ارتفاع أعداد الحركات الانفصالية في العالم
رووداو- أربيل: ارتفع عدد الحركات الطامحة في الانفصال على مستوى العالم خلال المائة عام الأخيرة، فبعد أن كان عددها في العام 1915 ثماني حركات فقط بات عددها 59 حركة في العام 2015، وهذه الحركات والجماعات موزعة على مناطق جغرافية مختلفة من العالم بدءاً بالشرق الأوسط وشمال إسبانيا وصولاً إلى السواحل الجنوبية للمحيط الهادي.
ومع أن عدد الجماعات الانفصالية يتزايد، إلا أن عدداً قليلاً منها لجأ إلى ممارسة العنف والقتال لتحقيق أهدافها في السنوات الأخيرة، وقد ذكرت الخبيرة في القانون الدولي والجماعات الانفصالية بجامعة مينيسوتا في الولايات المتحدة الأمريكية، تانيشا فازال، في مقال لها نشرته مجلة “فورين أفيرز” أن أحد أسباب هذه الظاهرة هو علم هذه المجاميع بأن نجاحها في مساعيها سيضعها في مصاف الدول الأعضاء في المجتمع الدولي، لذا يتحتم عليها أن تنتظر إشارات من تلك الدول، والإشارات تشجعها على اتباع السبل السلمية وعدم اللجوء إلى إعلان الاستقلال من طرف واحد.
وتشير فازال في مقالها إلى كوردستان، أرض الصومال، كاتالونيا وسكوتلاند التي لجأت فيها الحركات الداعية للاستقلال إلى الاستفتاء، ولم تعلن الاستقلال من جانب واحد، لكن “هذه الخطوة الجيدة بقيت بدون ثواب”، ففي خضم حرب داعش كانت أمريكا تعارض الحديث عن استقلال كوردستان، ولم تعترف أي دولة إلى الآن باستقلال أرض الصومال رسمياً، ووصفت الحكومة الإسبانية (بدعم غير مباشر من الاتحاد الأوروبي) استفتاء كاتالونيا في تشرين الأول بأنه غير قانوني وأهملت نتائجه، يأتي هذا في وقت أقر فيه المجتمع الدولي بدولة حديثة الولادة كجنوب السودان على الرغم من انتهاكها حقوق الإنسان ولجوئها إلى العنف.
وترى الباحثة الأمريكية أن المجتمع الدولي ورط الجماعات الانفصالية في مشكلة معقدة، لأن هذه الجماعات “لا تدري هل أن الطريق الأمثل للوصول إلى الاستقلال هو الإنصات للمجتمع الدولي أم اتخاذ الخطوات التي ترى هذه الجماعات أنها ستخدم قضيتها”، وإذا توصل طلاب الانفصال مستقبلاً إلى قناعة بأن الإلتزام بالقوانين لن يثمر عن شيء، فإن هذا الاستنتاج ستكون له آثار سيئة، وسيعني اللجوء إلى العنف.
بعد الحرب العالمية الثانية، زاد عدد الحروب الأهلية في كل العالم، وارتفع عدد الأطراف الساعية إلى الانفصال بين الأطراف المشاركة في تلك الحروب الأهلية، وتبين البيانات التي جمعتها فازال عدم وجود أي طرف يريد الاستقلال بين أطراف الحروب الأهلية في العام 1899، لكن بحلول العام 1999 كان حوالي نصف الأطراف المشاركة في الحروب الأهلية يطالب بالاستقلال، وكانت المكاسب الاقتصادية التي توفرها المنظمات الدولية للدول وزيادة الدعم لحق تقرير المصير من بين الأسباب التي أدت إلى ذلك.
وضعت معاهدة مونتفيديو في العام 1934 أربعة شروط للاعتراف رسمياً بالدول الجديدة، وهي وجود سكان دائميين، وجغرافيا محددة، وحكومة والقدرة على إقامة علاقات مع الدول الأخرى، وتقول فازال إن سقف هذه الشروط ارتفع بصورة مستمرة منذ العام 1934، فمثلاً وضعت بريطانيا، إضافة إلى شروط مونتفيديو الأربعة، مجموعة مطالب أخرى تجب تلبيتها قبل أن تعترف بدولة جديدة، ومنها القبول بإعلان الأمم المتحدة وقواعد المجتمع الدولي، وضمان حقوق الأقليات، والالتزام بالتخلص من عدد من الأسلحة وحماية أمن المنطقة وعدم انتهاك أي من قرارات الأمم المتحدة.
وتشير كاتبة المقال إلى أن السعي لنيل العضوية في الأمم المتحدة يمثل مشكلة سياسية أخرى تواجه الحركات الانفصالية، لأن الأمم المتحدة تستحسن انضمام الدول الجديدة أولاً إلى المنظمات الإقليمية أو القارية، ثم الانضمام إلى المجتمع الدولي. كما أن كل واحد من الأعضاء الخمسة الدائميين في مجلس الأمن الدولي يستطيع استخدام حق النقض “الفيتو” ضد طلب عضوية دولة جديدة، وهذا ما يمنع العضوية الكاملة لكل من كوسوفو وفلسطين وتايوان في الأمم المتحدة.
مع ارتفاع عدد الجماعات الانفصالية المشاركة في الحروب الأهلية باستمرار، يرتفع عدد الجماعات الانفصالية السلمية، ويشير مقال “فورين أفيرز” إلى ظهور عدد كبير من الجماعات الانفصالية التي انتهجت منذ البدء طريق السلم للوصول إلى هدفها مع تخلي عدد كبير عن آلية العمل المسلح والسعي إلى تجنيب المدنيين آثار أعمالهم المسلحة.
وتكشف فازال أيضاً عن أن عدداً كبيراً من الجماعات الانفصالية يسعى من خلال وسائل الإعلام إلى لفت انتباه المجتمع الدولي إلى استخدام العنف من قبل الحكومات المركزية ومساعي هذه الجماعات لحماية أرواح المواطنين المدنيين، والمثال على هذا مساعدة القوات الأمنية الكوردية في سوريا والعراق للإزيديين “لكن تلك الجهود لم تؤد إلى أي دعم دولي لقضيتهم”.
أضف إلى ذلك، ورغم معارضة المجتمع الدولي لإعلان الاستقلال من جانب واحد، شهدت العقود الأخيرة العديد من أمثلة إعلان الاستقلال بهذه الطريقة عادت بنتائج جيدة على الحركات التي اتخذت تلك الخطوة، ومن الأمثلة الدول التي انفصلت عن يوغسلافيا السابقة والتي أعلنت جميعاً الاستقلال من طرف واحد، ورغم الرفض الذي قوبلت به الخطوة من قبل المجتمع الدولي أول الأمر، لكنها أصبحت بعد فترة قصيرة دولاً عضو في الأمم المتحدة.
وتؤكد فازال أن “من المؤسف أن التصرف الجيد من جانب الحركات الساعية للاستقلال والتزامها بالقوانين الدولية لم يؤديا إلى النتائج المرجوة”، وأثبتت تجارب ثلاثة عقود مضين أن الحصول على الدعم الدولي بحاجة إلى سند قوي وليس إلى التصرف الجيد.
وتشير الباحثة الأمريكية إلى نموذج إقليم كوردستان وأرض الصومال، اللذين يتمتعان بحكم أفضل من الحكم في الدول المجاورة لهما، وتقوم حكومتاهما بجباية الضرائب وتقديم الخدمات الصحية لسكانهما ولديهما علاقات مع المجتمع الدولي، ومع ذلك لم تحض أي من هاتين الحكومتين باعتراف دولي يذكر، ولهذا تعجزان عن تقديم خدمات كثيرة منها إصدار تأشيرات سفر ورموز بريدية.
وترى تانيشا فازال أن العثور على حل سهل لمشكلة الانفصاليين ليس بالمهمة اليسيرة، لأن “للانفصاليين علاقة معقدة مع مفهوم السيادة الذي يعتبر الأساس للعلاقات الدولية”، فهذه الجماعات تؤمن بهذا المفهوم من جهة أنها تريد أن تتحول إلى سلطة ذات سيادة سياسية وإدارية واقتصادية، لكنها لبلوغ هدفها هذا يجب أن تنتهك سيادة دولة أخرى.
وتشير الباحثة إلى عدد من البدائل التي تمنع الحركات الانفصالية من اللجوء إلى العنف في المستقبل، وتحمي سيادة الدول في نفس الوقت، ومن بين تلك البدائل التوسع في حدود الحكم الذاتي للمناطق، ولتحقيق هذا يجب السماح لتلك الحركات بالانضمام كأعضاء إلى المنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي، واتحاد الاتصالات الهاتفية الدولية، والبنك الدولي، لأن حرمان تلك الحركات الإنفصالية السلمية من الأمل لن يدفعها إلى التخلي عن قضيتها، بل سيضطرها فقط إلى تغيير آلية العمل في سبيل تحقيق أهدافها.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
