ناجية ايزدية من قبضة داعش تروي قصتها لـ(باسنيوز): الدواعش أكثر الناس تجردا من القيم والأخلاق
مصير عائلتها مازال مجهولا
رسالة الشركاني ـ باسنيوز: امرأة ايزيديه ناجية من قبضة تنظيم (داعش) تروي قصتها عندما هاجم مسلحي التنظيم منطقتهم, وبالذات قريتهم كوجو(جنوب شنكال). ومن منا لم يسمع بمذبحة قرية كوجو في 15 أغسطس/آب 2014, المذبحة التي راح ضحيتها المئات من المدنيين من رجال وشباب القرية, وفي مقدمتهم كبير القرية أحمدى جاسو الشخصية الشنكالية المعروفة.
دفعت قرية كوجو ضريبة مقاومة أبنائها لغزو الارهابيين وتشبثهم بكورديتهم وايزيديتهم، كما دفعت القرية ضريبة غدرالعشائر العربية المجاورة لهم والتي نسيت في لحظة, عشرات السنين من الجيرة والتعايش السلمي واحترام الايزيديين لهم، فوقفوا مع داعش وغدروا بهم ، وسهّلوا للإرهابيين إحتلال المنطقة وقتل الرجال وسبي النساء الايزديات.
وتقول (ش ح س) :”في البداية قال لنا الغزاة ابقوا في بيوتكم وارفعوا الاعلام البيضاء ولا تخافوا، فلن يقترب منكم أحد، كما طلبوا منا أن نعلن إسلامنا لضمان سلامتنا”. مضيفة” فخوفا منهم ومن بطشهم استسلمنا لامرهم, لكن سرعان ما تراجعوا عن وعودهم التي قطعوها لنا عند إشهارنا اسلامنا، فقاموا بجمعنا رجالا ونساءا وأطفالا وشيوخ في بناية مدرسه القريه (قريه كوجو)”. وتصف هذه السيدة تلك اللحظات بالقول”كنا وأطفالنا خائفين جداً من المجهول, وما يمكن لهؤلاء الوحوش أن يفعلوه بنا، وفعلا قاموا بفصل النساء عن الرجال, وأبقوا الاطفال مع امهاتهم أو أخواتهم لان بعض النساء كن قد قتلن, وبينما ننتظر مصيرنا المجهول ونحن نواسي بعضنا البعض، أخذوا رجالنا ولم نرى أحدا منهم لحد اللحظة”.
وتتابع هذه السيدة الايزيدية الناجية سرد قصتها بالقول”بعد وقت قصير سمعنا دوي إطلاق نار كثيف خارج المدرسة مرتين، فظننا بأن هذه الرصاصات تقتل رجالنا، وظننا كان في محله للأسف, فقد أجهزوا على جميع من كانوا في القريه من الرجال وقتلوهم رميا بالرصاص, وهنا كان موتنا الاول بعد ان تيقنا أنها كانت عملية إعدام جماعي بالرصاص”.
وتضيف هذه السيدة الناجية ” بعد الانتهاء من القتل الجماعي للرجال، عادوا مرة اخرى لعزل الفتيات الصغيرات والمراهقات والغير متزوجات, وقاموا بآخذهن لمكان نجهله لحد الآن، بقينا نواجه أصعب ماقد يشعر به الانسان حتى غروب الشمس بعد ان جاءوا مرة ثالثة وأخبرونا انهم سينقلوننا الى مكان أخر. وفعلا مع غروب الشمس، أتوا بسياراتهم وقاموا بنقلنا على دفعات الى قرية سولاغ (جنوب شنكال) “.
بقينا ليلة بمنزل مهجور في سولاغ، وعند حلول الظلام جاءوا وأخذوا بعض النساء أيضا ودفعة أخرى من الشابات، حيث أخذوهن الى تلعفر. وقالوا بأنهم سيأخذون النساء المسنين الى مكان يتوفر فيه التبريد ومكيفات الهواء، أخذوهم الى المكان الذي كنا فيه، لا نعلم ماذا حل بهم “.
وعندما سألتها عن أخبار زوجها؟، قالت، “زوجي واسمه (ح . ح) مازال مصيره مجهولاً، حاله حال بقية رجال قرية كوجو، لا أعرف شيئا عن أخباره, نمنا لليلة في سولاغ وفي الليلة التالية، جاءوا بالباصات واجبرونا على الركوب وأخذونا الى مدينة تلعفر(قريبة من شنكال).
وبعد قضاء خمسة عشر يوما من العذاب والألم والاهانات التي كنا نتعرض لها ومشاهد أخذ الفتيات ليلا من قبل أمراء الإرهابيين والشتائم والاهانات اللفظية بحق الكورد والايزيديين، أخذونا الى قريتي كسر المحراب وقزل قيو (قريتين مهجورتين من قبل أهاليهما كونهم من التركمان الشيعة)، حيث بقينا لخمسة أشهر في هاتين القريتين”.
سألتها وماذا عن الأشهر الخمس التي قضيتموها في القرية؟ فقالت (ش) وهي تنهمر بالبكاء،” أرجو أن تصدقينني وأرجو أن تنقلي هذا لكل مواطن كوردي وايزيدي وكل انسان في العالم: ما رأيناه من هؤلاء الارهابيين من قسوة وبطش، لم يرى احد مثلها في العالم،وأقولها بكل صراحة، من ينسى تلك الإهانات التي تعرض لها الكورد والايزيديين, فلا هو كوردي ولا ايزيدي”.
وأردفت (ش) بالقول:” في أحد الأيام قاموا بجمعنا وأخذنا الى الموصل، وضعونا في قاعة تسمى (غالاكسي)، في تلك القاعة جمعوا النساء اللواتي ليس معهن رجال وأخذوهن الى سوريا على دفعات، فكنت من بينهن، بقيت في سوريا أربعة أشهر، هناك بقينا في بناية تشبه مدرسة كبيرة بمدينة الرقة، وكان معي أطفالي الثلاثة”.
وروت الناجية (ش) لـ(باسنيوز) عن الفترة التي قضتها في تلك المدرسة في الرقة وقالت:” كنت حاملا بولدي الصغير خلال هذه المدة، وكوني حاملا فأتوسل إليهم مراعاة ظروفي وحالتي ولكن دون جدوى، لا وجود للرحمة في قلب اي داعشي, ولا حتى ذرة من الانسانية. كان عددنا مئة وأربعون فردا، جاءوا بالسيارات وأجبرونا على ركوبها على دفعات، و في دفعتي أخذونا مع ثلاثة نساء أخريات الى مقرهم في مدينة الشدادي السورية، بقيت لثلاثة أشهر في ذلك المقر، كنا نقضي أيام بكاملها بدون ماء وطعام، وأطفالنا يبكون من شدة الجوع والعطش، كانوا يرفضون ان يسقونا الماء ويقولون لنا بأنكم كفرة. وكان شرطهم الوحيد هو أن ندخل بيوتهم أو نتزوج من المسلمين, مع أننا كنا نصلي ونتظاهر بالإسلام الذي أعلناه سابقا في قريتنا.
في ذلك المقر لم نكن نفعل شيئاً، بل كنا معروضات للبيع، أخذوا منا أثنتان، بقيت مع إمرأة في السبعين من العمر، ولم يرضى أحد شراءنا، كان لديهم عدة مقرات، كل شيخ كان يشتري ما يقارب عشرين إمرأة ويوزعهن على مقاتليه، ذلك الشيخ كان يعطي لكل فرد منَا عشرة دولارات، لكن عناصر المقر كانوا يأخذونه منّا ، لم نكن نريد شيئا وهمنا الوحيد أن لا يبقى أطفالنا جائعين، كانت تلك المقرات خاصة لعرض السبايا وبيعهن ويسمونه مقر السبايا، كانوا أحيانا يطلبون منا أن نقوم بتنظيف المقر، في تلك الأيام كان يعطى لأطفالنا الطعام مقابل عملنا عندهم، والعمل لم يكن متوفراً كل يوم، على الأغلب كل عشرة أيام، ولم يكن يسمح لنا بأن يرافقنا غير طفل واحد .
خلال هذه المدة كانوا يقومون بتصويرنا وتوزيع الصور على مقراتهم, بهدف عرضنا للبيع. اشتراني شخص من قرية (جرييا) التابعة لمدينة الميادين السورية، بقيت عنده مدة عشرين يوما، كانت هناك إمرأة تتردد على المنزل فكنت أطلب منها الموبايل للاتصال مع أهلي، فرفضت أعطائي وكانت تقول بانها تخاف على نفسها من اكتشافها بانها قد قامت بمساعدتي .
وسألت (ش) عن السوق الذي كان يباع ويشترى فيها النساء الكورد، فقالت ان “أسعارنا كانت تصل أحيانا الى خمسة ملايين دينار عراقي، اذا كانت الفتاة جميلة. وكان الفرق بالسعر اذا كانت لوحدها، أو اذا كانت مع أطفال فذلك كان يؤثر على قيمة السعر. فكانت هناك إمرأة كبيرة بالعمر يسخرون منها ويقولون بأن لا أحد يشتريها بمئة ألف دينار ما يعادل(80دولارا)، والاخر كان يقول بأنها لا تساوي أربعة علب بيرة”. فتفاجئت بالكلمة وسألتها البيرة؟ فردت” نعم ومالعجب في ذلك؟ أكثريتهم كانوا يشربون ليلا في السر ويتعاطون المخدرات، لو تبحث في العالم كله وتنبش في تاريخ البشرية كلها لن تلقى أنذل من الدواعش .. هم أكثر الناس تجرداً من القيم والأخلاق”.
سألتها،ألم تحاولي الهرب قط؟, فأجابت :”التي تحاول الهرب ولا تنجح فتنال عذابا كبيرا على يدهم، سمعت من فتاة بأن صديقاتها هربن ولم تكن تعلم بأمرهن، فقاموا بضربها بخراطيم الماء البلاستيكية حتى أن جلدها أخذ يسود جراء الضرب ، اسمها (أ.س) وكانت من قرية (….) عمرها أربعة عشر سنة, وهي مازالت أسيرة في سوريا، قالت وهي تروي لي قصتها بأنهم أرادوا تعليقها بالسقف، لم تتناول أي شيء لمدة ثلاثة أيام، وقد رأيت بأم عيني البقع السوداء والصلع على رأسها من جراء الضرب”.
وأضافت الناجية:” لقد رأيت العذاب على يدهم، لم يكن يسمحون لنا بالاستحمام، اخذ القمل يظهر في شعر رأس أطفالنا ..أثناء ولادتي لابني كنت في أحدى المقرات بمدينة الشدادي، كنت محاطة بنسائنا الايزيديات الأسيرات معي، لقد مدوا لي يد المساعدة وتمكنت من الولادة في المقر ولم يأخذني أحد الى المستشفى. طلبت منهم أن يأخذوني الى المستشفى لكنهم رفضوا وقالوا بأن الحراس غير موجودين والأبواب مقفلة ولا نستطيع أخراجك من هنا, والمفتاح كان موجوداً في يد شخص واحد وهو حارسنا الذي وعدنا قبل أيام بأنه سيأتي بالممرضات أثناء الولادة, وكعادة كل الدواعش لم يفي بوعده وعندما سأل عنه النساء يوم الولادة, قيل لهن بأنه غير موجود في المقر”.
وعن مصير عائلتها الكبيرة المكونة كما قالت (ش) من أربعين فردا، قالت:” لا علم لي بما حصل معهم جميعاً، وهم جميعا في معتقلات داعش أو قتلى على يدهم, فقط زوجة شقيق زوجي وبناتها أيضا وصلوا منذ ايام, والبقية لا نعلم عنهم شيئا. أخي وشخص أخر من قريتنا هم من دفعوا الفدية التي طلبوها وشقيقي الآن في الجبهة للقتال ضدهم, ووضعنا هنا صعب في المخيمات ونعيش الحرمان والعوز الشديدين”.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
