الجامعات والمعاهد والمدارس للشهادات وخاصة الأهلية ؟ هل تمنح على أساس الاجتهاد والكفاءة ؟ أم تمنح على أساس المحسوبية والمنسوبية والقيمة المادية وكيفية دفعها وتقديرها ؟ هل ان المستوى التعليمي تقاس بنسبة النجاح بغض النظر عن طريقة النجاح؟ أم تقاس نسبة الذكاء والكفاءة والاجتهاد؟ هل تمنح الشهادة على أساس اجتهاد ونشاط الطالب؟ هل هناك مراعاة للعدالة في هذا الاتجاه ؟ هل يوجد تقييم للطالب المتفوق وكيف؟ كيف يمكن من رفع مستوى التعليم في كردستان, وما هي الحواجز التي تعترضها وتمنع من تقدمها؟ ؟ وفيما يلي أهم ألأسباب التي أدت الى تخلف وتراجع مستوى التعليم فيها.
(1) الدولة والوزارة و التربية و الإشراف التربوي تتحمل المسؤولية الأكبر في تراجع مستوى التعليم في هذه المؤسسات. وان نسبة كبيرة من الهيئة التدريسية التي لا تؤدي عملها بشكل يرضي الضمير ويحلل ما يتقاضونه من أجور رغم كفاءة نسبة قليلة منهم وأدائهم بشكل يرضي الضمير من(المعلمين والمدرسين والأساتذة)على عكس ما كانوا في السابق رغم الرواتب القليلة. حيث كان بين فترة وأخرى زيارة للمفتشين التربويين وعلى غير موعد, مما كان يجعل المدرس أو المعلم في حيوية ونشاط وتأدية عمله بشكل صحيح, رغم التجاوزات التي كانت تظهر وتحدث في ذلك الفترة. أما الآن التهاون والمحسوبية والمنسوبية وعدم الشعور بالمسؤولية وعدم الرقابة وهي من الأمور القبلية .. هي التي أوصلتنا الى هذه الحالة .
(2) عدم وجود رقابة جدية على مستوى التدريسيين بصورة عامة, بالإضافة الى التغيير المستمر للمناهج الدراسية في السنة الواحدة، ويفتقر الى الخبرة الكفاءة, وضعف وانعدام التخطيط العام للدولة المستقبلية في الجانب التعليمي في المؤسسات التعليمية والتربوية, وتكدس المعلمين والمدرسين في بعض المدارس وشحتهم في مدارس أخرى وخاصة في مركز المدينة, بسبب المحسوبية والمنسوبية السياسية والواسطة بشتى الأشكال والوسائل.
(3) كثرة العطل والمناسبات الرسمية وغير الرسمية المبررة وغير المبررة, بحيث أصبح الطالب ينقطع عن الدوام بسبب العطلة الطويلة, عدم التخطيط في بناء المؤسسات التعليمية , وقلة المدارس حتى أصبحت ثلاث مدارس أو أكثر يداومون في مدرسة واحدة الأمر الذي أدى الى تقليص الدوام, وتكدس الطلاب في الصف الواحد.جميع هذه العوامل ساعدت على التوجه غير الصحيح للمؤسسة التعليمة والتربوية.
(4) ضعف المستوى التعليمي لبعض المعلمين والمدرسين والأساتذة. نتيجة لعدم وجود دورات التقوية السنوية والاستفادة الحقيقية منها للتدريسيين, وخاصة في تغيير المناهج الدراسية بين فترة وأخرى, والفساد الدائر لكافة المراحل الدراسية واعتبار المادة أهم من العلم بالإضافة الى ظهور التعليم الأهلي. واللجوء الى الدروس الخصوصية(التدريس في المدرسة والتي تختلف عن الدروس الخصوصية لماذا)هل بسب ما يتقاضاه المعلم والمدرس والأستاذ من أجور, أم هل انقلبت مهنة التدريس الى مهنة للتجارة المربحة ؟ أين الذمة والضمير والأخلاق ؟ لماذا لا يؤدي المعلم أو المدرس واجبه الوطني الملقاة عليه حيث تعليم وتدريس الطلاب أثناء الدوام الرسمي.
(5) ان المدارس الأهلية أصبحت للأسف وسيلة وليست غاية وهي(الغاية تبرر الوسيلة أفكار ميكافيلية)وفيها تجاوزات عديدة سواء كان في المدارس المعاهد والجامعات. الاشتراك المادي الذي يلزم الطالب دفعه لكي يداوم؟ ومن يمتلك الذكاء والنشاط ولا يمتلك النقود ماذا يفعل؟طبعا هذا ليس له الحق ان يدرس؟ ليس هناك رعاية لهؤلاء لأنهم في الطريق المستقيم لا احد يريدهم ويحبهم حتى يرعاهم؟ هل لأننا نريد الخراب لبلدنا في القريب العاجل؟ نعم كان في السابق مهنة التعليم يبرز فيها الطالب الذكي والمجتهد والشاطر والذي كان يدرس والذي كان يحب مجتمعه وأهله؟ وبين الذي لا يحب إلا نفسه ومصلحته نجدهم يحاربون الانسان الصادق في الاتجاه أيضا وأصبح كل شيء بيده ونراه يتاجر ويشتري بالتعليم.
(6) التعليم بصورة عامة وخاصة التعليم الجامعي ومؤسساته تخضع بشكل مباشر للصراعات السياسة. حيث ان اجتماع مجلس أي مؤسسة تعليمية(جامعة أو كلية أو معهد هو اجتماع لممثلي الكتل والأحزاب السياسية)إذن فكيف تكون التوجه التعليمي والعلمي المستقل فيها. وتوزيع المناصب في المؤسسات التربوية والتعليمية بحسب الرغبة السياسية والطائفية والاجتماعية لهذا أو ذاك أو بحسب المحسوبية والمنسوبية وبموجب إستراتيجية الأحزاب المحاصصة.
(7) من يمتلك النقود يستطيع ان يجلب الشهادة من خارج أو من داخل العراق، ومن يمتلك (واسطة) في الدولة فانه يستطيع ان يمتلك الاثنين معا(النقود والشهادة). الفساد المستشري في الدروس الخصوصية, وعزوف المعلمين والمدرسين عن بذل جهدهم في التدريس إضافة الى ضعف القدرات المهنية للكثير منهم. وهناك جهات مشبوهة تقوم بعرض خدماتها في بيع الشهادات الدراسية وبأسعار مغرية لجميع المراحل الدراسية وبشكل دعائي أشبه ما يكون بترويج سلعة استهلاكية.
(8) لا توجد إستراتيجية تعليمية محددة للدولة العراقية والإقليم في كيفية السيطرة على الأعداد الهائلة من الخريجين التي تتخرج وتنتظر التعيين، هناك دول من الممكن ان نستنسخ تجربتها في كيفية رفع مستوى التعليم وكيفية السيطرة على الخريجين؟ لماذا لا نأخذ بها.ان أردنا ان نبني بلدنا رغم ان كل الخرجين هم وطنيين من الأكراد فلماذا لا توجد التعين ولماذا كان يدرس الطالب ويتخرج؟ فافتحوا له الطريق وأعطوا له الفرصة, حتى يستطيع أن يساعد ويشارك في بناء وتقدم كردستان.
(9) نظام القبول المركزي المعتمد عليه هو على أساس المعدل فقط ؟ وهناك فرق بين معدل الدراسة والمعدل الذي يأتي من غير الدراسة, والجميع يعرف كيف يحصل الطالب على هذا المعدل وان هناك تجاوزات كبيرة وخطيرة تحدث هنا وهناك يؤدي الى انحراف العملية التربوية والتعليمية بشكل خطير. ولماذا لا يكون القبول على أساس الرغبة والاختيار والكفاءة والاختبار, وان أكثر الدول المتقدمة تجعل الطالب يختار الاختصاص الذي يحبه, وتعمل الدولة من خلال مؤسساتها التربوية والتعليمية والمهنية على إنماء روح الإبداع لدى الموهوب, ولكن ان الموهوب في هذا البلد يطرد لأنه من غير المعقول ان تكون لدية نقود لان هناك تناقض بينهما , ولأن الموهوب يؤمن بمجموعة من المبادئ والثوابت لا يمكن ان يتجاوزها. ولهذا نجده يتأخر عن اقرأنه الذين يؤمنون بتمشية الأمور بكل السبل وفي كل الاتجاهات وبغض النظر عن الأخلاق؟
(10) عدم توفير الوسائل التعليمة والالكترونية والمختبرية والإيضاحية في المؤسسات التعليمية والمدارس الحكومية التي تساعد على تطوير العملية التربوية والتعليمية, هذا فضلا عن الاهتمام بالمعلم والمدرس لأنهم هم الأساس في العملية التربوية وليس الاهتمام بمدرسة دون آخرى وان كان للمتميزين أو غيرهم من أصحاب النفوذ والقبول فيها على نحو خاص, أو الاهتمام بطبقة دون آخرى أو بمعلم ومدرس دون آخر لأسباب مختلفة. لابد من فتح دورات سنوية للمعلمين والمدرسين حول المناهج وطرائق التدريس.
نعم ان التعليم يتراجع بصورة سلبية بحيث تهدد المؤسسة التعليمية برمتها في العراق وكردستان, وإذا لم يدرك الإدارة التعليمية والدولة هذه الانتكاسات والتجاوزات التي تحدث في كل مفاصلها وان أرادوا الخلاص منها والتقدم. فلابد أن تبدأ بتوجيه وتصليح التعليم فيها قبل أي شئ آخر لان التعليم هو مستقبل بناء الانسان نفسه وتطوره ثم تأتي تطور وتقدم بناء البلدان والأمم. ونرى ان الجميع يتحدث عن الرفعة والمعرفة والشهادة وانه حصل عليها, من دون ان يعرف شيئا في إطار واختصاص هذه الشهادة ولو كان بسيطا سوى أنه اخذ الشهادة, وبأي طريقة كانت شرعية أم غير شرعية سوى انه يمتلك الشهادة , ربما يعرف قيمتها المادية وانه أصبح من أصحاب الاختصاص.
ان التقدم والتطور وتطبيق القانون وكيفية منح الشهادة والمساواة لا تأتي بهذا الشكل. والمصداقية وتطبيق القانون لا يأتي في الكلام فقط…. ولكننا يجب ان نراها في الواقع العام(الاجتماعي والوطني والسياسي والاقتصادي والقانوني والأخلاقي وغيرها)وكذلك في واقع المستوى العلمي للطلبة والمتخرجين…وليس الكلام والكلام, وكأننا على عداوة مع الكفاءة والذكاء والخبرة والأمانة والمصداقية.. والدور الأعظم تأتي هنا للدولة, وطريقة إدارة نظام الحكم الاستقلالي والعلمي في مؤسساتها التعليمية سواء كان في العراق أو كردستان هي المؤشر العام في توجيه وتطور المستوى العلمي والثقافي والتعليمي للمؤسسة التعليمية والتربوية والمهنية. والدعوة الى إعداد منهج خاص يدرس الثقافة الوطنية والإنسانية الى جانب العلوم الأخرى, واعتبار المؤسسات التعليمة هي اعتبار للعلم والاجتهاد والذكاء والكفاءة وليس للمنسوبية والحزبية والعشائرية والقبلية وللأغنياء وقبول الفكر العلمي الإنساني والوطني في المؤسسات التعليمية والتربوية والمهنية. حتى يتحقق التربية الوطنية والإنسانية في اعدد جيل يتفهم ويتقبل المفاهيم العامة في سبيل بناء مجتمع آمن ومتقدم ومتطور .
قاسم ميرزا الجندي
15/6/2014 الأحد
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

