قصص حقيقية من فرمان (73) رقم (13) 
الباحث / داود مراد ختاري
أخلَت جثة زوجها بالرغم من المخاطر.
يا شنكالتي …. يا جرحي ….أنت يا بطل الاحزان إنك الصمت والصوت الصادح، كم تعبتك القيود، قتقاسمنا معك الدموع والجراح، فقد حملت همومنا بلسماً، كنت لأوجاعنا ياما ارتوينا من نبعك الصافي وحنانك ، وارتشفنا من منهل صبرك ، الصبر على الشدائد من أجلك ، بكيت بقلبي قبل عيوني، وحينما أفقت لرجولتي أن لا أبكي غضضت بعبراتي وحسراتي، وكاد الألم يشق صدري ، اذن ياواحتي هكذا إنت تحبين قوس الحياة، فترميمتي أصبحت أحلامي المجحظة، ورغباتي الضائعة وفكري ودروسي المحاصرة، حتى جعلتني أن أنسى روحي وأنسى الزمن الغادر الذي يغدو حديثنا الاول والاخر.
محبت أحمد محي/ 1971، زوجة (خلف الياس كتي جيلكي) 1970 / من قرية كانيا عيدو – شنكال، أم لخمسة أبناء، عن مأساتها في هذا الفرمان تحدثت لي قائلاً: 
في الساعة العاشرة صباحاً من يوم الاسود 3-8-2014، عدت الى شنكال ، بينما العوائل ذهبت، كانت المدينة خالية، لا حركة للسيارات ولا اصوات الباعة، وفي الساعة (12) ظهراً، خرجنا من قرية (كانيا عيدو)، مع العوائل الى الجبل، وكنا ما يقارب (70) عائلة، وقوات الدواعش خلفنا، يا لها من صورة مرعبة ، حاولوا بشتى الوسائل قتلنا، كان أبني (أمير) وخلفنا يقود قطيع غنمنا (100) رأس، القي القبض عليه، فصرخت صرخت أماه أمام أعينها وقع ابنها البكر في خطر محدق، نهبوا قطيع الغنم، لكن ابني هرب، وتؤكد محبت كان القطيع خلفنا مباشرة، ولاحظنا بان الغنم مع ابننا قد اختطف لكن قلنا لننقذ الاخرين، والحمدالله على سلامة ابني، ليكن القطيع قرباناً لنا، كنا في سيارة لكن بعد مسافة استهدفونا وحرقوا السيارة نوع (صالون اوميكا) ماروني اللون، خرجنا بسرعة البرق من السيارة المحترقة، وكنت مع زوجي نصرخ على الجميع بالخروج الفوري ، وداب الهلع بيننا وصراخ العائلة وبكاء الاطفال، منظر لا يمكن نسيانها، وحرقت فيها ما نمتلك من الاموال وكافة المستمسكات للعائلة، واليوم نحن بلا اية مستمسكات تؤيد اننا من أهل العراق او شنكال، عدا هوية الاحوال الشخصية لزوجي كانت في جيبه، وكانت خلفنا ساحبتنا (تركتر) يقودها ابني (منير)، فطلب والده من أحد الاصدقاء (نزار عمر) الذي كان معنا أن يقودها، لوجود أعداد كبيرة من الناس قد ركبوا في الساحبة وكانت عائلته معنا، تركتر حملت أشخاص أكثر من حملها المتوقع، والجميع يبتهلون الى الله عز وجل أن ينقذنا من أيادي المجرمين، ولكن الاوغاد كانوا يستهدفون الجميع، كنا نتأمل بإيصال هذه المجموعة من البشر الى الجبل وكانت الساحبة تجر معها العربة المملؤءة بالناس، وايضاً خزان (مقطورة) مملوءة بالماء وراء العربة، لم يتركوننا وأمام برج الجبل تم ضربنا من قبل الجواحش الوحوش البربرية، فإنقلبت الساحبة مع التانكي والعربة وتدحرجت نحو الوادي، وكانت محملة بسبعين شخصاً، بعد الصراخ والعويل للعوائل كافة وأهات ونواح المصابين والخوف الذي انتابنا ، السالمين خرجوا من تحت العربة في الوادي، وتم اخراج المصابين من تحتها ، ولكن تبين ان زوجي |(خلف) قد توفي وفارق الحياة، وتوفيت زوجة عمه (حسنى الجيلكي)، بكيت وندبت قسمتي في الحياة، وأطفالي يبكون ويحركون جثة ابيهم لعل به روح ويتحرك، لكنه فارقنا والى الأبد، لذا قررت لم أدع جثة رجلي هنا في الوادي تأكله الطيور الجوارح، وبعض الناس الخيرين نصحوني بإنقاذ الاطفال لان والدهم قد غاب عنهم وهذا ما كان مكتوب على جبينه، ولكني أصرت أن أنقذ جثة رجلي وادفنه مهما كلفنا من أرواح، فما يصيبنا ليصيبنا، وبواسطة بعض الخيرين أيضاً تم إرسال جثمان زوجي وزوجة عمه الى مزار شرفدين ودُفنا هناك، ولكون خمسة من أبنائي وثلاثة ابناء شقيق زوجي معنا، لم نستطيع الذهاب مع الجثمان، ولم ندرك اين قبره الان، لكني أطمئنت بانه دفن أمام المزار، وهذا جزء من الوفاء لزوجي، وبالملابس الرثة والممزقة والمدمية بقينا أياماً بالبكاء والنوح في الجبل دون أكل وشرب، وأصيبت زوجة السائق بجروح بليغة، وعدد الجرحى كانوا (سبعة)، كانوا في نوح والم ولم نكن نمتلك أبسط المستلزمات الطبية لمعالجة الجرحى، وما كان يزيدنا ألماً الاطفال المصابين وكانت جروحهم بليغة، وبعض الاحيان يغمى عليهم من كثرة البكاء، الجميع يبتهلون الى الله بالفرج أو الموت، ولكن في أكثر الاحيان من الصعب الحصول على الموت أيضاً، بعد أيام تم تحويل المصابين الى مستشفى ديرك ، لكن توفي هناك طفلين من أبناء ( نزار السائق)، بعد النزول من الجبل وعن طريق كرسي ثم سنوني وهناك لاحقنا الدواعش وهربنا منهم وكانوا وراءنا وصراخ العوائل والاطفال والنساء تملأ الكون وتناثرنا في العراء وقتل شاب وعبرنا جثته كان شاباً في مقتبل العمر، وبمسافة (18) ساعة مشياً على الاقدام وصلنا الى (روز ئافا)، وقدموا لنا ما باستطاعتهم، وبعد وصولنا الى دهوك دخلت اطفالي الى المستشفى، لانهم ايضاً كانوا مصابين لكن اصاباتهم خفيفة. .
وأكملت محبت،حديثها بالبكاء: وأنا مع أطفالي في (هيكل بناء) في نزاركي/ دهوك، حيث البرد القارص سيهلك أجسامنا، لا نمتلك قرشاً من المال وملابس أطفالي ممزقة، وفي هذا الهيكل لا يتوفر فيه دورة المياه والحمامات، ماذا نفعل؟ لقد فقدنا سيارتنا واحترق فيها اموالنا وملابسنا وكل ما نمتلك، والدواعش نهبوا قطيع الغنم ، وساحبتنا معطوبة في اسفل الوادي، ولم نعلم اين قبر زوجي في مقبرة أمام مزار شرف الدين، يارب ماذا كنا فاعلين، فأصبنا ما أصابنا.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
