العراق ينهي عاما كاملا بدون رئيس للجمهورية
[بغداد-أين] تقرير: عمار المسعودي: مر عام على مرض رئيس الجمهورية جلال طالباني وسط جدل حول المنصب والاستحقاقات الدستورية والانتخابية المقبلة.
وكان طالباني قد اصيب بجلطة دماغية في 17 من شهر كانون الاول الماضي 2012 وتم ادخاله في مستشفى مدينة الطب ببغداد وزاره وفد طبي الماني للوقوف على حالته وقرر نقله بعد ثلاثة ايام الى العاصمة الالمانية برلين لغرض العلاج.
وبعد توارد انباء عن تدهور صحة طالباني ينفي ذلك طبيبه المخول بالتصريح محافظ كركوك نجم الدين عمر كريم ويؤكد تحسن حالة رئيس الجمهورية وانه يتماثل للشفاء كما تقول بذلك هيرو طالباني عقيلة رئيس الجمهورية. فيما ينفى الاتحاد الوطني الكردستاني تداوله اي اسم لخلافة طالباني سواء في منصبه الحزبي او الرئاسي بسبب مرضه.
وشهدت فترة علاج طالباني العديد من الاحداث السياسية غاب عنها رئيس الجمهورية الذي كان يسعى ومنذ عدة اشهر من العام الماضي الى عقد اللقاء الوطني لحل الازمات بين الكتل السياسية لكن وضعه الصحي لم يسعفه من عقده.
ومع مرور الاشهر على غياب طالباني عن المشهد السياسي تصاعدت الدعوات الى شغل منصبه وكانت ابرز تلك الدعوات من رئيس مجلس النواب اسامة النجيفي وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر فيما انتقد التحالف الكردستاني تلك الدعوات مؤكدا على دستورية بقائه في المنصب.
وخلال فترة غياب طالباني اخذ النائب الوحيد الباقي من نواب رئيس الجمهورية خضير الخزاعي بممارسة مهام الرئاسة ومنها تسلم اوراق اعتماد السفراء والمصادقة على القوانين وحضور مؤتمرات عربية ودولية.
وطالبت هيئة رئاسة الادعاء العام في 13 من ايار الماضي في كتاب رسمي بعثته الى رئاسة مجلس النواب بضرورة انتخابات رئيس للجمهورية لخلو منصبه استنادا لاحكام المادة [72] من الدستور لكون رئيس الجمهورية غائبا عن المنصب منذ فترة.
من جانبها وصفت اللجنة القانونية النيابية على لسان رئيسها النائب الكردي خالد شواني طلب الادعاء العام بانتخاب رئيس جمهورية بدلاً من الرئيس طالباني بـ” المخالف للدستور وان الطلب ليس من صلاحيات الادعاء”.
وعلى الصعيد السياسي ابدت بعض الكتل تخوفها من استمرار فراغ منصب رئاسة الجمهورية وغياب الطالباني عنه لكون نائبه الاول [خضير الخزاعي] ينتمي الى ائتلاف دولة القانون الذي يترأسه رئيس الوزراء نوري المالكي وهما من كتلة واحدة مع غياب النائب الثاني طارق الهاشمي [المتواجد حاليا في تركيا] والمحكوم عليه بالاعدام غيابياً بتهم جنائية، في تمرير قوانين قد تخالف التوازن والاستحقاق السياسي .
يشار الى ان الدستور العراقي يتضمن فقرات خاصة بالاجراءات الدستورية في حال خلو منصب رئيس الجمهورية في حالتي الوفاة او العجز.
وفي مادته [75] ثالثا ينص الدستور على “ان يحل نائب رئيس الجمهورية محل رئيس الجمهورية عند خلو منصبه لأي سببٍ كان، وعلى مجلس النواب انتخاب رئيس جديد، خلال مدةٍ لا تتجاوز الثلاثين يوماً من تأريخ الخلو”، ويتضمن الدستور فقرة اخرى تتعلق بخلو المنصب في حالة عدم وجود نائب لرئيس الجمهورية هي الفقرة رابعا التي تقضي بان يحل رئيس مجلس النواب، محل رئيس الجمهورية في حالة عدم وجود نائبٍ له، على ان يتم انتخاب رئيس جديد خلال مدةٍ لا تتجاوز ثلاثين يوماً من تاريخ الخلو”.
ونشر موقع رئاسة الجمهورية في 17 من ايار الماضي صوراً للرئيس جلال الطالباني مع فريق الأطباء المعالج له في إحدى المستشفيات بالمانيا، في أول ظهور علني له منذ خمسة أشهر إثر إصابته بجلطة في الدماغ في 17 من شهر كانون الاول الماضي 2012.
فيما قال نجم الدين كريم، المخول بالتصريح عن صحة رئيس الجمهورية ، أن صحة الرئيس طالباني تشهد تحسناً مستمراً، لافتاً إلى أن عودته إلى أرض الوطن رهن بقرار اللجنة الطبية.كما أعلن كريم في 18 من اب الماضي ان” طالباني اصيب ، بإلتهاب في المثانة والمجاري البولية وقد تم اخضاعه للعلاج في برلين”.
وتصاعدت دعوات الى ضرورة شغل منصب رئاسة الجمهورية حيث جدد رئيس مجلس النواب اسامة النجيفي مطالبته بذلك قائلاً ان “التدهور الصحي الذي يمر به رئيس الجمهورية اذا وقف حائلا دون امكانية عودته للقيام بمهامه فيجب انتخاب رئيس جديد” مشيرا الى ان”عائلة رئيس الجمهورية قد اعتذرت ورفضت طلبا تقدم به قبل خمسة اشهر تقريبا لزيارة لطالباني والاطمئنان على صحته ومعرفة الامور الدستورية والقانونية بالنسبة للمنصب لكن العائلة اعتذرت مبينة ان الرئيس يخضع للعلاج ولا يمكن مقابلته”معلناً” نيته تقديم طلب اخر بهذا الخصوص لمعرفة الوضع الصحي وامكانية عودة الطالباني كرئيس للجمهورية”.
فيما رد التحالف الكردستاني على طلب النجيفي بانه “ليس من مهامه الدعوة لذلك”.
وقالت النائبة الا طالباني لوكالة كل العراق [أين] ان “المتحدث عن صحة طالباني هو رئاسة الجمهورية وهي من تقرر امكانية استمراه بمهامه من عدمه وليس النجيفي”.
ولم يؤثر غياب طالباني على المشهد السياسي العراقي العام فحسب وانما اثر بشكل واضح على المشهد السياسي في اقليم كردستان وافرزت ذلك بشكل واضح انتخابات برلمان الاقليم التي حل فيها حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه طالباني في المرتبة الثالثة من حيث مقاعد البرلمان بحصوله على [18] مقعداً الامر الذي عده بعض نواب حزبه “بالانتكاسة للاتحاد الوطني”.
فيما استبعد حزب الاتحاد قرب تسمية أمين عام جديد للحزب خلفا لطالباني”مرجحاً” تغيير طاقم قياداته بشكل كلي جراء الخسارة الاخيرة للحزب في انتخابات برلمان اقليم كردستان”.
وفي تطور امني لافت اغتال مسلحون مجهولون في 20 من شهر تشرين الثاني الماضي [ثروت محمد رشيد] مسؤول حماية طالباني بعد ان اقتحموا منزله بمدينة السليمانية واطلقوا النار عليه ما اردوه قتيلاً في الحال ولاذوا بالفرار الى جهة مجهولة في نفس اليوم الذي كان يستعد فيه الضحية العودة الى برلين لزيارة طالباني الذي يعالج هناك.
من جانبها اعلنت مديرية امن السليمانية [الاسايش]، بعد يوم من حادثة الاغتيال عن قتل، احد المتهمين باشتباكات مسلحة معه في مدينة السليمانية .
يذكر ان المعلومات اشارت الى ان ثلاثة اشخاص وراء تنفيذ عملية اغتيال مسؤول حماية طالباني بعد اقتحامهم منزله في حي [كاني با] شرقي السلميانية وقد وجد مقتولاً برصاصتين في الراس والصدر داخل مطبخ منزله.
ونشرت جريدة “باس” الكردية مطلع الشهر الحالي خبراً عن صحة طالباني ، مؤكدة انه تم نقله من المستشفى الالماني الى جهة مجهولة.
ونقلت الجريدة عن مصدر كردي وصفته بـ”الموثوق” ان “الطابق الثاني من المستشفى [حيث يقيم طالباني] الذي كان ممنوعا على الزوار اصبح مفتوحا امام زوار المستشفى الذي يسمى بـ”ريها كلينك” في برلين.
كما اشار المصدر وفق الصحيفة إلى أن “حراس طالباني البالغ عددهم 9 اشخاص غادروا المستشفى ولم يبق لهم اثر، مشيرا الى ” انهم ايضا غادروا فندق ادلون الذي كانوا يبيتون فيه”.
ونقلت الجريدة عن مصدرها “بشكل مفاجيء اختفى الرئيس العراقي جلال طالباني وحمايته من المستشفى، وعندما سألنا عن المكان الذي توجهوا اليه لم يعط احد اية معلومات عنهم”.
فيما ذكر مصدر مطلع ان طالباني يمر بمرحلة “الموت السريري وهو يعيش حاليا على الأجهزة الطبية فقط منذ أشهر ولاصحة لانباء وفاته او مطالعته للصحف يومياً وان الكادر الطبي نقل رئيس الجمهورية من طابق الى طابق اخر في نفس المستشفى مع بعض الأجهزة الطبية الخاصة به”مشيرا الى ان”عدة مسؤولين عراقيين بينهم رئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني حاولوا زيارته لكن ادارة المستشفى منعتهم من ذلك”.
وبعد الانباء المتضاربة عن صحة طالباني نشرت وسائل اعلام كردية الاربعاء الماضي صوراً جديدة لرئيس الجمهورية وهو يبدو بصحة جيدة .وظهر فيها طالباني مع افراد من عائلته يتبادل اطراف الحديث معهم.
وقد اثارت هذه الصور ردود افعال واحتفالات لدى الكرد والفوج الرئاسي التابع لرئاسة الجمهورية حيث قاموا باطلاق نار عشوائي في الهواء وبشكل كثيف احتفالا بعرض صورة جديدة لطالباني.
واستبعد مراقبون بقاء جلال طالباني الذي ترأس العراق لولايتين رئاسيتين بعد اجراء الانتخابات البرلمانية في نيسان المقبل 2014 ولايحق له الترشح لولاية ثالثة بحسب ما حدده الدستور او حتى يكون له دور في المرحلة المقبلة بسبب مرضه الذي قد يعيقه من اكمال مشواره السياسي.
نبذة عن حياته:
ولد طالباني [وهو ابن الشيخ حسام الدين الطالباني شيخ الطريقة القادرية في كركوك وشمال العراق] في قرية كلكان التابعة لقضاء كوي سنجاق قرب بحيرة دوكان. أنضم إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة الملا مصطفى البارزاني سنة 1947م عندما كان عمره 14 عاما، وبدأ مسيرته السياسية في بداية الخمسينات كعضو مؤسس لاتحاد الطلبة في كردستان داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني، وترقى في صفوف الحزب بسرعة حيث أختير عضوا في اللجنة المركزية للحزب في سنة 1951م، أي بعد 4 سنوات فقط من أنضمامه إلى الحزب وكان عمره آنذاك 18 عاما.
ألتحق طالباني بكلية الحقوق سنة 1953م، وبعد أن فشلت محاولاته للألتحاق بكلية الطب نتيجة للعوائق التي وضعت أمامه من قبل السلطات في العهد الملكي في العراق، وبسبب نشاطاته السياسية. وتخرج من كلية الحقوق في بغداد سنة 1959م، وألتحق بالجيش بعد تخرجه كجزء من الخدمة العسكرية التي كان من واجب المواطن العراقي أداءها بعد تخرجه من الكلية أو بعد بلوغه 18 عاما. وخدم في الجيش العراقي كمسؤول لكتيبة عسكرية مدرعة. وفي سنة 1961م، شارك في أنتفاضة الأكراد ضد حكومة عبد الكريم قاسم. وبعد الانقلاب على قاسم، قاد طالباني الوفد الكردي للمحادثات مع رئيس الجمهورية الجديد عبد السلام عارف سنة 1963م.
وقد بدأت خلافات جوهرية تظهر بينه وبين زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مصطفى البارزاني فأنضم في سنة 1964م، إلى مجموعة أنفصلت عن الحزب الديمقراطي الكردستاني ليشكلوا المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني والذي كان يتزعمه إبراهيم أحمد الذي أصبح لاحقاً حماه.
وأنحلت المجموعة في سنة 1970م، بعد أن وقّع الحزب الديمقراطي الكردستاني والحكومة اتفاق سلام ضمن اتفاقية الحكم الذاتي للأكراد.
وبعد أنهيار الحركة الكردية بقيادة مصطفى البارزاني على أعقاب اتفاقية الجزائر الذي نتج عن سحب دعم الشاه في إيران لحركة البارازاني وبالتالي إلى توقف كامل إلى الصراع المسلح بين الأكراد والحكومة العراقية وأسس طالباني مع عدد من رفاقه حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، سنة 1975م. وكان حزباً اشتراكيا وبعد تشكيله بسنة، بدأ الحزب حملة عسكرية ضد الحكومة المركزية. وتوقفت هذه الحملة لفترة قصيرة في بداية الثمانينات في خضم حرب ايران، حيث عرض رئيس النظام السابق صدام حسين صلحا ومفاوضات مع الاتحاد الوطني الكردستاني ولكن هذه المفاوضات فشلت وبدأ الصراع مرة أخرى حتى حصلت لحزب جلال طالباني أنتكاسة قاسية وأضطر حينها الطالباني لمغادرة شمال العراق واللجوء إلى إيران.
بدأت حقبة جديدة في حياة طالباني السياسية بعد غزو النظام السابق للكويت وأنتفاضة الأكراد في الشمال ضد نظام صدام. ومهّد إعلان التحالف الغربي عن منطقة حظر الطيران شكلّت ملاذاً للأكراد، لبداية تقارب بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني. ونُظمت أنتخابات في إقليم كردستان في شمال العراق، وتشكلت في سنة 1992م، إدارة مشتركة للحزبين بعد ان كانت السيطرة لحزب طالباني في محافظة السليمانية ولحزب بارزاني على محافظتي اربيل ودهوك. غير أن التوتر بين الحزبين أدى إلى مواجهة عسكرية في سنة 1996م . وبعد جهود أميركية حثيثة وتدخل بريطاني، ونتيجة اجتماعات عديدة بين وفود من الحزبين وقع البرزاني والطالباني اتفاقية سلام في واشنطن في سنة 1998م.
وبعد عام 2003م، طوى الجانبان خلافاتهما كلياً ليشكلا زعامة مشتركة. وعيّن الإثنان لاحقاً في الحكومة العراقية الانتقالية. وكان العديد من الأكراد قد وقعوا على عريضة تطالب بإجراء استفتاء حول الأنفصال، غير أن زعمائهم أكدوا أنهم لن يطالبوا سوى بحكم ذاتي في إطار عراق موحّد.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
