نحو فهم أعمق للهجوم على مسيرة أكيتو في دهوك
خضر دوملي
أتذكر منذ سنوات عديدة أرى مسيرة الاحتفال بعيد أكيتو تجري في دهوك دون أية مشاكل، وأرى كل سنة بعد أخرى الاهتمام الإعلامي والمجتمعي بها، لكن لم يحصل أن كان في مخيلة أحد أن يحصل اعتداء إرهابي كالذي حصل يوم الأول من نيسان الجاري في دهوك وبطريقة بشعة – الضرب بالساطور على المحتفلين بهذه المراسيم من الكلدان والاشوريين والسريان.
أعتقد أنه علينا جميعاً وخاصة العاملين في مجال حقوق الإنسان وحقوق الأقليات وتعزيز التعايش أن نصل إلى فهم أعمق لتلك الحادثة، وأن لا نجعلها تمر كأية جريمة حصلت، لعدة أسباب، أنها أسفرت عن ضحايا – مصابين بجروح بليغة – أنها أدت إلى تشويه صورة دهوك التي تشتهر بالتعايش والاستقرار ومدينة الأمان منذ عشرات السنين، وأنها استهدفت مناسبة قومية حضارية يفتخر كل من يعتز بالتراث الإنساني أنه يتم الاحتفال بها بدهوك، كدليل على قدرة وقوة المجتمع والإدارة المحلية في المحافظة لاحتضان التنوع وحمايته.. رغم التعليقات والنقد الذي ينشر كل سنة تجاه الاحتفالية – المسيرة بسبب بعض الممارسات التي يصفها البعض بأنها تحمل صفة تعصب قومي، إلا أن الاحتفال بأكيتو يبقى له خصوصية كبيرة كدليل على قدرة إقليم كوردستان بالحفاظ على خصوصية الشعوب والقوميات والمجتمعات المختلفة القومية والدينية والمذهبية، في ظل تراجع قيم الحفاظ على التنوع في الجوار.
إن الهجوم على المحتفلين – ولا نريد أن نسبق التحقيقات والإجراءات الرسمية – يتطلب الوقوف عنده بجدية، ورغم تأكيد محافظ دهوك الدكتور علي تتر “سوف نحافظ على التعايش في دهوك كما نحافظ على حدقات أعيننا” بأنه بادرة ممتازة وهو ما عهدناه به، والتحرك السريع للقوات الأمنية بإلقاء القبض على الجاني وإصدار البيان الأولي عن الحادثة – هو محل تقدير.. إلا أن القضية تتطلب التوقف عندها في عدة جوانب:
أولاً – هل هذا إنذار مبكر بأن هناك من يحمل أفكاراً هدامة يمكن أن تسبب الفرقة والإرهاب وجرائم بسبب التعصب القومي والديني في ظل أجواء الأمن والأمان في دهوك…؟ وكيف يجب أن نعمل على تجفيف منابع هذه الأفكار؟
ثانياً – هل لدينا إجراءات وقائية وحماية تساعد على تعزيز ثقافة التنوع؟ أو هل أن إجراءات وممارسات حماية وتعزيز التنوع القومي والديني في دهوك بشكل خاص، وإقليم كوردستان بشكل عام، هي إجراءات سليمة وهادفة؟ إن كان نعم، فكيف يجب أن نطورها ونوسعها ونعزز تأثيرها المجتمعي؟
ثالثاً – هل أن الإجراءات الأمنية وتطبيق القوانين بحق الذين يتجاوزون على الآخرين المختلفين رادعة؟ وكيف يجب أن تكون؟
رابعاً – ما الذي يمكن القيام به لمنع تكرار أية جريمة من هذا النوع؟ وأية جريمة أخرى تخص جرائم التحريض والكراهية من أي شخص تصدر؟ لأنها تسيء إلى قيم التعايش التي تدعو لها وتعمل من أجلها حكومة الإقليم منذ 1991 وإلى الآن، وخاصة الكابينة الحكومية التاسعة.
لذلك فإن الهجوم على أكيتو في دهوك يجب أن لا يمر مرور الكرام، ولا يجب أن تترك المسؤولية على طرف واحد فقط، بل إن جميع الأطراف والمؤسسات الثقافية – للآشوريين والكلدان والإيزيدية والمسلمين طبعاً – والمؤسسات الرسمية المعنية لكل المكونات المجتمعية، مسؤولة للجلوس معاً والحوار والعمل الجدي لكي لا تتشوه صورة دهوك من قبل بعض النفوس الضعيفة التي لا تستطيع تقبل التنوع والآخر المختلف، ولكي تبقى صورة دهوك بأنها تشتهر بالتعايش والأمان والأمن والاستقرار، وأن يصبح الحفاظ عليها مسؤولية الجميع، وأن هذه الإجراءات ستضع حداً لمنع استغلال هذه الجريمة من قبل أطراف عديدة تنتظر هكذا فرص لنشر التحريض والكراهية وخلق الفرقة وتشويه الحقائق – بل يتطلب استثمار هذه المناسبة سياحياً وترويجياً لمحافظة دهوك وكجزء أو إجراء رسمي للحفاظ على ثقافة التنوع والحفاظ على التراث الثقافي والحضاري للمجتمعات المختلفة، والابتعاد أو إبعاد المناسبة – الاحتفال بأكيتو – عن المنافسات السياسية بأي شكل من الأشكال.
فرغم قصور القائمين على الاحتفال في تحفيز ونشر المزيد من المعرفة للمجتمع المحلي بأهمية الاحتفال بهذا العيد، وأن يلجأوا أيضاً إلى بعض الإجراءات التي تسد الباب أمام التعليقات والنقد الذي يصل إلى خطاب الكراهية والتحريض أحياناً…! فقيام المحتفلين بالعيد وإحياء المسيرة في دهوك يتطلب على الأقل تقدير خصوصية وهوية المحافظة وإقليم كوردستان أن يكون له حضور – أعتقد لن تخرب الدنيا ولن تسيء صورة المسيرة إذا كانت هناك إشارات وبعض لافتات باللغة الكوردية وترويج إعلامي لها قبل فترة، وأن يكون هناك علم كوردستان يرفرف إلى جانب العلم العراقي، بل ستزيده بهاءً وتقديراً من كل مشاهد ومتابع، وأن يتم إشراك المؤسسات الثقافية في المحافظة، على الأقل بدعوة الشخصيات الرسمية والمؤسسية على مستوى واسع للمشاركة في حفل إجراء مسيرة أكيتو، لتحقيق المشاركة المجتمعية والمؤسسية فيها.
وهذا ليس قصداً أو تبريراً لما حصل – فما حصل ليست جريمة اعتيادية كما تحصل في العديد من البلدان الأوروبية من قبل ما يسمى بـ”الذئاب المنفردة المنفلتة”، بل جريمة ندينها أينما تحصل وضد من تحصل، وأعتقد أنها تستهدف الاستقرار في عموم إقليم كوردستان.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية