ما تبّقى من سنجار.. العودة أو الزوال التام
أن ما مرّ ينا و نمرّ به لا يمكن تصوره أو وصفه مهما فكرنا وحللنا الواقع في العمق، لقد شردت بنا الأفكار وأصبح الغضب يتملّكنا في كل جزء من كياننا جرّاء ما تعرضنا إليه من سوء التعامل وعدم الاهتمام لأننا تعرّضنا لأذى كبير وقلة في الدراية ممَّن كانوا مسؤولين علينا وعنا حزبيا وأمنياً وإدارياً في مدينتنا سنجار حتى وصل الأمر بوضع موقفهم في خانة الخيانة.. الخيانة بحق سنجار وأهلها وبحق القيادة الكوردستانية التي أولت إليهم المهام وآمنت بهم على مناطقنا.
نتيجة ذلك، خسرنا كل شيء… نسائنا وبناتنا بين أيدي الارهابين.. شبابنا بين ايديهم ويجبرونهم على اعتناق اسلامهم الذي رسموه هم او القتل.. وعدد كبير ما زالت جثثهم تتفحم بعدما قتلوهم عبر مجازر بشعة داخل الأزقة وفي باحات المدارس وفي الخلاء.. أمهاتنا بتنَّ تجف دموعهن.. أزقتنا وقرانا فمجمعاتنا ومدينتنا الحبيبة سنجار.. حجارتنا وبيوتنا الطينية وحتى مزاراتنا الدينية المقدسة والتي طالتها أيديهم.. كل شيء تدمَّر ودُنّس من قِبَلهم، هنا الأمر شمل كل مَن لم يواليهم، فكان الكورديّ الشيعي والكوردي السنّي الشريف نصيبه كنصيبنا نحن الأيزديين من كل ما ذكرته من آذى وجرائم أرتكبت بحق السنجاريين على يد عصابات داعش ومعهم المتخاذلين والخونة من عرب و كورد المنطقة… مع دليل أن حصتنا كأيزديين كانت وما تزال هي الأفظع.
أزاء الموقف والصدمة الكبيرة والتي تلقيناها ممَن هم راعينا من مسؤولي المنطقة وكما ذكرتهم أعلاه، بالاضافة الى المجازر الأليمة.. حدث شرخٌ كبير في وحدة الصف بسبب بعض قيادات البارتي في سنجار ومسؤولي البيشمركه فيها ولم يعد هناك ذلك الصف الذي نتحدث عنه بالأساس وهذا لا يمكن ان نتهم القيادة البارتية او الكوردستانية جيمعاً بها، فحدثت فجوة ما بين الجماهير ممَّن بقي على قيد الحياة من السنجاريين والقيادة الكوردستانية متمثلة بالبارتي بسبب هؤلاء.. نعم هنا نقول البارتي وليس غيره لأنه كان الراعي الأول والأخير في سنجار وكل المؤسسات كانت تحت قيادته.. والجماهير كانت مؤمنة بالمصير الواحد مع البارتي وهذه حقيقة لا يمكن أن نتجاهلها وفي كل الأحداث والمناسبات ولم يدُر بخُلد سنجاريّ واحد أن الأمر سيؤول الى ما آل إليه الآن.. كانت الزيارات مستمرة ما بين الأهالي كعشائر وقيادات البيشمركه سواء في المقرات أو في النقاط الموزعة ما بين القرى وخارجها، والمسؤول الأول في سنجار كان يطمئن الجميع أن الوضع تحت السيطرة جاعلاً من نفسه الحاكم الاول والاخير في اتخاذ القرارات دون أن يلتفت إلى أيّ اقتراح من هذا أو ذاك وحتى على مستوى اللجان المحلية والعشائر، جعل الجميع يرضخون الى قراراته ورفض تسليح العشائر بحجة أجلسوا في بيوتكم ولا تعملوا مشاكل ودعوا اأمر الحماية والدفاع عن سنجار ومناطقها لنا وللبيشمركه.. حيث كان يفرض هاجس الأمان في حالة طمأنة كاملة حتى حدث ما حدث.
أخوتي السنجاريين.. أخواتي.. أمهاتي وكل فرد يحس بالغيرة السنجارية،،، أصعب فترة نمرّ بها الآن وهي عصيبة جدا، ولا يمكننا الاعتماد على أي قرار قد نتخذه في هذه الفترة لأن أفكارنا تتملّكها الغضب وفي مثل هذه الحالات تكون النتائج سلبية، فكلّنا نطالب بعودة نسائنا وبناتنا ودفن جثث شهدائنا.. نطالب بالثأر ممَّن تسببوا وشاركوا وفعلوا كل ما حدث لنا، لكننا في الجانب الآخر نطالب بالهجرة الجماعية والتبرّء من القيادة الكوردستانية.. فكيف سننتقم وكيف سندفن شهدائنا و هُم بالمئات وكيف سَنعيد وإلى مَن سيعودون هؤلاء المعتقلين والمعتقلات لديهم إذا عادوا لو اننا هاجرنا هجرة جماعية الى الخارج؟
نعم حدث غدر وخيانة بحق سنجار وأهلها.. لكن هذه الخيانة لا يجب توسيعها لتشمل قيادة كوردستانية بأكملها لأن المنطقة وبالذات إقليم كوردستان في حالة حرب معلنة وغير معلنة ومن عدة نواحي والصراع شديد.. والكل يدرك أن في حالة الحرب والصراع لا بد وأن تحدث الخيانة بوقت ما.. سواء كانت قليلة التأثير أو شديدة، قد تنجح وقد نفشل.. لكنها نجحت في شنكال وكانت لجانب عصابات داعش حتى وجدوا فرصتهم وضالتهم فدخلوا مدينة سنجار دخول الفاتحين ومن دون أية مقاومة.
القيادة الكوردستانية تحس بالمرارة جرّاء ما حدث، وأصدرت أوامرها باعتقال ومحاسبة المقصرين وعلى أعلى المستويات.. أظن أن بعض الأسماء قد نشرت في وسائل الاعلام ومنها النت، ونعلم أن هذا لوحده لا يكفي بشفاء صميم وكيان سنجار وأهلها.. ولن تُعيد لكوردستان وقيادتها هيبتها التي خسرتها في سنجار بسبب هؤلاء الذين خانوا الأمانة بسهولة.. فبناء بيت يتطلب أشهر وربما سنة وأكثر، لكن تدميره لا يحتاج إلا الى بضع لحظات وهكذا عند بنائه مرة أخرى.
من أجل ذلك كله.. لا بد من الصبر والتمهل وعدم الاستعجال في ردود الأفعال ومن كلا الطرفيّن… و واجب وكلّ الواجب على إقليم كوردستان وبالذات البارتي أن تعمل جاهدة وهذا أمر مطلوب منها بشكل كبير على بذل كل الجهود من أجل اعمار واصلاح ما تم تدميره من الناحية البشرية ـ السكانية، والعمرانية والنفسية، ومحاولة كل الأساليب في سبيل عودة النساء والبنات الى عوائلها، وموضوع الحماية ذات الأمد الدائم، بناء واعادة وتأهيل تلك الثقة التي كانت بينه وبين الجماهير في سنجار.. وهذا كله يتطلب تعاون جدّي من طرفنا أيضا كسنجاريين كي نعرف كيف نفكر حتى الخلاص من هذه الغمة الكبيرة.
الخلاصة:
1- أن تقوم القيادة الكوردية على إيجاد حل سريع لاسترجاع سنجار وتحريرها بالكامل.
2- أن تعمل جاهدة وبكل الأساليب على استرجاع العوائل التي بين أيدي داعش وخاصة النساء والبنات.
3- أن تعمل قيادة الإقليم على حث المؤسسات الأممية ومجلس الأمن والمنظمات المعنية باعتبار ما جرى لسنجار وأهلها جينوسايد وحملة إبادة شاملة.. تستلزم تعويض كل شيء وحماية خاصة ودائمة الأمد.
4- أن تعمل على رصّ الصفوف ومحاسبة المسؤولين عما جرى علناً واعادة الثقة ما بين جماهير سنجار وبينها، وتتعامل مع الحدث السنجاريّ الخطير من باب العسكرياتي وتبتعد قليلاً في هذه الاونة عن التنظيم الحزبي، معولة على اتجاه أهالي سنجار وشبابها وما يرومون ضمن هذه الظروف وحتى التعاون معهم فيما يذهبون إليه من طلب كيفية التطوع والذهاب للقتال في سنجار… من باب التعاون الجاد مع قيادات بطلة لم تبرح سنجار منذ سقوطها وحتى الآن وهي محط أنظار السنجاريين جميعاً… وبذلك تسد الطريق على مَن يريد استغلال الوضع.
5- أن نبتعد كسنجاريين قليلاً عن حالة الغضب التي تتملّكنا ونتوقف عن الهجوم على كوردستان وقياداتها ونسمي الأخطاء بمسببيها والذين خانوا الأمانة حتى لا نعطي للعدو فرصا أكثر في التغلغل وهو يتفرّج مستريحاً على ردة فعلنا تجاه كوردستان.
6- نتحد جميعاً من أجل توجيه جمّ غضبنا صوب العدو والذي حرق قلوبنا ومحاسبة كل خائن بقي هناك، يساعدهم ويشاركهم في كل جرائمهم من نهب وقتل واغتصاب وتدمير حتى لو كانوا أقرب الناس إلينا.
7- يتطلب منّا الصبر والهدوء بعض الشيء وعدم تمرير النوايا بشكل إلزامي وهذا معني به الجماهير السنجارية وكذلك قيادة الإقليم… فما جرى ليس بالأمر الهيّن ولا يمكن اعادة ما تم تدميره بالسرعة التي نريدها جميعاً… وهذا يتطلب من القيادة أكثر مما هو من الجماهير ونتمنى أن تعمل بشكل جاد من أجل سد تلك الفجوة الكبيرة والتي أحدثتها النكبة.
الرحمة لجثث شهدائنا والخلود لهم.. المجد لشهداء كوردستان والعراق والانسانية جميعاً.. الحرية لنسائنا وبناتنا وكل أسرانا بأيدي داعش.
مصطو الياس الدنايي/ لا مكان
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

