بغداد تراهن على اقتتال غير مضمون بين تياريْ البغدادي والظواهري
بغداد/اور نيوز: تبدو المساحات الواسعة التي فقدت فيها الحكومة العراقية السيطرة الأمنية، أكبر من تلطيفات الإعلام الرسمي لحجم الخسائر الفعلية. برزت خلال أسابيع ماضية تطورات كبيرة عصية على تحريفها أو التخفيف منها فيما يتعلق بتداعيات المواجهات التي يقودها خليط واسع من الفصائل المسلحة، أهمها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، بحسب تقرير نشرته صحيفة البيان الاماراتية امس.
وتكاد محافظات مثل الأنبار والموصل وديالى وأجزاء من بغداد تصبح امتداداً للوضع في مدن وبلدات سورية من حيث محاولة المسلحين بناء “سلطات إدارية” في هذه المناطق. القدرات الجديدة لتنظيم “داعش” منذ اندلاع المواجهات في الأنبار، شهدت تغيراً أساسياً في الانتقال من إيذاء الحكومة عبر التفجيرات الانتحارية والسيارات المفخخة، إلى تعطيل مفاصل الدولة، ويمكن رصد أهم مظهر من هذا التعطيل في التحكم بتدفق مياه نهر الفرات عبر سد الفلوجة، والذي سيكلف الزراعة في المناطق الجنوبية، وخاصة الحلة وكربلاء والنجف، أثماناً باهظة رغم أن فترة الانقطاع لم تتعد عشرة أيام.
التأثيرات التدميرية لهذا السلاح فتحت شهية التنظيم على تكرارها ليس فقط في الأنبار، حيث تراجعت إمدادات الطاقة من محطة المسيب من 170 ميغاوات إلى 90 ميغاوات بفعل القطع البسيط عبر سد الفلوجة، فكيف سيكون الحال لو أن الجماعات المسلحة سيطرت على سد الموصل؟ لا شك أن مشهد الصراع المركّب، طائفياً وإقليمياً، في العراق، لا يجعل من الغرابة استناد منتديات تحريضية على الإنترنت لطرفي الصراع على أسباب دينية في سبيل إضفاء طابع غير تقليدي على دلالات قطع مياه الفرات.
وهناك تغير نوعي آخر في قدرات “داعش” على التعطيل وليس فقط الإيذاء. في السابق كان يتم استهداف خطوط نقل النفط مراراً من قبل مسلحين مناهضين للحكومة، لكن لم يسبق أن نجحت أي جماعة في السيطرة على تدفق النفط.
منذ الثاني من شهر مارس الماضي، يتحكم مسلحون، يرجح أنهم من “داعش”، بتدفق النفط عبر خط كركوك جيهان في منطقة تسمى “عين الجحش” قرب الموصل. وينقل هذا الخط 20 في المئة من إجمالي صادرات العراق النفطية. مدة الانقطاع المتواصلة لهذا الخط هي الأطول منذ سقوط النظام العراقي عام 2003.
سابقاً كانت هناك مكابرة في تصريحات المسؤولين الحكوميين عن حوادث أقل تأثيراً من ذلك، أما اليوم، فلا تجد وزارة النفط مخرجاً سوى الإقرار بعجزها عن ضخ النفط، والتفكير في إنشاء خط بديل لا يمر من المناطق الرخوة أمنياً.
هذان المؤشران كافيان للقول إن “داعش” بزعامة أبوبكر البغدادي في أوج تمدده منذ تأسس أول حركة أصولية في العراق بعد الاحتلال الأميركي، وانتقلت من مرحلة التخفي إلى الظهور و”التبختر” وإعلان هيئات شرعية، فيما انتقل مسؤولو الإدارات الحكومية في المحافظات ذات الأغلبية السنية، من الظهور إلى التخفي.
على سبيل المثال، تشهد مناطق جنوب الموصل، كالقيارة ومنطقة حمام العليل وقضاء الحضر، حرية في تحرك المسلحين، بل إن هؤلاء قاموا في قضاء الحضر بتفجير الجسر المؤدي إلى المدينة وإحراق مديرية الشرطة وقائم مقامية الموصل ودوائر وزارة الزراعة.
التقدم الذي تحرزه “داعش” ليس مضموناً الاستمرار فيه، لا من جهة الهجوم المضاد للجيش العراقي فقط، بل هناك ما هو أخطر من ذلك على التنظيم من داخل التيارات المتطرفة، حيث يتم تداول إمكانية لتشكيل ائتلاف من الفصائل المعارضة لكل من الحكومة المركزية و”داعش”، مدعومة من تنظيم قاعدة الجهاد بقيادة أيمن الظواهري بمؤازرة مباشرة من “جبهة النصرة” في سوريا.
من بين الفصائل المرشحة لتشكيل هذا التحالف “الجيش الإسلامي” و”كتائب ثورة العشرين” و”أنصار الإسلام” و”جيش المجاهدين” و”جماعة راية الحق والجهاد”. في محاولة لتفادي سيناريو سوريا، يحاول تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” تشكيل غرفة عمليات مشتركة مع بقية الفصائل في الأنبار، على أن تكون الكلمة الفصل فيها له، إلا أن مراجعة البيانات التي تصدرها الفصائل المرشحة لتشكيل التحالف المناهض لـ”داعش” توحي بقرب انتقال الحرب الداخلية الطاحنة بين هذه الجماعات إلى داخل العراق.
ربما تأخذ الحكومة العراقية هذا الاستنتاج على محمل الجد. إذا صحّ ذلك، فإن تضحيتها بـ”الهيبة والسيطرة” قد تدخل في إطار توفير أرضية ملائمة لحرب يلتهم فيها خصومها بعضهم البعض، حتى لو كان وراء ذلك مخاطر “احتلال بغداد” من قبل المتمردين.
“احتلال بغداد” هو التعبير الذي استخدمه وكيل وزارة الداخلية، عدنان الأسدي، تعليقاً على تنامي قوة “داعش” شمال بابل. يعود المثلث الجغرافي الرابط بين شمال بابل وجنوب بغداد والأنبار إلى واجهة الأحداث الأمنية الساخنة بتوغل عدد كبير من مسلحي “داعش” في العديد من نواحيها. وقالت مصادر أمنية: إن أجهزة الأمن في تلك المنطقة قامت بتجفيف مساحات مائية تنتشر حولها الأدغال لمنع المسلحين من التمركز.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
