من حقول عفرين إلى فكر بارزاني الخالد: اللغة كهوية سياسية
شيار خليل
ليس ثمة غرابة في القول إن الكثير من الحكايات والمرويات الشخصية للكورد متشابهة إلى حدّ بعيد؛ فالذاكرة المشتركة في مقارعة الاستبداد أنتجت للكورد مسارات حياة وظروفاً متقاربة. لذا، فإن ما جرى في طفولتي من مغامرات تعرّفت من خلالها إلى هويتي الكوردية بمعناها السياسي، قد جرى مع آخرين في المكان والظروف ذاتها. مردُّ هذا الحديث هو يوم اللغة الأم، تلك اللغة التي من المفترض أن يتعرّف الإنسان إلى الحياة عبرها، ويقرأ وقته بها، ويتفاعل مع الآخرين من خلالها. إلّا أنّ الأمر لم يكن كذلك، لأنك وُلدت كوردياً في بلاد ترى في وجود الكورد جريمة، فتقع لغتهم تحت وطأة استبدادها.
بين حقول الزيتون في عفرين، كنا نتجوّل خلسةً، لا أطفالاً باحثين عن لحظة مناسبة نسرق فيها ما طاب لنا من ثمار هذه الأشجار الممتدة على طول حياتنا، بل بحثاً عن مكان آمن نختبئ فيه من أعين المخابرات وأجهزة النظام السوري البائد لنتعلّم لغتنا الكوردية كتابةً وقراءةً؛ ذلك الحق الذي لم تمنحنا إياه المدارس، التي كانت تخلع كورديتنا عنا قبل دخولها. في تلك الأثناء، كنا أشبه بخلايا النحل، نتدافع خلف أستاذنا “دينو/ المجنون باللغة العربية”، هكذا اختار لنفسه اسماً حركياً كي لا يتعرّض للمساءلة والعقاب من الأجهزة الأمنية. وربما كان محقاً أن يُكنّى بالمجنون؛ فأيّ ممارسات مجنونة في هذه البلاد كان يفعلها هذا الرجل، ممارسة قد تكلّفه حياته.
مع “دينو” عشنا تفاصيل مجنونة كثيرة: هروباً من الأمن، صعوداً إلى قمم الجبال والهضاب، اختباءً بين حقول الزيتون، دفناً للكتب تحت الأرض، تعلّماً للحديث بصمت، وبناءً للثقة بين الأطفال. لكن ما كان يثير الاهتمام حينها أننا كنا نقرأ لغتنا بهويتنا السياسية التحررية. لم تكن مجرد لغة نتعلمها، بل خوضاً في التاريخ والسياسة: الثورات الكوردية، النكسات، خيبات الأمل الكثيرة، مقاومة الكورد من أجل الحرية، مقاتلون في الجبال يدافعون عن كوردستان. تاريخ طويل بدأ منذ زمن ولم ينتهِ حتى الآن. كانت كوردستان تُقرأ بصمت مع اللغة، حتى تخرّجنا من الحقول تلاميذ يعرفون بلادهم ولغتها المدفونة.
هكذا تصاعدت مكانة اللغة تباعاً لدى الكورد؛ اللغة التي حضرت في مرويات الأمهات الكورديات حين كنّ يسردن ليلاً لأحفادهن بطولات الكرد وحكاياتهم، اللغة التي كنا نفتّش فيها عن معانٍ كوردية نستحضرها من أغانينا الفولكلورية، لغة المنشورات السياسية السرية، والقنوات التلفزيونية المخفية، لغة الحياة كلها، تلك التي عشناها.
بالنسبة للكورد، لا تُعدّ اللغة الكوردية، ولا الاعتراف بها، حقاً ثقافياً مجرداً من مساره السياسي. الكورد يتقنون لغتهم جيداً، ويتحدثون بها ولا ينتظرون موافقة على ذلك. لذلك لم تكن المشكلة يوماً في مدارس باللغة الكردية أو نشرات أخبار بها، بل في حقّ سياسي: أن تكون لغةً رسمية مكتوبة في الدستور، والتعليم بها لا مجرد تعلّمها، وأن تصدر بها المنشورات الحكومية والوثائق الرسمية وكل ما يصدر عن الدولة. يريد الكورد اللغة بوصفها لغة الدولة، لا لغة المجتمع والثقافة فحسب. يريدونها تعبيراً عن ذاتهم وهويتهم السياسية، لا عن ثقافتهم وتراثهم فقط. يريد الكورد بها أن يعبّروا عن أنفسهم شعباً، لا مجتمعاً فحسب.
على هذا الأساس تماماً، قامت الهوية القومية السياسية التي طرحها الأب الروحي للشعب الكوردي ملا مصطفى بارزاني. فمنذ بداياته الأولى في ثورة بارزان وصولاً إلى ما بعد ثورة أيلول الكبرى، كان ينظر إلى القضية الكوردية لا بوصفها معركة عسكرية فحسب تنتهي لصالح المقاومة والنضال، بل بوصفها مشروعاً في المدارس والجامعات والمنابر الثقافية، وهويةً سياسية وإحدى ركائز الهوية القومية الكوردية. كان يعلم يقيناً أن الاعتراف بالشعب الكوردي يبدأ بالاعتراف بلغته الكوردية مرتكزاً أساسياً، وأن محو اللغة هو الطريق الأسرع إلى محو الكيان السياسي.
إن التجربة السياسية الكوردية في كوردستان تُظهر بوضوح أن اللغة تتحول إلى مسألة سياسية حين يُراد إقصاؤها من قبل الأنظمة التي قُسّمت كوردستان بينها: في سوريا وتركيا والعراق وإيران. سياسات التتريك والتعريب وتفريس اللغة لم تكن تستهدف اللغة فحسب، بل كانت تستهدف الوعي الجمعي الكوردي، وتحويل الكورد إلى عرب أو أتراك أو فرس، لا مجرد منع لغتهم من التداول.
التجارب في المنطقة متعددة: الأمازيغ في شمال أفريقيا، السريان والآشوريون، الأرمن، وكل الأقليات التي تعيش ضمن دول ذات لغة واحدة مهيمنة. جميعها خاضت صراعاً مشابهاً: صراع البقاء عبر اللغة. لأن الاعتراف اللغوي ليس مجرد امتياز ثقافي، بل اعتراف بالحق في المشاركة والتمثيل السياسي، وفي أن يكون للشعب مكان في الفضاء العام.
هنا تتضح الفكرة الجوهرية في نظرة الكورد إلى لغتهم: لا يمكن فصل اللغة عن السياسة، بل هي أساس النضال السياسي. اللغة هي الأداة التي تُصاغ بها القوانين، وتُكتب بها الدساتير، وتُبنى بها المناهج.
بالنسبة للكورد، كان تعلّم اللغة سراً في عفرين أو في غيرها من المدن رسالة واضحة: نحن موجودون رغم المنع، موجودون بالمعنى السياسي لا الاجتماعي.
فالاعتراف السياسي بالشعوب يبدأ بالاعتراف بلغاتها في الدساتير، وفي المدارس، وفي مؤسسات الدولة، خصوصاً الشعب الكوردي الذي يصرّ على لغته كلغة رسمية في بلاده، لا لغة ثقافية لشعب يُختزل في أقلية.
من هنا يمكن قراءة تجربة ملا مصطفى بارزاني لا كجزء من تاريخ كوردستان السياسي والنضالي فحسب، بل كدرس سياسي أوسع: فالدفاع عن اللغة الكوردية دفاع عن حق الشعوب في أن تُعرّف نفسها بنفسها. فاللغة، في نهاية المطاف، ليست مجرد أداة تواصل، بل شهادة وجود. ومن دونها، يصبح الوجود ناقصاً، ويظل الاعتراف السياسي مؤجلاً.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
