سندفن الشهداء وينشف الدمع ولكن الجرح يبقى غائرا
زهير كاظم عبود
من منكم ضيع ولده في الجبل ؟ من منكم ترك خلفه رضيعا كان يعتقد انه على صدر أمه ، واعتقدت امه ان والده جلبه عند الهروب مع باقي الأخوة ؟ من منكم من يتحمل أن ينقل والده الشيخ المقعد فتركه في المنزل تحت رحمة الله والقدر مع بعض الأرغفة وقنينة من ماء ؟ من منكم تفرقت به السبل فكانت عائلته في طرفين لا يلتقيان ؟ من منكم أكل ورق اشجار التين الخشن والجاف ، وعلس الاعشاب التي لا يعرفها ؟ من منكم يخدع اطفاله بقرب الوصول الى السلامة وتوفر الماء والطعام وهو يحث الخطى بتثاقل في السراب ؟
أقول من منكم ترك أعز ما يملك وفر بجلده لتنجو بناته من تدنيس داعش ؟ من منكم تلفت الى قريته الوادعة تاركا خلفه كل الذكريات والصور الجميلة والحياة البسيطة ؟ من منكم يركض هاربا حافيا لا يملك سلاحا للدفاع عن نفسه من وحوش تشبه البشر ولا تليق بالحيوانات التشبه بها ؟ من منكم يحمل طفلين لا يقويان على المشي ويسحل ثالثا وزوجته حامل تنزف تحت صخور جبل سنجار لا يعرف ماذا يفعل ؟ من منكم نفذ عنده الماء والزاد وما عادت النقود تفيد بشيء ابدا فليس لها قيمة ؟ من منكم فر من بيته دون مستندات تثبت اسمه وهويته ؟ من منكم التحف العراء وجعل من نفسه خيمة لأولاده وحارسا في الليل البهيم ؟ من منكم بقي دون طعام أو شراب اربعة او خمسة أيام بانتظار المجهول ؟ من منكم ترك شخصا معوقا لا يتمكن من نقله او حمله ؟ من منكم دمعت عيناه وهو ينظر لقبور اهله واصدقاءه بصمت ؟ من منكم ترك ارضه ومحصوله واشجار الزيتون والتين التي يرعاها كل عمره ويستظل بها ويأكل من خيرها ؟
من منكم أخوتي كان يفكر في صورة من صور المأساة التي حلت بشعب اعزل ، مسالم ووديع ، معزول وراض بواقعه ، مقتنع بديانته وخاضعا لرجال دينه واعرافه القبلية التي تذبحه ؟ من منكم أحصى عدد المدفونين في تراب الجبل ؟ من منكم احصى لوعة الأطفال المعذبين بين ايادي امهاتهم بعد أن شح الماء ولم تعد الصخور تنضح ولا الاشجار تحمل ؟ من منكم اخوتي احصى كمية الدمع الذي سال من عيون الأمهات والبنات والشيوخ والأطفال والرجال الذين تغلب عليهم الحسرات والحزن فما عاد يتكسر في صدورهم ؟ من منكم لا يعرف مصير بناته الأسيرات دون خلاص ؟ من منكم لم يدفن قتلاه والشهداء المدافعين عن شرف الأيزيديات وتراب سنجار وبعشيقة والشيخان .
ستنشف الدموع ، وسيتم دفن الشهداء ، وسيعود من يعود ، ويهاجر من يهاجر ، ولكن الجرح يبقى غائرا وعميقا عمق الضحايا وكبر المأساة ، فرمان ليس ككل الفرمانات ، الوجع الأدمي ينخر النفوس ، والأطفال الرضع اكتفوا بتراب الجبل يملأ وجوههم وافواههم ، والصغار تتلفت لعل خلاصا يحل عليهم دون أن يعرفوا السبب ، والوجع الآدمي كبير في هذا الفرمان فهل من فرمان أخف !!.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
