حوارات حقيقية من جينوسايد الإيزيدية (6)
الباحث/ داود مراد ختاري
حوار بين مختطفة ومالكها يود الانتحار ..
مصيبتنا لم نكن نمتلك سيارة، زوجي كان بقالاً، حملت اطفالي مع شقيق زوجي في الساعة السادسة صباحاً من يوم 3-8-2014 وركب زوجي بإحدى السيارات ووصل الى مزار شيخ مند في الجبل، ولكن حينما علم بقينا في مجمع كر عزير عاد الينا ثانيةً فخرجنا معاُ.
وقالت (ل . م / عمرها 26 سنة) : في الساعة التاسعة صباحا القي القبض علينا مقابل مزرعة (محمود خرو) شمالاً تفصلها الشارع/ شمال المجمع، كان مجموعنا (25) رجل مع (70) امرأة وطفل، جردونا من المال والذهب والهواتف النقالة، رأيت العدو يرمي الرجال بالعيارات النارية لمسدس بعد ان اصطفوهم .. قتلوهم جميعاً ..كان من بينهم زوجي و(صهرنا/ خلف غريبو وصهره /محو الياس/ فقير من ال حمو كان صديق زوجي/ مجيد جارنا/ فقير المعمر) المصيبة انهم كانوا فقط (4) رجال مسلحين، لكن رجالنا كانوا (25) غير مسلحين، لو كانوا يمتلكون بندقية واحدة لما استطاع العدو التقرب منهم.
تعالت صرخات النساء حينما رأينا أنهم يقتلون رجالنا أمام انظارنا، بعدها ركضنا نحو الجثث، حاولت التقرب من جثة زوجي، رموا الاطلاقات بين أرجلنا، ومنعونا من الوصول اليهم .
وبالقرب من الوردية رأيت (25) جثة على الساتر الترابي.
حولونا الى سيبا شيخدر رأينا تقريبا (450) جثة في الشوارع للضحايا من مختلف الاعمار .. كان من بينهم أطفال ايضاً، بالقرب من مركز الشرطة (40) جثة وبقية الجثث متروكة في الشوارع وهي خالية من البشر.. فقط سيارات الدواعش تجوب الطرقات، لم نستطع البقاء من رائحة القتلى ..هلكنا من العطش، نقلونا بعد ثلاث ساعات الى كر زرك.. كسروا اقفال المحلات التجارية ورأيتهم فتحوا محل شقيقي ونهبوها، جلبوا لنا الماء فلم تطاوعني نفسي ان اشرب من ماء محل شقيقي.
وعندما وصلنا بعاج بدأت سيارات الدواعش تجوب بنا في شوارع المدينة والنساء يزغردن مهلهلات من الفرح.
عندما ترجلنا من السيارات عند نقطة السيطرة، جاءت (7) نساء عربيات محملات بالحلويات (جكليت) يزغردن وينثرنها علينا كأننا في عرس حقيقي، ثم نقلونا في نفس اليوم الى مدينة شنكال، رأينا الجثث في الشوارع أيضاً، بعد التجوال بالسيارات في المدينة لمدة ثلاث ساعات نقلونا الى الموصل لمدة (15) يوم وتلعفر(20) يوم ثم الى كسر المحراب (45) يوماً (عندما دخلنا الى كسر المحراب عثرنا على الموبايلات واتصلنا بالأهل، ثم بعدها لم استطع الاتصال لمدة سنة كاملة) والى الرقة (15) يوماً وخلال هذه المدة كنت قد ربطت وسادة (مخدة) على بطني، فكلما يشاهدوني حامل يتركوني، لكن اكتشفوا حيلتي بعد مرور (15) يوما في الرقة.
ثم بدأت النسوة بوضع السخم في وجوههن، كي يتركن، وذات مرة كشف أمر (4) فتيات تظاهرن بالجنون، فنالهن الضرب والجلد.
ذات يوم اتصلت بشقيقي حينها علمت بان أطفالي هم في أمان، طلب مني معرفة مصير زوجي، لكن لم أقل له الحقيقة باني قد شاهدته مقتولاً، لكن من كثرت التفكير به، جاءني في الحلم ثلاث مرات وطالب مني ان ابلغ بوفاته، لذا أجبرت على ان ابوح بالسر الذي اخفيته .
بعد شهر نقلونا (14) امرأة وفتاة الى منطقة (القسطل الجنوبي) في سوريا، أخذ مني الطفل الذي كنت احمله، وغزال بنت قريتي كانت تحمل على صدرها (طفلة جميلة) جاء داعشي وأخذها منها فقاومته، لم ينفع الضرب معها .. فأخرج سكين من جيبه وقطع جدائلها من جذورها وهي تصرخ وتمانعه من قطع الجدائل، وبقية زملاءه يضحكون و يستهزؤون.
وبعدها بدأوا يلعبون بتلك الجدائل الطويلة جداً مستهزئين بجدائل نساء الجبل، وقالوا : لماذا توجد الجمال والكفر معاً في الجبال ؟ حتى الكورد يمتلكون الجمال ومازالوا لم يؤمنوا ايماناً حقيقياً بالدين الاسلامي بل جميع عاداتهم وممارساتهم مخالفة للإسلام ومتبعة نحو كفرهم وضلال أجدادهم .
بعد اربعة أشهر في القسطل نقلونا الى مدينة منبج السورية، في الايام الاولى نلت من التعذيب ما يكفي، لم استطع الحركة لأربعة أيام من وجع الظهر، نتيجة التعذيب ، وبقيت سنة كاملة في هذه الحالة لأني كنت أرفض طلباته، علما كان متزوجاً من امرأتين، في البداية توسلت بزوجته الكبيرة كي تساعدني لكنها طردتني بكلمات بذيئة أما الصغيرة في البداية كانت تعاملني بالإحسان لأنها كانت تود أن أرفض طلبات زوجها، لكن نتيجة الحاح الكبيرة بان تعاملني بسوء المعاملة، أصبحت هي الاخرى ضدي، وفي كل يوم يقدمان شكوى ضدي منها (انها تكفر بديننا، تود الهروب، لا تصلي معنا في الوقت المحدد، سأتحدى برفض طلبات زوجكما، تحاول سرقة الموبايل منا كي تتصل مع أهلها الكفار .. الخ).
خلال فترة تواجدي في البيت، نلت من التعذيب اليومي مالم تنال اي امرأة في العالم هكذا، بـ (الرفس، اللكمات، الكيبلات، العصي) وذات مرة ضربني برفسة قوية على بطني، وكان لابساً (بسطال) فقدت الوعي في الحال ونزفت الدم لأيام متتالية.
انتحرت زميلتنا ـ زريفة – في مدينة القسطل ((في نهاية القصة سأكتب عن الشهيدة زريفة…. الختاري)).
انتحرت منيفة من كوجو ـ حجين اخت انتحارية من كوجو
باعني الى سعودي ثم انتحر، جاءني في المساء قائلاَ :
ـ أريد أن تأتين معي سوف أفجر نفسي .
ـ لماذا تطلب مني هذا الطلب.
ـ أريد حضور كل زملائي وانت سبيتي .
ـ هل هي حفلة ؟
ـ نعم حفلة وداعي الى ما أريد الوصول اليه، أي ما أتمناه.
ـ بماذا ستفجر نفسك؟
ـ هيئوا لي سيارة وسوف أذهب بها الى نقطة للعدو وأفجر السيارة بهم .
ـ حينها لا نرى كيف استشهدت .
ـ سترون دخان انفجار السيارة، وحينها تتناثر اشلائي وستصعد الروح الى السماء.
ـ انت في عز شبابك، لماذا الانتحار؟.
ـ انت ما زلت تؤمنين بعقلية الكفار الذين لا يطمحون في جنة الله ورؤية رسول الله.
ـ هل تعتقد بالانتحار ستصل الى مبتغاك؟
ـ حينما تصعد الروح الى السماء، ستستقبل من قبل رسول الله ويرحب بها ثم يتناول معه وجبة أكل ربانية.
ـ وماذا بعد من امتيازات ؟
ـ امتيازات لا تعد ولا تحصى .
ـ مثل ما ذا؟
ـ الدخول الى الجنة وستبقى الروح خالدة الى الأبد؟
ـ لكني أرى مبتغاكم هو الجنس قبل كل شيء؟
ـ كل مسلم يدخل الجنة حصته (70) حورية، وبإمكانه ممارسة الجنس مع الجميع في اليوم الواحد.
ـ هل يعقل هكذا ؟
ـ كيف لا ، هذه هبة من الله لهذه الروح، والكفار من أمثالكِ لا يصدقون.
ـ طبعاً الكفار لا يصدقون، لديهم عقل وانتم مقاتلي الدواعش بلا عقل.
ـ وازيدك علماً بان في الجنة هناك أنهر من الخمر الرباني وانواع الفواكه والفيافي .
ـ غريب كل هذا موجود في جنتكم (حوريات وانهر الخمر والفيافي) وتحرمونه في الدنيا؟!.
ـ نعم لهذا لا نود العيش في الدنيا بل نود الرحيل الى الاخرة.
ـ ما زلت في مقتبل العمر، الم تستعجل في الرحيل.
ـ غداً صباحاً لي موعداً مع الاستشهاد في الساعة السادسة.
ـ ومتى ستخرج من الدار ؟
ـ في الساعة الخامسة فجراً.
ـ اودعك بالسلامة الى الجنة .
ـ لكن أريد منك الحضور ولو بمسافة بعيدة عني وتراني حينما أفجر نفسي كي تزغردين وتهلهلين .
ـ أكرر كلامي … هل هو عرس كي أزغرد ؟!!!
ـ نعم هو عرسي الحقيقي بنقل الروح من الدنيا الفانية الى الدنيا الباقية.
ـ خرج في الخامسة وفتح الباب على مصرعيه لفرحته بعملية الانتحار، لذا سنح لي المجال بالخروج من بعده، وتجولت في المدينة الى المساء، لكن جهلي بالمدينة والخوف من القاء القبض علي كنت في تجوال مستمر، حتى انهك قواي وتورمت قدماي فجلست أرضاً ، جاء رجل مدني وسألني:
ـ ما بك يا اختي ؟
ـ أتوسل اليك أن تساعدني لأني بحاجة الى تعاونك؟
ـ ما بك ؟…
ـ أنا هاربة من الجحيم (أدرك باني ايزيدية وأصبحت سبية) وبكيت.
ـ بكى على حالي .
ـ هل بالإمكان أن تساعدني ؟
ـ بكل تأكيد !!
ـ اوصلني الى حديقة عامة وجلب لي الطعام والشراب.
ـ ابقي هنا الى الساعة الثامنة مساءً، سأحاول بشتى الوسائل انقاذك من هذا الجحيم، ولكن اذا تأخرت الى ما بعد الساعة الثامنة مساءً ارحلي .
ـ لماذا لا أبقى في انتظارك ما بعد الساعة الثامنة ؟
ـ سأبحث عن وسيلة لإنقاذك، وسيتبين الى الساعة الثامنة.
ثم جاءت سيارة تبحث عني وتنادي (ليلى سلمي نفسك)، ادركت بانهم يبحثون عني فخرجت من الحديقة، وفي الساعة الثامنة والنصف وقفت سيارته أمامي وصعدت، أوصلني الى دار فيها رجل وامرأة عجوز وبقيت سبعة أيام، واتصلت بالأهل، ثم حولوني الى مدينة الرقة وسلمني الى مهرب وبعد الاتفاق على المبلغ مع شقيقي، صعدت خلفه على الدراجة البخارية، عبر البساتين والمحاصيل الزراعية بين التلال والصخور، وقعنا عدة مرات من على الدراجة وانقذنا الله يوم 12-4-2016
…………..
أما عن استشهاد (زريفة قاسم دلكي) ..
دافعت عن عفتها فاستقبلتها ملائكة السماء.
ان بذل الروح في سبيل الشرف والحفاظ عليه هو أسمى ما في الوجود، فدفاع الفتاة عن نفسها وحفظها لعرفتها واصرارها على عدم الرضوخ والانكسار كما فعلت زريف التي فقدت روحها وهي تقاوم الوحوش من الدواعش . الذين استباحوا شنكال في 3-8- 2014.. كانت عائلة قاسم خلف محما الدلكي مكونة من (8) أفراد يسكنون دارٍ في مزرعتهم الخاصة في قرية كاني ساركا / كر حلان جنوب قضاء شنكال 3 كم فقط .
خرجت العائلة من القرية للوصول الى الجبل في الساعة السابعة صباحاً بسيارتين، واراد ابنهم (علي مواليد 1990) انقاذ ساحبته الزراعية أيضا، فوصل بها الى عين (كفرىَ) في الجبل واتصل بهم في الساعة الثامنة صباحاً، فعلم بان العائلة أصبحت مختطفة لدى الدواعش.
ثم نقلت العائلة بين حين وآخر لعدة مناطق (بعاج، تلعفر، الموصل، تل بنات، كوجو).
وقالت الناجية (نعام محكو علو / مواليد 1914) وهي والدة (قاسم خلف) : لقد تعرضت العائلة الى التعذيب الجسدي والنفسي والانفكاك القسري، خلال تواجدنا لدى الدولة الاسلامية الظالمة .
وخلال مقابلتي مع الناجية (ليلى ـ زميلتها عندما كانت مختطفة) قالت : حدثت انتهاكات لحقوق الفتيات منذ اعتقالهن، كانت زميلتنا الشجاعة (زريفة قاسم خلف محما الدلكي / فتاة من مواليد 1992) تلقي على المختطفات في السجن دروساً كل يوم حول تعاليم الديانة الايزيدية من خلال النصوص الدينية وتعلمنا كيف تحمل ابناء الديانة العديد من حملات الإبادة، وتطلب الصبر من جميع الزميلات، لان الله مع المظلوم وليس مع الظالم .. كانت بمثابة أم للجميع بالرغم من صغر سنها وتبتهل الى الله بالدعاء كل صباح ومساء من أجل انهاء معاناة زميلاتها . وأضافت (ليلى) : تعرضت (زريفة) كبقية زميلاتها إلى التعذيب الجسدي والنفسي لمرات عديدة خلال سجنها من قبل ارهابي الدواعش في الرقة، ثم وضعت في زنزانة انفرادية، وذلك بهدف ممارسة الضغط عليها لانهم علموا بانها تلقي الدروس الدينية على السجينات، كانت فتاة شجاعة، ذكية ومتدينة، كأنها ملاك من السماء، وتمتلك قلب أسد .. لا تهاب الموت، تتحدى الحراس وأمراءهم وتقول لهم بأن الله بريء منكم ومن أفعالكم الدنيئة، لقد دنستم أرض الله المبارك وشوهتم سمعة الله بنحر الرؤوس باسمه. وحينما أدركت (زريفة) بأنها ستكون من حصة إرهابي قذر، وستفقد شرفها وهي عاجزة عن الدفاع عنه ولتحصن نفسها وكي لا يتغلب عليها الفاسق الخبيث، حينها قررت فصل الروح عن الجسد في شهر حزيران 2015، فصعدت الروح الى العلى واستقبلتها ملائكة السماء، وقدمت شكواها الى الرب، بما يفعل حاملي فكر الصحراء بعباده الأبرياء.
هكذا هم الشهداء ـ جانكوري – يروون بدمائهم الزكية تراب الوطن فتمطر سماؤه بعبق الحرية وأنسام المجد ومعاني التضحية والفداء وتزهر الحياة حباً معطر بأريج التضحيات. فتيات كتبن بدمائهن التضحية على جبين المجد وأن بصماتهن تتحدى الفناء لأنهن سيبقن أحياء في ضمير الشرفاء وفي ضمير القوم ووجدانهم.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
