من الذاكرة ….(6)
يضحك المجنون على العاقل في زمن الازمات
كنت واقفاً في الشارع العام في الكاظمية ببغداد وكانت الساعة تشير الى الواحدة بعد الظهر تقريباً من شهر تموز في سنة 1995 ، كان الطقس (يهلهل) من الحر، فأردت أن أوقف سيارة الاجرة (تاكسي) لكي أصل إلى منطقة العلاوي في بغداد، مرت فترة طويلة ولم تقف أية سيارة والسبب لأنهم كانوا يأتون من جهة تكريت وسامراء وبلد محملين بالركاب.
شاهدت مجيء رجل ضخم ذو شعر كثيف يمشي على الأقدام حافياً، وحينما وصل قربي ألقى السلام علي، وبعد عبوره بخطوتين عاد الي وقال: لدي سؤال أخي الأفندي (لأني كنت مرتدياً الملابس المدنية للموظفين ولست لابساً العقال أو اليشماغ).
فقلت: نعم تفضل أخي.. (وبصراحة شعرت بالخوف منه، ولم يكن يوجد أي بني أدم في الشارع فإذا هجم علي بإمكانه قتلي خنقاً أو ضرباً، لكونه ضخم الحجم، فبعدما اجتازني حمدت الله أنه عبر دون أن يؤذيني، لكن عند رجوعه لم يبقَ لدي إلا الاستسلام والإجابة على أسئلته)
فقال: إني أرى الناس مجانين لكن الناس يقولون عني مجنون، فهل أنا مجنون أم الناس مجانين..؟
قلت: لا أخي لا، حاشاك من الجنون.
فقال: لكني سأقول لك كيف أرى الناس مجانين، أرى الإنسان يتشاجر مع أخيه، والابن مع الاب والام، وأبناء المحلة بعضهم مع البعض الأخر من اجل أشياء تافهة، أو من اجل الحصول على بعض الأرزاق البسيطة، ويتراكض الرجال من اجل حليب الأطفال، لان زوجاتهم تحاسبهم (في تلك السنين كان الحصار يخنق العراقيين، وكانت المعيشة صعبة، مع عدم توفر فرص للعمل)، ثم أكمل الرجل حديثه: أما أنا فلا ابالي أو أهتم لأي شيء، في ظل أية شجرة أتمدد تحتها، واي مطعم يعجبني أطلب منه الاكل، فبربك قل لي هل أنا مجنون أم الناس مجانين؟ بالرغم من ذلك فإنني اخدم الإنسانية وإنني إذا ما رأيت أية كمية من الأوساخ احملها وأضعها في المكان المخصص لها ..(وكان يحمل معه كيساً كبيراً)…! فضحكت وقلت: نعم يا أخي، أصبحنا مجانين المعيشة والظروف القاسية التي نمر بها منذ عدة سنين وإلى يومنا هذا، ستجعل من العراقي يركض خلف معيشته كالمجنون.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

