سبايا الخلافة… اغتصبني بحضور زوجته
رووداو – دهوك/ تبكي الجدة وتتوسل إلى الرجل المتين البنية الملتحي لكي لا يأخذ حفيدتها، لكنه يرد عليها بضحكة تبعث اليأس فيها. كانت إيمان تختبئ وراء جدتها منكفئة على نفسها على أمل أن تسفر توسلات جدتها عن شيء “حباً بالله لا تأخذ البنت… إنها صغيرة وعمرها عشر سنوات فقط”، يرد الرجل ذو الشعر الطويل والملابس السود بنبرة استهزاء: “وأنا آخذها حباً بالله”.
تقول إيمان إنها مازالت تفكر وتتساءل، هل يمكن أن يكون الله الذي أتوسل إليه هو نفس إله هذا المسلح: “كانت جدتي تبدو وكأنها تخاطب حجراً”.
كان عمرُ إيمان عشر سنوات عندما هاجم مسلحو داعش قريتها (حردان)، ورأت كيف أن أهالي القرية سارعوا إلى رفع الرايات البيض على أمل أن يؤدي ذلك إلى حفظهم من البطش: “لكنهم لم يلتزموا بكلمتهم وهاجمونا، أخذونا أنا وابنة عمي وأبناء عمي وجدتي وأخي، لكن أمي وأبي تمكنا من الهرب”.
نقلوهم إلى تلعفر، وكانت هناك مدرسة اسمها (الأزاهير)، كان فيها مئات البنات والنساء والأطفال الإزيديين، سبق أن أخذوا إليها ثم تم توزيعهم بعدها. في زاوية لم تكن تسمح بمد أرجلهم، اجتمعت مع جدتها وابنة عمها “كانت وجوه غريبة تأتي كل يوم ثم تذهب إلى لا رجعة، كان أصحابها يأتون ويأخذون الفتيات اللواتي يقع عليهن الاختيار، تعاهدنا مع ابنة عمي (سلوى) البالغة 12 سنة من العمر أن نفعل كل شيء، بما في ذلك الانتحار، على أن لا نستسلم لهم، لأننا كنا نعرف ماذا سيحل بنا عندما نقع في قبضتهم”.
مكياج، ولكن بالفحم
كانت إيمان وسلوى تختبئان كل يوم في زوايا ودهاليز لا تصدق هي كيف تمكنتا من الدخول فيها، لكن الخوف وحده يعرف الجواب على هذا السؤال “كنا أحياناً نتظاهر بالمرض، وكانت الفكرة الجديدة أن نسوّد وجوهنا بالفحم أو بالسخام المتجمع على القدور والأباريق، لكي نبدو قبيحتين”.
هناك مشاهد كثيرة لا تستطيع إيمان نسيانها، وتشير إلى واحد منها وتقول: “ذات يوم أمسكوا بيد بنت ليأخذوها، كانت طفلة وتقول إنها تريد البقاء مع أمها، لكنهم جروها من شعرها، يعلم الله أني شاهدت نصف شعر البنت يعلق بأيديهم وهم يجرّونها”.
كانت الطائرات تربك المسلحين كثيراً، لذا لم تكن إيمان وسائر البنات يشعرن بالكثير من الخوف في النهار، لكن القلق والخوف يتملكانهن مع حلول الليل، لأن الدواعش إما يأتون ويختارون عدداً من البنات ويذهبون، أو ينقلونهن إلى أماكن أخرى. بعد سماع دوي، ذات ليلة، سمعت إيمان جدتها تقول ليت هذه القذيفة أصابتنا نحن.
تمضي إيمان في حديثها: “المتبقيات كن من اللواتي لم يعجبنهم، بقينا في ذلك المكان فترة، ثم تعرض المكان للقصف من قبل الطائرات، كان المكان يجاور مسجداً. بعد القصف، فصلوا البنات عن النساء، فحاولت جدتي كل محاولة لمنع فصلنا أنا وسلوى عنها”، ونجحت على أية حال في إبقائهما إلى جوارها.
250 جلدة لطفل في الرابعة عشرة
يحمل أحد مسلحي داعش مكبرة صوت في يده ويدعو سكان قرية (كسر المحراب) إلى التجمع في الساحة الترابية التي كان أطفال القرية يلعبون بكرة القدم فيها قبل مجيء داعش. كان التجمع لحضور تقليد متبع عند مسلحي داعش. ستتم معاقبة أحدهم بسبب ارتكابه مخالفة. المعاقَب هو (أحمد) ابن عم إيمان، طفل يافع في الرابعة عشرة، جيء به مكبل اليدين والرجلين يسوقه المسلحون إلى الساحة: “أخذوا أحمد إلى هناك وجردوه من ملابسه، كان ذنبه هو مخالفة أحد تعاليمهم”.
كلما أصاب سوط جسد أحمد انتفضت إيمان كما ينتفض الرضيع من نومته فزعاً، عدّت 250 جلدة “لم أر في حياتي شخصاً شجاعاً صبوراً كأحمد. كان يتراءى لي كجبل سنجار، لم ينبس ببنت شفة وهو يتعرض للجلد، ولطالما رأيت رجالاً لا يصمدون أما بضع جلدات”.
أتيح لإيمان وابنة عمها وجدتهما السكن في بيت طيني في تلك القرية “لكننا أنا وسلوى كنا نختبئ مع شروق الشمس ولا نعود إلا في وقت متأخر من الليل. ربما يكون الأمر المختلف في قصتنا هو أننا وقعنا في قبضتهم في وقت متأخر، حيث استطعنا الاختباء بتلك الطريقة نحو ثلاثة أشهر”.
رغم كل ذلك، لم تفقد إيمان الأمل قط “لم أفقد الأمل قط، في أغلب الليالي كنت أحلم بأمي وأبي وأخي الصغير، فأنا التي كنت أرعى أخي الصغير، لكنني أدركت في ما بعد أن تلك الأحلام هي التي منحتني القوة على البقاء وكانت تمنعني من الإقدام على الانتحار”.
تطلب مني إيمان أن لا أكدّر صفو صمتها لتسمح للدموع التي غمرت عينيها بزيارة تلك الأيام التي حفلت بنكث العهود والتسبب بالألم. لقد كانت من البنات اللاتي أفلت نجوم حظهن وغابت عن سمائهن.
منصة العرض والاختيار
لم يمر على إيمان يوم بدون أن تسمع قصة أليمة من النساء والبنات اللواتي كن في كل يوم بين يدي أحد المسلحين. كانت قصة نورا واحدة من تلك القصص المؤلمة. تبادل ثلاثة من أمراء داعش نورا.
لكن أحد أولئك الأمراء، صدمها صدمة كبيرة. أخذهم المسلحون إلى تدمر، وبقوا هناك ثلاثة أشهر. في أواسط شهر رمضان من ذلك العام، تم توزيعهن على مجاميع، تتألف كل واحدة من عشرة أفراد. في الليل، أخذ المسلحون تلك المجاميع إلى السوق، وكانت نورا ضمن المجموعة الثالثة، كان يوجد في السوق ركن مظلم نسبياً، يبدو وكأنه تحت الأرض، وكان فيه العشرات من مسلحي داعش، لم تجرؤ نورا على رفع رأسها.
حسب ما ذكرت نورا، كان المشهد يشبه مراسم عرض أزياء، حيث يجلس الحضور محيطين بمنصة طويلة مستطيلة لمشاهدة أحدث تصاميم الأزياء. كان على كل فتاة أن تسير على المنصة ثلاث مرات جيئة وذهاباً، حتى يرفع أحد الحاضرين يده: “كنت مع أطفالي، أدعو الله أن يحولني في ذلك الوقت إلى أقبح مخلوق في العالم. لم يطلبني أحد في الجولة الأولى، لكن في الجولة الثانية، رفع رجل متين البنية ضخم الجثة يديه. لا شك أن ذلك كان يعني أنني أصبحت له”.
كان اسم ذاك المسلح (أبو هاشم) وكان أمير تدمر ونخاساً. أخذ نورا معه إلى المعسكر وقال لها إن عليها أن تأتمر بأمره وتقضي ليلها ونهارها كما يريد هو “كانت هناك سبع جواري أخريات، وأخبرني بعد خمسة أيام أنه سيبيعني لأمير في الرقة. بدأت أبكي وأتوسل أن لا يبيعني، ولكن دون جدوى، فقد أتم الصفقة مع الزبون. باعني لأمير في الرقة اسمه (أبو سلمان التونسي)”.
ضاجعني أمام أنظار زوجته
كان بيتاً ساكناً لا روح فيه، ولو قدر لجدرانه أن تنطق لتساءلت: كيف لم تذهب بعقولكم أصواتُ بكاء ونحيب وصرخات النساء اللاتي كان عليهن القبول بكل قوانين وتقاليد الرق.
تقول نورا: “قالت لي زوجة الأمير: هنا الرقة، ثم تحدثت إلي عن تقاليدهم وقوانينهم، وطلبت مني أن أذهب إلى غرفتها، بعد أن ينام أطفالي، لتخبرني بالمزيد، ومع أني طلبت منها أن تدعني أنام مع أطفالي، زادت إصراراً على أن أذهب معها”.
تجربة العيش مع قسوة المسلحين علمتها أنه لا سبيل أفضل من مجاراتها: “ذهبت معها ودخلنا غرفة نوم، فوجدت زوجها ينتظرني هناك. استغربت، كيف يمكن أن تقوم زوجته بتدبير أمر كهذا وتقف لتراقب ما يجري، توسلت إليه لكي لا يغتصبني، وعدتهما بأن أفعل كل شيء يريدانه وأن أكون خادمة مطيعة لهما. لكن الرجل شتمني أقبح شتم، وبالغ في شتمي. حاولت كل محاولة لكي لا يفعلا بي ذلك، لكن دون جدوى، اغتصبني أمام أنظار زوجته”.
آخر مسلح اشتراها، كان أميراً آخر، كان في كثير من الأحيان يضربها حتى يدميها. بعد ذلك أعادوها إلى العراق لتجد نفسها من جديد في سجن بتلعفر مع عشرات البنات والنساء الإزيديات. في الواقع، كن يدرن داخل حلقة مغلقة، حلقة مفرغة من أي أمل.
قاومت إيمان مقاومة مستميتة لكي لا تقع في شباك المسلحين، وفي يوم وبينما النساء مجتمعات ليفرغن ما في بواطنهن من ألم وهم، سمعت إحدى البنات تقول: “بعد يوم من احتلال داعش لسنجار وخطف مئات الإزيديات، قام التنظيم بافتتاح سوق النخاسة”، وكانت تلك علامة على أنهن جميعاً سيتحولن إلى سلعة تباع وتشترى.
رووداو: كيف كان يجري أخذ البنات إلى مكاتب النخاسة؟
إيمان: بطرق مختلفة، كان المسلحون أول الأمر يأتون إلى القاعات والمدارس التي حولت إلى سجون، ويختارون البنات ويأخذونهن، وبعدها بفترة، كان المسلح يأخذ الفتاة إلى مكتب النخاسة، وفي أحيان أخرى كانوا يأخذون مجموعة منهن إلى مكاتب النخاسة ليبتاعهن الزبائن من هناك.
رووداو: هل كانت هناك حالات أخرى مختلفة؟
إيمان: نعم. كانت هناك قلة قليلة جداً لم تذهب إلى تلك الأماكن. لأن مسلحي داعش كانوا يأخذونهن إلى المحكمة الخاصة بالسبايا، ويعقدون عليهن كجواري وليس كزوجات.
“لنعد إلى كسر المحراب”، تريد إيمان أن تنسج قصتها بدقة كما تنسج الكنزات التي كانت أمهات ونساء سنجار قد نسجنها، لكن داعش لم يسمح بأن يحل الشتاء على أولادهن ليلبسوها وتحميهم من البرد، “قضينا نحو سبعين يوماً هناك، تصوروا الرائحة التي قد تنبعث من شخص لم يستحم سبعين يوماً وكيف سيكون شكله ومظهره! وعلى أية حال، تمكنا من الاستحمام في الخرابة التي كنا نقيم فيها مع جدتنا، وشعرنا ببعض الراحة. دعتني سلوى للخروج ومشاهدة الدنيا، فصعدنا فوق سطح المنزل، وفجأة سمعنا صوت سيارة توقفت أمام البيت فهربنا مسرعتين للاختباء. كانت هناك ملابس منشورة على الحبل، وكل ما استطاعت إيمان وسلوى فعله هو إنزال تلك الملابس من على الحبل لتغطية أنفسهن بها لكي لا يُشاهَدن، لكن الاختباء لم يعد مجدياً، “التفتت لأجده خلفي، كان ضخماً ذا شعر ولحية طويلين متشابكين. تملكني الخوف، وقلت لقد انتهى كل شيء وسأموت، وكانت سلوى ترتعد من شدة الخوف وكان ارتجافها سبباً للكشف عنها هي أيضاً، فقالوا لها قومي، أنزلونا من سطح الدار وآذوا جدتي كثيراً. كانوا يضحكون بصوت عال ويقولون لجدتي سنأخذ بناتك، لكنهم لم يأخذونا يومها”.
عاد المسلحون في اليوم التالي، وكانت إيمان وسلوى قد تعبتا من الاختباء والمحاولات العقيمة. تعتقد إيمان أن الاختباء من داعش كان مثل التهرب من ظلك ومحاولة إبعاده عنك “رأيناهم وهم يعودون، فهربنا إلى الحقول. كان المكان خلف المنزل مغطى بالكثير من الأشجار. عندما هربنا، أطلقوا الرصاص علينا، ولم يكونوا متأكدين من هويتنا، سمعت جدتي تصيح وتتوسل لكي توقفهم عن إطلاق النار، وتقول: لا تطلقوا النار ستقتلون بناتي. أما نحن فقد استلقينا على الأرض خوفاً من الرصاص ولكي نختبئ منهم، لكنهم رأونا في النهاية، وصاحوا: إن كنتما لا تريدان الموت فارجعا. رجعنا، وكان مثار استغرابنا أنهم لم يأخذونا هذه المرة أيضاً، بل سلمونا إلى جدتنا”.
معاناة إيمان بدأت في الأيام التالية. الأيام التي قتلت كل شيء في روحها الفتية. طلبت مني أن أسمح لها بنيل قسط من الراحة لتروي لي بعد ذلك كيف كان المسلحون يتعاملون مع طفلة في العاشرة. تلك الطفلة التي كلما عاد أبوها، حتى اليوم الذي سبق سقوط سنجار، صاح: “تعالي يا طفلتي الصغيرة، تعالي أضمك لحضن أبيك كي أرتاح من التعب”.
وللقصة بقية…
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
