شبكة لالش الاعلامية

فينوس بابان: من الأنفال إلى الانتفاضة… الكرامة التي أسست إقليم كوردستان

من الأنفال إلى الانتفاضة… الكرامة التي أسست إقليم كوردستان

فينوس بابان

لم تكن القضية الكوردية في العراق حدثاً طارئاً أو ظرفاً سياسياً عابراً بل مساراً تاريخياً تشكّل في قلب التحولات الكبرى التي أعادت رسم خريطة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى فقد مثّلت معاهدة سيفر فرصة نظرية لإعادة ترتيب المنطقة على أسس جديدة وأتاحت تصوراً دولياً لإمكانية الاعتراف بحقوق الشعب الكوردي. غير أن التحولات الجيوسياسية اللاحقة خصوصاً عبر معاهدة لوزان كرّست الحدود الحديثة للدول القائمة دون إدراج أي صيغة لكيان كوردي ما أدخل الكورد في مرحلة تاريخية جديدة عنوانها النضال داخل الأطر الوطنية القائمة للحفاظ على الهوية والوجود السياسي.

في العراق تطور هذا المسار تدريجياً حتى تشكّل مشروع سياسي واضح المعالم ويظل ملا مصطفى بارزاني الخالد المرجعية التأسيسية الأبرز للحركة الكوردية الحديثة إذ لم يكن قائداً عسكرياً فحسب بل صاحب رؤية استراتيجية تربط بين الكرامة القومية والتنظيم السياسي والانضباط المؤسسي أسس مفهوم البيشمركة كقوة دفاع شعبية مرتبطة بالشعب مباشرة وقاد ثورات متعاقبة توّجت باتفاق 1970 الذي أقر مبدأ الحكم الذاتي داخل الدولة العراقية، ذلك الاتفاق شكّل أول اعتراف رسمي بحقوق الكورد في العراق الحديث وأرسى الأساس السياسي للمراحل اللاحقة. غير أن الثمانينيات شهدت واحدة من أكثر الفترات قسوة في التاريخ المعاصر للمنطقة ففي حملة الأنفال تعرّضت مناطق واسعة لعمليات تدمير ممنهج شملت آلاف القرى وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا إضافة إلى تهجير جماعي واسع النطاق وتجلّت المأساة بأوضح صورها في مجزرة حلبجة حيث استُخدم السلاح الكيميائي ضد المدنيين ما أدى إلى استشهاد آلاف الأبرياء وإصابة آلاف آخرين. هذه الجرائم أعادت تعريف القضية الكوردية دولياً فلم تعد تُقرأ كخلاف سياسي داخلي بل كقضية حقوق إنسان وكرامة ووجود.

جاءت انتفاضة آذار في 5 آذار 1991 في سياق إقليمي متغير بعد حرب الخليج بدأت من مدينة رانية ثم انتشرت سريعاً إلى السليمانية وأربيل ودهوك وكركوك لتشمل معظم مدن الإقليم خلال فترة قصيرة. لم تكن الانتفاضة حركة حزبية محدودة بل انتفاضة شعبية واسعة شاركت فيها مختلف الفئات الاجتماعية إلى جانب البيشمركة والقوى السياسية أدت التطورات اللاحقة إلى موجة نزوح ضخمة قُدّرت بنحو 1.5 إلى 2 مليون شخص باتجاه الحدود التركية والإيرانية في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في تاريخ العراق الحديث. هذا الوضع دفع المجتمع الدولي إلى التحرك فصدر قرار مجلس الأمن 688 الذي أدان القمع وطالب بوقفه ومهّد لإنشاء آلية حماية دولية ساهمت في استقرار كوردستان العراق وبذلك تحولت الانتفاضة من حدث ميداني إلى نقطة تأسيس لمرحلة سياسية جديدة أعادت تشكيل مستقبل الإقليم. بعد عام 1991 دخل إقليم كوردستان مرحلة إعادة البناء السياسي والمؤسساتي حيث أُجريت انتخابات عام 1992 وشُكّلت مؤسسات تشريعية وتنفيذية أرست أساس الحكم الذاتي الفعلي ضمن الإطار الاتحادي لاحقاً هذا التحول مثّل انتقالاً من منطق الصراع الوجودي إلى منطق بناء الدولة والمؤسسات.

في هذا السياق لعب الرئيس مسعود بارزاني دوراً محورياً في تثبيت الكيان السياسي وتعزيز الاستقرار الداخلي اتسمت قيادته بالحكمة السياسية والقدرة على إدارة التوازن بين الثوابت القومية ومتطلبات الشراكة الوطنية داخل العراق لم يكن النهج قائماً على التصعيد بل على ترسيخ الحقوق الدستورية ضمن إطار الدولة الاتحادية وتعزيز البنية المؤسسية للإقليم بما في ذلك تطوير البرلمان والحكومة والإدارة العامة وتثبيت مؤسسات الأمن الرسمية ضمن السياق القانوني على المستوى الدولي توسعت علاقات إقليم كوردستان تدريجياً مع عدد من الدول والمؤسسات ضمن سياسة تقوم على التوازن والانفتاح أصبح الإقليم شريكاً معروفاً في ملفات الاستقرار والأمن والطاقة وحافظ على حضور دبلوماسي متنامٍ يعكس انتقاله من مرحلة التأسيس الداخلي إلى مرحلة الانخراط الإقليمي والدولي هذا المسار عزز صورة الإقليم كعامل استقرار في بيئة إقليمية معقدة وكطرف يعتمد الحوار في إدارة القضايا الحساسة.

انتفاضة آذار ليست مجرد ذكرى تاريخية بل لحظة تأسيسية أعادت تعريف العلاقة بين الكرامة والسياسة وبين التضحيات وبناء المؤسسات هي امتداد لمسار بدأ قبل سيفر ولوزان ومرّ بمدارس نضالية وتحمل مأساة الأنفال وحلبجة وصولاً إلى ترسيخ تجربة سياسية قائمة اليوم ضمن إطار دستوري هذه المناسبة رسالة واضحة لكل أبناء كوردستان في أي مكان وزمان بأن الوحدة والعمل المؤسسي هما أساس المستقبل وأن الكرامة لا تُحمى إلا عبر المؤسسات والشراكة وهي في الوقت ذاته رسالة إلى كل المكونات العراقية عرباً وكورداً وتركماناً سنةً وشيعةً ومختلف الديانات أن الاستقرار الذي تحقق لم يكن صدفة بل نتيجة مسار طويل من التضحيات والتفاهم المشترك. من عاش الأنفال يدرك قيمة الأمان. ومن عاش النزوح يدرك قيمة الاستقرار. ومن عاش الانتفاضة يدرك أن الوحدة هي الطريق إلى برّ الأمان.

إن تماسك الشعوب ووحدتها هما الضمانة الأسمى لخلود منجزاتها في وجدان التاريخ. وكوردستان اليوم تقدم نموذجاً ملهماً في تحويل التجربة من حماية الوجود إلى بناء المؤسسات، ومن شموخ الجبال إلى أفق الدولة ومن التضحية إلى رحاب الشراكة فبناء المؤسسات هو التعبير الأرقى عن الكرامة، وهو الطريق الذي يجعل الاستقرار واقعاً للجميع وفي هذا السياق يبقى حق شعب كوردستان في تقرير مصيره والوصول إلى استحقاق الدولة حقاً طبيعياً وقانونياً كشأن كافة الشعوب الحية وهو طموح يمضي بخطى واثقة نحو اللحظة التاريخية والموضوعية المناسبة ليضيف لبنةً جديدة في صرح السلام والاستقرار الإقليمي.

تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

___

علي فاهم: العراق يسقط بالضربة القاضية

Lalish Duhok

اسعد عبد الله عبد علي: وهل يصلح اللص ما أفسده الدهر ؟

Lalish Duhok

جلال شييخ علي : هل للسيادة أجزاء تحفظ وأخرى تهمل ؟؟؟

Lalish Duhok