اني لأعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب
فاضل میراني
هذه الجملة مستعارة ومنسوبة لحدث ورد في روايات عن تاريخ المجتمع الاسلامي بعد جيل من نشأته، كتبوا ان قائلها هو العباس بن عبد المطلب، واستعارتها في هذا المقال هي استعارة من خبرة قديمة لحدث مبجل لخبرة معاصرة تخص حدثاً مقدماته تشير الى خواتمه المؤلمة، لكنها تختلف هنا عن المعنى الذي قاله صاحبها حينما توقع فجيعة وما يلحقها من تبدلات لم يسلم منها المجتمع الاسلامي الاصيل حتى لمّا كان قريباً من ضياء النبوة.
الجملة -إن صح انها قيلت- التي اطلقها صاحبها تظهر وعيه بمجتمعه، مضافاً اليه فراسة وحفظ علامات.
ان العقائد السليمة لا تكفي ان تكون وحدها بلا سلوك بمقتضاها، ليس هذا من العقل الناضج في شيء، فتعطيل النص او حرفه يضطرد في ارقام خسارته كلما ازداد العاملون به، فكيف ان شرعت جماعة بذلك؟.
ان نظاماً سياسياً حاكماً، يخالف عقيدته التي تنص على العدالة، ويعيد المخالفة مع مواد دستوره التي تتحرى العدالة، انما يقوم بتخريب للرعية بثلاث درجات، ادامة تخريب سابق واجتراح تخريب حاضر ينخر بين البطء والسرعة حياة الاجيال، ويلقي بتركة مخربة للمستقبل.
مثل هذا النظام الذي لو تم تشريحه لكان بمثابة قوى يمكن الجزم بقصور بصيرتها حيث انها لا تدرك معنى تبدل القوة وطرق المواجهة مع دول كبرى تضع شروطاً وتفرض التزامات ضمن الاداء الدولي، لا مجال فيها للمخاتلة والتملص والاحتيال، اذ ان العقل الحاكم لن يكون مكتوباً له الاستمرار اذا ما حامت حوله شبهات تركزت الى الاتهام والادانة بتهديد النفوذ الخاص بالقوى الكبرى، فإن استمر فبقلق وجهد، لكنهما قلق وجهد مضاعف اذا ما كان مواطنو ذلك النظام قد ادركوا انهم قد تم وضعهم ضمن الخسارات.
قيل في نصح احد الخلفاء الفاطميين بمصر يوماً: ان دوام السلطان من دوام حفظ الرعية، وان الرعية اذا ما اخذت حقها ولمست العدالة والكرامة، فهي منبت للعمران ومجلبة للخير.
ان كان الحكم طموحاً مشروعاً فليس من مشروعيته ان يكون خائناً للامانة، فالامانة والمقدرة مقدمان على طموح فرد او جماعة في الحكم.
عملنا كثيراً ومنذ دخلت حركتنا الكوردية في صد مشروع السلطة المطلقة في افهام الحاكم اخطاءه وخطيئاته بحق رعاياه، فإن اختار ان يكون موظفاً عند شعبه او مجموعة شعوب تخضع لقانونه، فلابد ان يكون قانونه عادلاً يتساوى فيه الجميع، وان اختار ان يكون زعيماً، فالسؤال هو: اخلق الناس زعامته، ام اختلقها هو لنفسه، وفي كل الحالين ففرض الزعامة لا ينجح ان لم يقترن بالعدل والخير والايثار، واي فرض لأي شيء دون حكمة حسنة لن تكون خاتمته محمودة الاثر، ويصدق ذلك حتى على الاديان اذ يصف شاعر ذلك بالقول:
من جاء للاسلام بالسيف مُجْبراً
لا ينتهي عقباه الا بمرتدِّ
ان الذين يرون في انفسهم ان النظام الديمقراطي قد تم فرضه عليهم، وانهم يعجزون عن قبوله، وان قبوله لا يوازي مكاسبهم، سيكون عليهم مواجهة حسابات اكبر واعقد، حسابات المتضرر من اداء الفريق المكلف برعاية مصالح الشعب، تخص الحقوق في المواطنة، اقتصاداً وأمناً وسلامة حاضر ومستقبل، وحسابات قوى عظمى قد لا يطول صبرها على الاداء الذي تظهر مساوؤه ولا تخفى، اذ ان قاعدة البيانات الدولية في التفاوت بين نتائج عمل نظامين في كل دولة، هي مادة اساس في المواجهة، وهي كفيلة بتحريك الجبهات ضد الانظمة المستهدفة.
ان شعوبنا تعيش تحديات تزداد مخاطرها اضعافاً مضاعفة بسبب ذاتي لا يريد القائمون بالعمل الرسمي والفارضون لانفسهم على القرار مواجهة حقيقة اعمالهم به.
لا يصح ولن يصح ولم يصح أساساً ان يعتقد اي مسؤول ان دعاية سياسية لنفسه او لنظامه ستكون مقبولة او مأخوذ بها ان كانت تفتقر للمصاديق على ارض الواقع، ولا يصح ولن يصح وما صح ابداً ان معادلات العلاقات مع الاسرة الدولية وهي نفس الاسرة التي ازالت انظمة كبرى في المنطقة، بإنقلابات او ازاحة امنية او سياسية بالجبر او بالحرب، انها معادلات تملك نفس العقلية الضيقة التي تظهر من قسم من الحاملين للعنوان السياسي يعتقدون بسلامة موقفهم او احتمالية دوامهم لا لشيء، الا لإحسانهم التصريح بلا عمل موثق يبعث على الثقة بمنجزاتهم للناس لا لأنفسهم.
ان قاعدة الاقتصاد تقوم على عامل غير أمين هو النفط، ومنطقة الوجود الجغرافي يجب ان تكون سليمة السياسة لا اسيرة المحاور، والعمل الدولي يختلف عن الشعار العقائدي والحزبي، والاقتصاد كما قيل (يحرك كل علة).
بقي ان نختم بالاستعارة مع الفارق ونشرح الاثنين مع الفارق ايضاً، فقد قيل ان النبي لمّا افاق من مرضه الذي رحل فيه، سأل الناس الامام علياً كرّم الله وجهه: كيف اصبح النبي؟ فقال: بحمد الله انه بخير.
وكان العباس عم النبي واقفاً، فقال: اني لأعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب.
قالوا ان عم النبي فهم ان الامور ستكون بعد النبي على غير ما كانت عليه على ايامه، وقد كان وانشطرت الامة وحدثت احداث كبرى ولكل حدث جمهور ومبررون ومهاجمون ومُهاجمون.
واما الاستعارة، ومع الفارق ايضاً، فإننا بخبرتنا نعرف من الوجوه والاداء ما تحمل الايام بعد هذا المرض الذي يجري الاصرار على اصابة العراق به.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
