شجّعي أولادك من دون مبالغة!
يكون جدول بعض الأولاد مزدحماً بشكلٍ مبالغ فيه (معارض، دروس بيانو، رقص، حصص لغات، نشاطات رياضية…)، لأن الأهل قد يرغبون في تقديم جميع أنواع الفرص لهم لكنهم يبالغون في مقاربتهم وقد يجهدون أولادهم عن غير قصد.
قد يصرّ الأهل أحياناً على اصطحاب أولادهم إلى المعارض أو إشراكهم في نشاطات من اختيارهم مع أنهم لا يبدون أي اهتمام بهذه المجالات، لكن يظنّ الأهل أنهم يحسنون بذلك فرص الأولاد منذ سن مبكرة. هكذا يجد الأبناء نفسهم أمام جدول ممتلئ.
يبدو أن {مطاردة الوقت} أصبحت هوساً بالنسبة إلى الأهالي المعاصرين. حتى الأحاديث باتت تتخذ شكل دروس ضمنية أو مراجعات واستجوابات كما يحصل عند تذكير الطفل في موقف معين بقصة قرأها سابقاً أو عند طرح أسئلة معلومات عامة بشكل متكرر في سياق الحديث.
يعتبر علماء النفس أن المشكلة الفعلية تتعلق بقلق الأهل من فشل أولادهم في المدرسة وخوفهم على مستقبلهم، فينقلون لهم هذه المخاوف بشكل لاواعٍ، لكنهم يحصدون نتائج معاكسة بهذه الطريقة. لذا يجب تخفيف هذه الضغوط كلها كي لا يشعر الأولاد بالاختناق.
المغامرة مسموحة!
يكون الطفل فضولياً بطبيعته، وهو متطلب منذ ولادته ولا يمكن إشباع رغبته في فهم ما يحيط به كي يسيطر على وضعه. لا بد من تحفيزه لإرضاء جشعه واندهاشه المبكر.
يحتاج الطفل إلى الكلام والتبادلات والألعاب بقدر ما يحتاج إلى الحنان والغذاء. لذا يجب أن يسمح له والداه بخوض مغامرات من اختياره كي يكتشف وحده نشاطات يستمتع بها بعيداً عن تلبية حاجاته الآنية. تكون هذه التجارب البسيطة حاسمة. إذا حاول مثلاً الصعود على سرير مرتفع، لن يتعرّض للخطر بالضرورة بل سيتعلّم. وحين يرغب في اللعب بالعلب البلاستيكية فوق المغسلة أو بالخضراوات في المطبخ، يعني ذلك أنه يستكشف عالمه. يكون كل اكتشاف مماثل مفيداً للطفل وهو يستمتع به فيرغب في تكراره لاحقاً. يقضي دور الأهل في هذه الحالة بمرافقة الطفل في رحلته لتصحيح نظرته. لكن حين يحددون له ما يستطيع فعله، سيشعر بالإحباط وسيتشجع بذلك على ملازمة مكانه. من غير المناسب مثلاً أن نقدم لعبة خاصة بمن هم فوق عمر الخامسة لطفل عمره أربع سنوات. حتى أنه قد يكون سلوكاً خطيراً بحسب رأي علماء النفس لأن معايير الطفل ستنقلب وسيشعر بأنه يفشل في تنفيذ ما يُطلَب منه. نتيجةً لذلك، سيترسّخ خوفه من الفشل بدل أن يرغب في متابعة اللعب. لذا يجب احترام الأعمار الواردة على علب الألعاب لأنها مبنية على دراسات دقيقة. يجب أن يشعر الطفل بالأمان كي يرغب في اكتساب معارف جديدة وكي ينفتح على الآخرين.
منافع الضجر
تغيّرت المعايير في العصر الراهن وبات الخمول والجمود جزءاً من مزايا هذا الزمن. حتى أن علماء النفس لا يترددون في اعتبار الضجر {تجربة تدريبية ضرورية في حياة كل طفل}. يسمح هذا الوقت بمواجهة العواطف الشخصية وتطوير الخيال والأذواق. هكذا تتطوّر حياته النفسية أيضاً وينمّي الطفل عالماً داخلياً غنياً يسمح له بألا يصبح شخصاً كثير الحركة خوفاً من الفراغ في سن الرشد. وسط الانشغالات المفرطة (نشاطات، حوافز، نزعات استهلاكية)، من المفيد أن يبطئ الطفل مساره ويعود إلى ذاته وإلى أحاسيسه الحاضرة أو الماضية ورغباته العميقة. حين يمتنع الأهل عن إبداء رد فعل فوري حالما يقول الطفل إنه يشعر بالضجر، ستتطور لديه روح المبادرة وحس الإبداع والاستقلالية في طريقة اختيار نشاطاته. قد يعني عدم القيام بأي نشاط فعل ما نريده حقاً مثل الغوص في تفاصيل رسمة أو الإصغاء إلى توزيع الآلات في مقطوعة موسيقية أو ورسم الأشكال المفضلة لدينا.
دراسة الاقتراحات
قد يكون اصطحاب الأولاد إلى متحف أو حفلة موسيقية أو معرض أمراً إيجابياً لأن الطفل يستفيد دوماً من بيئته التي تشبهه شرط ألا نجبره على القيام بما لا يريده. لا داعي مثلاً كي يشاهد جميع اللوحات المعروضة إذا كان يكتفي بلوحتين أو ثلاث لوحات. وحين يكون اهتمام الأهل بنشاط معين صادقاً، سيرغب الطفل في تقليدهم. لا يمكن أن يحبّ الطفل الموسيقى الكلاسيكية إذا كان والداه لا يحبانها. حتى لو كان العكس صحيحاً، لا يمكن فرض هذه الهواية على الطفل إذا لم يرغب فيها.
عند تعريف الطفل إلى الرسم أو الموسيقى، يجب أن تكون دوافعنا واضحة أيضاً: هل نريد أن نعلّمه بكل سخاء أم نسعى إلى تحقيق هدف نرجسي لنقل معارفنا واهتماماتنا إلى أولادنا؟ غالباً ما يتداخل الجانبان: يكون البعد النرجسي واعياً بدرجة معينة لدى الأهل لأنهم يسرّون حين ينجح أولادهم في مجال معين ويحصدون الإشادة من مجتمعهم.
يمكن أن يبدو فخر الأهل بأولادهم متناقضاً أحياناً. يروي رجل أنه كان طفلاً حيوياً جداً في المدرسة الابتدائية وكان يستبق أسئلة المعلّمين ويملك أجوبة عن كل شيء وقد شعر والداه بفخر كبير به. لكن حين تسجّل في أفضل مدارس فرنسا، وجد نفسه وسط تلامذة لامعين وأصبح الأخير في صفّه. فسمع والده يوماً يقول إنه “نكرة” وشعر بالعار والخيبة في آن. في اليوم التالي، بدأ يتقيأ ولم يستطع معاودة الذهاب إلى المدرسة، واحتاج لاحقاً إلى علاج فاعل شاركت فيه العائلة كلها كي يتجاوز المشكلة. باختصار، سيعطي الضغط على الأولاد نتائج عكسية لأنه يجازف بخنق رغباتهم. يجب السماح لهم في المقابل بتطوير نفسهم بنفسهم.
انسحاب في الوقت المناسب
يجب أن يضع الأهل نفسهم مكان أولادهم وأن يتركوا لهم مساحة خاصة بهم، فلا يرفضون مثلاً اللعبة التي يريدها الطفل بحجة أنها لا تناسبه. يعاني أبناء الأشخاص المفكرين لأنهم مجبرون على القراءة باستمرار عن مواضيع أكبر من عمرهم. أمام طفولة مماثلة، قد يفضل هؤلاء الأشخاص حين يكبرون تمضية فترات مطولة من الراحة بعد الظهر.
يجب أن يجيد الأهل الانسحاب كي يفتحوا المجال أمام مبادرات الطفل. حين يلعب الأخير، يشغّل مخيلته ويبني نفسه. لكن عند حرمانه من هذه المساحة، سيختنق ويتوقف عن الاستيعاب ويرفض كل ما يُعرَض عليه. لذا يجب أن نصغي إليه حين يطالب بوقف النشاطات ويرغب في الجلوس في المنزل بكل بساطة. يجب أن يشعر بالضجر كي يسترجع معنى المتعة والسعادة. ولا داعي للقلق إذا رفض كل شيء. سرعان ما سيستأنف نشاطاته إذا احترمنا قراراته وتقبّلنا اختلاف رغباته.
المراهقة مرحلة مفصلية
اعتباراً من عمر الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، يبدأ الأولاد بإنشاء مساحتهم الخاصة فيرفضون النشاطات العائلية المشتركة التي تصبح نادرة. مع اقتراب مرحلة المراهقة، تشتد حاجتهم إلى التطور بين رفاقهم والتحرر من ضغوط الأهل. يبقى فضول المراهق على حاله لكنه يغير وجهته. يتلاشى بعض اهتماماته السابقة وتظهر اهتمامات جديدة وتنفصل رغبته في الاكتشاف عن رغبات والديه. يبحث المراهق بنفسه عما يروق له ولا يعود الأبوان مسؤولين عن إرشاده. لكن من واجبهما طبعاً أن يسهّلا عليه طريقة تطوير اهتماماته، ما يعني أنهما يستطيعان مراقبة تطور أذواق المراهق لكن من دون السعي إلى تشكيلها.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
