قصص من جينوسايد شنكال …… (138)
الباحث/ داود مراد ختاري
دخيل مراد حمل والدته العجوز على ظهره لمدة يومين في الجبل.
كنا في قريتنا صولاغ / شرق مركز شنكال يوم 3/8/2014 .. وشاهدنا الهروب الجماعي لمجمع تل قصب نحو الجبل وأكثر السيارات المحملة بالعوائل تجمعت في قريتنا، حشرت والدتي رغم مرضها واصاباتها بكسر في قدمها قبل الفرمان في علبة احدى السيارات المتجهة بالعوائل الى قرية المهركان وسرت مع الرجال المتجهين نحو الجبل حاملا اياها على ظهري لحين وصولنا الى (جوتكين سلافكه ها ) في القراج، تلقى أحد زملاءنا (ابن صالح) مكالمة، يطلب منه بالعودة الى القرية لسحب السيارة والجرارة (تركتر) الى قرية المهركان، حاولنا اقناعه بعدم العودة الى القرية لان العدو قد وصل اليها لكنه لم يصغى الينا، وأخذ معه اثنان من أقرباءه، وعند العودة القي القبض عليهم مع العوائل.
ويقول / دخيل مراد فقير منت / مواليد صولاغ / 1975 معاق فاقد عين له :
بقينا يومان عند بئر مهركان، هلكنا الجوع، كان من الصعب الحصول على قطرات من ماء البئر لكثرة الازدحام، هربت الناس نحو منطقة جل ميران في أعلى الجبل، ولم أملك دابة أو أية وسيلة أخرى لحمل والدتي المصابة بكسر القدم.
ـ سأبقى هنا لا استطع المشي بتاتاً.
ـ سأحملك على ظهري ونسير مع الناس الفارين للجبل .
ـ لا يا بني … أنا ثقيلة الوزن .. لا تستطع حملي.
ـ لا يمكن أن أتركك هنا وحيدة .
ـ أنا عجوز ومصابة ..لا أعتقد ان العدو سيعاملني بسوء.
ـ العدو لا يرحم أحد، هؤلاء وحوش العصر.
ـ لو كنا في أرض منبسطة لتمكنت من حملي وانقاذي، لكن هنا نحن في صعود الجبل، ستموت عند حملي اثناء الصعود.
ـ توكلي على الله، أحنيت لها ظهري.
صعدنا الجبل سالكين منعطفات و منحدرات صعبة، كانت ثقيلة الوزن .. وعانيت من صعوبة بالتنفس عند الصعود، أنزلها بين الحين والحين للأرض لدقيقتين كي استريح واعاود حملها جديد.. وبين مسافة كيلو متر وأخرى، تساعدني زوجة شقيقي في رفعها الى ظهري.
واجهتنا مشكلة العطش، كنا في صعود.. الخوف تملكنا من العدو الذي خلفنا، لكن الناس كانوا يعطفون علينا ويسقونا الماء عندما يشاهدوني أحمل والدتي على ظهري، وكان معنا اربعة أشقاء شباب يحملون والدتهم بسدية للموتى ويسيرون معنا أيضاُ.
حينما وصلنا الى بئر عنز / كولي بوكو ـ شاهدت الناس يحملون الماء منها وتبين ان شاباً في اسفل البئر ويحمل الماء اليهم بواسطة (الدلو) وسألته منذ متى وأنت في أسفل البئر فأردف قائلاً : منذ عدة ساعات وأحمل الماء للعطشى وسأبقى الى الليل هنا، شجعته وشكرته على ما يقدمه من مساعدة للعطشى ممن يواجهون خطر الموت والفناء.
في الطريق طلبت مني ان اشعل لها سيكارة كي تدخن لكن لم تكن معي علبة سكائري ولا كيس التبغ، أجلستها في مكان، بدأت أبحث عن سيكارة لها من المارة، وبعد الانتهاء من التدخين حملتها مرة أخرى.
وصلنا الى وادي (كيلوخ) كان هناك عمي (بركات فقير منت) شقيق قوال منت، بقينا يومين، بعدها رأينا الناس يتوجهون نحو الحدود السورية، فقال عمي بركات:
ـ لنذهب مع الناس
ـ قلت له : ان حملي هو والدتي سأحملها على ظهري مرة أخرى ونتوكل على الله.
نزلنا من الجبل، وعندما وصلنا الى منطقة بين خانصور و دوكري.. شاهدت بستان .. وضعت الوالدة جانباً وبحثت عن الفواكه والخضار، اسعفتنا في استكمال بقية الطريق بمعية (الياس خديدة شرو) أيضاً يحمل والده العجوز.
وكل من كان يمر بنا يدعوا لنا لأننا نحمل والدينا على ظهورنا ونسعى لإنقاذهم في هذا الوضع العصيب.
وتقول والدته (نعام علي شمو) مواليد 1925:
ـ حملني ابني مشكورا على ظهره يوم كامل في البداية عند صعود الجبل، كذلك بعد أيام عند النزول منه الى حدود سوريا في بكاء مستمر على ما أصيب به أهل شنكال المسالمين وعدم معرفتي بمصير بقية أفراد العائلة وافكر بطول الطريق والخطورة التي تواجهنا .
عمي / قوال منت جردو / كان غاضباً في الساعات الاولى لاحتلال العدو منطقة شنكال، أراد الانتحار في البداية، رفض خروج عائلته من الدار في قرية صولاغ / لكننا توسلنا به وأخرجناها معنا ، وبقى هو في الدار، قال لنا بعض المقاتلين لقد شاهدناه وهو يقاتل الدواعش دون خوف أو تردد واستطاع أن يقتل إثنان من الدواعش، لكن أحد القناصين أصابه في جبينه واستشهد في الحال .
حاولت مع ابنه شرف قوال، انقاذ جثته بعد مرور أيام على استشهاده، لكن الدواعش كانوا بالقرب من الجثة، وفي اليوم التالي حاولنا مرة أخرى، وفي الطريق التقينا مع مجموعة من مقاتلي الجبل، نصحونا بعدم التقرب من هذه المنطقة لانهم يمتلكون قناصين يمكنهم استهدافنا من بعيد ولن نستطيع إنقاذ الجثة، بعد مرور أكثر من شهر تسلل ابنه مع عدد من رفاقه المقاتلين في الجبل الى مكان الحادث، عثروا على هويته (بطاقة الاحوال الشخصية ) فقط ، ويبدو انهم قد دفنوا الجثة في مكان مجهول.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
