الپيشمرگة تاريخها أقدم من العراق الحديث
د.نايف كوردستاني
لم يكن مصطلح الپيشمرگة Pêşmerge)) الذي يعني حرفيًا باللغة الكوردية (الذين يواجهون الموت)، أو (الفدائيون) مجرد تسمية عسكرية عابرة، بل هو تعبير مكثّف عن فلسفة وجود، وثقافة صمود نبتت من رحم الجبال، وصاغت التاريخ المعاصر للشعب الكوردستاني. يرتبط هذا المفهوم برباط وثيق بوجدان أمة واجهت عبر القرون حملات محو الهوية وطمسها، وصهرها، في بوتقة العروبة، وتقسيم الجغرافية. إن تاريخ الپيشمرگة هو تاريخ الحركة التحررية الكوردية نفسها إذ تحوّل المقاتل الكوردي من مدافع عن قريته، وجبله إلى مقاتل نظامي يحمي كيانًا دستوريًا معترفًا به دوليًا، ويخوض حروبًا نيابة عن الإنسانية جمعاء ضد أعتى التنظيمات الإرهابية.
تعالوا معي لنجري حفريات تأريخية في مطلع القرن العشرين حول دور الكورد في بناء المؤسسة العسكرية العراقية، بعد أحداث ثورة العشرين في العراق تقرّر تأسيس حكومة عراقيّة مؤقتة يديرها مجلس وزراء على أن ينتخب ملك عربي للبلاد يُشكِّل الحكومة، وبناءً على هذا شُكِّلت الوزارة الأولى في (25تشرين الأول 1920) برئاسة (عبد الرحمن النقيب)، وانتخب الضابط الكوردي الفريق (جعفر العسكري) وزيرًا للدفاع ضمن التشكيلة الوزارية.
وفي (6 كانون الثاني 1921) انعقد أول اجتماع رسمي برئاسة الفريق (جعفر العسكري)، وبحضور (الميجر إيدي -المستشار البريطاني للوزارة-) في منزل (عبد القادر باشا الخضيري) المطل على نهر دجلة قرب الباب الشرقي، وكان أغلب الضبّاط الحاضرين من القومية الكوردية خلال الاجتماع تم تداول مواضيع عديدة، منها: تثبيت الرتب، وعلاماتها، والزي العسكري، وشارات الصنوف، والرواتب، والمصطلحات العسكرية باللغة العربية.
حصل الفريق (جعفر العسكري) في (25 آذار 1921) من خلال رسالة شخصية موجهة إلى الأمير (فيصل بن الحسين) على الموافقة في إنشاء الجيش الوطني العراقي، وخلال شهر حزيران تطوّع (٣٣٤) جنديًا، وجرى تدريب الضبّاط، والمتطوعين على يد الضابط الكوردي (محمد أمين زكي) في دورة سريعة ليتم بعد ذلك تشكيل أول فوج في (28 تموز1921) باسم فوج (الإمام موسى الكاظم). وكان آمر الفوج كوردي من مدينة السليمانية اسمه (محمد أمين الشيخ عبد الغفور).
كان للضباط الكورد دور بارز، وفعال في تأسيس، وتنظيم الجيش العراقي فضلًا عن الأسماء التي ذكرت، فقد كان هناك ضباط آخرون أخذوا على عاتقهم مسؤولية تشكيل، وتنظيم الوحدات، والتشكيلات، والمؤسسات العسكرية، والصنوف … إلخ. ومع كل هذا إلا أن الجيش العراقي الذي جاهد الضباط الكورد في تأسيسه أصبح فيما بعد القوة التي اعتمدت عليها الحكومات المتعاقبة لقمع الشعب الكوردستاني، وإبادة أبناء هذا الشعب المظلوم بشتى الطرق، والوسائل، فضلًا عن ذلك فقد أخذ القادة العسكريون يتخلصون من كبار الضباط الكورد في الجيش العراقي سواء من خلال اغتيالهم، أو إحالتهم إلى التقاعد، كما أن الحروب التي فرضتها الحكومات العراقية على الشعب الكوردستاني دفع بكثير من الضباط الكورد إلى أن يتركوا صفوف القوات المسلّحة، والانضمام إلى الحركات التحررية الكوردية، مثل: (ثورة بارزان الثانية، وثورة أيلول، وثورة گولان).
أبرز آمري الكلية العسكرية من الكورد في الجيش العراقي المقدّم (محمد أمين زكي)، والمقدّم (توفيق وهبي معروف)، والعقيد (خالد محمد الزهاوي)، والعقيد الركن (علي غالب إسماعيل)، والعميد (أحمد صالح سليم). بعد تأسيس الجيش العراقي في سنة (1921) فكّر القادة العسكريون العراقيون من القوميتين العربية، والكوردية في تطوير فن القيادة، والإدارة لضباط الجيش العراقي في المستويات جميعها بسبب حاجتهم الماسة إلى ضبّاط مهنيين ذات كفاءة عالية، ومعرفة شاملة بالعلوم العسكرية التي تؤهلهم في قيادة، وإدارة مقرات، وتشكيلات، ووحدات الجيش العراقي. ومن هذا المنطلق قرروا تأسيس مدرسة الأركان على غرار (كلية الأركان البريطانية) بتاريخ (1 كانون الثاني 1928) في ثكنة الكرادة، وبعد مرور شهرين من تأسيسها تم فتح ثلاث دورات متتالية، ومدة كل دورة (3) أشهر للضباط القدامى، ومن ثم فتحت أول دورة أركان تجريبية ضمت (15) ضابطًا في (21 أيلول 1929)، ولمدة (8) أشهر، وكان أبرز آمري كلية الأركان العراقية من الكورد، وهم كل من العميد الركن (حسين فوزي حسن)، واللواء الركن (نور الدین محمود)، والعميد الركن (كمال مصطفى)، والعميد الركن (نجيب أبتر عمر زنكنة)، واللواء الركن (صلاح الدين عبد القادر)، والعميد الركن (محمد نجم الدين زين الدين النقشبندي)، واللواء الركن (بهاء الدين بك نوري).
أمّا وزراء الدفاع من الكورد في الجيش العراقي، فهم: (جعفر العسكري)، و(صبیح نشأت)، و(محمد أمين زكي عبد الرحمن)، و(جلال بابان)، و(تحسين علي)، و(عمر نظمي صفوان بابان)، و(نور الدین محمود)، و(أحمد مختار بابان)، و(سامي فتاح) وزير الدولة لشؤون الدفاع. أمّا رؤساء أركان الجيش العراقي من الكورد، فهم: الفريق الركن (بكر صدقي بن شوقي)، والفريق (حسين فوزي حسن)، والفريق (أمين زكي سليمان)، والفريق الركن (نورالدين محمود)، والفريق الركن (إسماعيل نامق)، والفريق الركن (محمد رفیق عارف)، والفريق (بابكر بدرخان شوكت زيباري).
بعد نجاح الضباط الأحرار بقيادة (عبد الكريم قاسم)، و(عبد السلام عارف) في (14تموز 1958) من إسقاط نظام الحكم الملكي في العراق، ومنذ اليوم الأول من نجاح الثورة أيّد الكورد تلك الحركة متأملين أن تكون نهاية لمعاناتهم، وقد بلغ عدد الضبّاط الأحرار (310) ضباط، ومنهم عدد من الضباط الكورد، مثل: العقيد (عبد الله سعيد)، والعقيد (فتاح شالي)، والرائد الركن (مصطفى عزيز)، وغيرهم.
وعلى إثر تلك الحركة عاد الزعيم الكوردي (مصطفى بارزاني) من الاتحاد السوفيتي بتاريخ (6 تشرين الأول 1958)، وعند وصوله إلى الأراضي العراقية جرى استقباله من قبل مكونات الشعوب العراقية، ورحّب به على المستوى الحكومي، إذ كانت عودة البارزاني، ودعمه للحكومة الجديدة أمرًا مهمًا بالنسبة للسلطات. وقد شهد العراق في العام الأول من حكم (عبد الكريم قاسم) مرحلة جيدة إلى حد ما، وكانت علاقاته مع قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني بزعامة (مصطفى بارزاني) حتى نهاية سنة (1959) علاقة ودية إلا أنها بعد ذلك أصبحت تضعف شيئًا فشيئًا؛ إذ انحرفت ثورة (14) تموز عن بعض أهدافها، ومبادئها، ولجأ (عبد الكريم قاسم)، و(عبد السلام عارف) إلى اتخاذ جملة من القرارات الانفرادية خلفت صراعات بين أعضاء اللجنة العليا للضباط الأحرار؛ وذلك من خلال إبعاد زملائه الضباط الأحرار عن بغداد، والمراكز القيادية. كما أن امتناع (عبد الكريم قاسم)، و(عبد السلام عارف) عن تشكيل المجلس الوطني لقيادة الثورة كما اتفقت عليه اللجنة العليا للضباط الأحرار قبل قيام الثورة أزم الخلافات بين الضباط، وكشف عن مقاصد (عبد الكريم قاسم) للانفراد بالحكم، وسير الحكومة نحو نظام دكتاتوري تسلطي يقوده منفردًا. ولم تقتصر الخلافات على هذا فقط، بل كان يوجد اختلاف واضح بين الثنائي عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف من حيث الانتماء السياسي والعقائدي لكل منهما، فكانت لــ (عبد السلام عارف) علاقات بحزب البعث العربي الاشتراكي بواسطة (فؤاد الركابي)، أما (عبد الكريم قاسم)، فكانت علاقاته مع الحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الشيوعي عن طريق (رشيد مطلك)، و(حسين جميل).
في مطلع سنة (1960) قام (عبد الكريم قاسم) بتنفيذ مشروعه في إضعاف نفوذ الزعيم (مصطفى بارزاني) بشكل علني إذ اعطى صلاحيات استثنائية لمحافظ أربيل (بدر الدين علي)، ومدير شرطة الموصل (إسماعيل عباوي) بالمباشرة بتسليح العشائر المعادية للبارزانيين تحت ذريعة استعادة الأمن، والاستقرار في مناطق المحافظتين، ودارت بعض المعارك المحلية بين تلك العشائر، والبارزانيين إلا أنها انتهت جميعها لصالح البارزانيين.
عندما أخفقت محاولات (عبد الكريم قاسم) في إضعاف نفوذ البارزاني عن طريق تسليح العشائر المعادية له لجأ إلى ملاحقة الكوادر، والقياديين الحزبيين، واعتقل عددًا كبيرًا منهم. أخذت السجون، والمعتقلات في (بغداد، وكركوك، والموصل، وأربيل، وجلولاء) تعجُّ بكوادر الحزب الديمقراطي الكوردستاني، والمواطنين الكورد، وأصبح أغلب الكوادر القيادية للحزب إما قابعون في السجون، والمعتقلات، أو مطاردون من قبل الحكومة. وبسبب حملة الاعتقالات التي أخذت تشنها حكومة (عبد الكريم قاسم) أصدر المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني تعليمات تدعو إلى التحاق كل عضو مهدّد بالاعتقال إلى كوردستان، ومن دون تأخير، ومن ثم استمر (عبد الكريم قاسم) في الانحراف عن مبادئ، وأهداف ثورة (14) تموز إذ تراجع عن قانون الإصلاح الزراعي بعرقلة سياسة الإصلاح بموالاة الإقطاعيين، كما أنه قام مع أجهزته بالانحياز، وبشكل علني إلى الإقطاعيين باللجوء إلى مخالفات صريحة لصالح الإقطاعي، وتوزيع الأراضي على أساس عشائري خلافًا للقانون، فأبقى مئات الآلاف من الفلاحين تحت رحمة الإقطاع، فقام الاقطاعيون باستغلال توتر العلاقات بين (البارزاني)، و(عبد الكريم قاسم)، وابتزوا الحكومة، وقاموا بالانتقام من الفلاحين شر الانتقام.
وفي شهر تموز من سنة (1961) بدأت الحكومة بمراقبة، ومن ثم طرد الضباط، والموظفين الكورد في الجيش، والمؤسسات المدنية في المحافظات الكوردية، ومن ضمنهم الفنيين، والموظفين، والعمال البارزانيين الذين كانوا يعملون في معامل السكر، والغزل، والنسيج بحجج واهية، وهي عدم تسجيلهم في تعداد سنة (1957) حيث كانوا لاجئين في الاتحاد السوفيتي، ومن ثم بعد قامت الحكومة العراقية بتحويل المبالغ المالية جميعها المخصصة لنفقة البارزانيين الذين كانوا قد عادوا من الاتحاد السوفيتي إلى العشائر المعادية لهم.
نتيجة للظلم، والاضطهاد، والاستفزازات المستمرة التي اتخذتها السلطات منهجًا في معاملتها مع كوادر، ومؤيدي الحزب الديمقراطي الكوردستاني أصدر الحزب الشيوعي العراقي بيانًا، وضح فيه بصورة جلية تلك الأعمال الإجرامية، وطالب فيه الجماهير، والقوى الوطنية إلى توطيد جبهتها من أجل إيقاف الاستفزازات ضد البارزانيين، والحزب الديمقراطي الكوردستاني إذ أصبح الشعوب العراقية بصورة عامة، والشعب الكوردستاني بصورة خاصة يعانيان من نتائج هذه السياسة التي كانت تدفع النظام تدريجيًا نحو الهاوية. في تلك الآونة لم تكن الأوضاع في كوردستان ملائمة لإعلان ثورة؛ لأن الحزب الديمقراطي الكوردستاني الممثل الرسمي للشعب الكوردستاني لم يكن قد أكمل المقاومات الأساسية التي تؤهله لخوض الحرب الثورية ضد النظام، وهذا ما كان يلمح إليه الزعيم (مصطفى بارزاني) قبل اندلاع الثورة، ففي تموز (1961) أوفدت اللجنة المركزية للحزب (جلال طالباني) إلى منطقة بارزان لعرض رأي اللجنة المركزية على (البارزاني الخالد) حول إعلان الثورة، فأبدى (مصطفى بارزاني) رأيه بأن الوقت ليس مناسبًا للقيام بعمل عسكري، أو إعلان الثورة، و يجب أن تقتصر الإجراءات على الاستعدادات لمواجهة أي اعتداء قد تقوم به السلطات العراقية، وأمر بتشكيل فصائل مسلحة سرًا من منتسبي الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
وفي (11أيلول 1961) كانت بداية الثورة الكبرى حيث شنّت القوات الجوية العراقية غارات متواصلة على القرى، وتجمعات الجماهير، وأنزلت دمارًا شاملًا، وخسائر جسيمة بأبناء الشعب الكوردستاني، ثم شنّت القوات الحكومية هجومًا على المناطق الكوردستانية، حتى اضطر الشعب الكوردستاني في نهاية المطاف أن يحمل السلاح، ويعلن الثورة ضد السياسة الظالمة للحكومة العراقية، وقد نشبت معارك دموية، وعنيفة بين الطرفين استمرت حتى سنة (1975).
على الرغم من أن العراق شهد انقلابات عديدة، وحكومات متعاقبة إلا أن جميعها كانت ذات نهج واحد، وعقلية واحدة في التعامل مع قضية الشعب الكوردستاني بهدف محو هويته، وإرغامه على العيش، والخضوع في ظل أنظمة دكتاتورية بقوة السلاح، والنار، وهذا ما لم يقبله الأحرار من الشعب الكوردستاني. ومع هذا فكانوا يتأملون خيرًا مع تشكيل أية حكومة جديدة، ويدخلون معها في المفاوضات رغبة منهم بإحلال السلام، والحصول على مطالبهم المشروعة من دون إراقة الدماء بين أبناء الشعوب العراقية، ولكن السلطات، والأنظمة المتعاقبة في العراق ما إن استقرت على عرش السلطة تبدأ بالهجوم بوحشية على أبناء هذا الشعب المظلوم إلا أن تلك الأنظمة لاقت مصائر مروعة بسبب ذلك النهج المنحرف عن الوطنية. وبخصوص سياسة (عبد الكريم قاسم) فسارت به إلى إعلان الانقلاب ضده في (8 شباط 1963) من قبل حزب البعث العربي الاشتراكي، وأعدم في يوم (9 شباط 1963) مع عدد من رفاقه في دار الإذاعة ببغداد.
قبل أن يتبلور مصطلح الپـيشمرگة رسميًا في القرن العشرين كانت النواة الأولى لثقافة الپـيشمرگة رسميًا تتمثل في المقاومة العشائرية، والإماراتية الكوردية ضد الإمبراطوريات المهيمنة (العثمانية، والصفوية)، ثم ضد القوى الاستعمارية، والدول الناشئة بعد الحرب العالمية الأولى، واتفاقية (سايكس بيكو) في سنة (1916) التي جزأت كوردستان.
لمحات سريعة عن الجذور التأريخية لقوات الپـيشمرگة:
– انتفاضة الشيخ (عبيد الله النهري) في عام (1880) شارك فيها البارزانيون ضد السلطات العثمانية.
– انتفاضة الشيخ (عبد السلام بارزاني) في الأعوام (1914-1909)، وهي امتداد لانتفاضة الشيخ (عبيد الله النهري)، وهي أول حركة مسلّحة في القرن العشرين لها هدف سياسي واضح أوصلت مطالبها بوضوح إلى الحكومة العثمانية، وتفوح منها رائحة مطالب سياسية منظمة.
– حركة الشيخ محمود الحفيد برزنجي في (28 أيار 1919) قاد حركة مقاومة مسلحة بمعية (300) مسلح من فرض سيطرته على مدينة السليمانية، واعتقال وكيل الحاكم السياسي البريطاني.
– انتفاضة بارزان الأولى (1932-1931): بقيادة الشيخ (أحمد بارزاني).
– انتفاضة بارزان الثانية (1945-1943) بقيادة (مصطفى بارزاني)
تُعد منطقة بارزان المهد الفكري، والروحي الأول لثقافة التضحية المنظمة تحت قيادة الشيخ (عبد السلام بارزاني) في أوائل القرن العشرين، ثم شقيقه الرائد الروحي للحركة التحررية الشيخ (أحمد بارزاني)، ومعهما القائد التاريخي الزعيم (مصطفى بارزاني) بدأت صياغة دستور أخلاقي للمقاتل الكوردي. لم تكن المعارك مجرد ردود فعل عسكرية، بل استندت إلى مبادئ إنسانية متقدمة، مثل حماية البيئة، والتعايش الديني بين (المسلمين، واليهود، والمسيحيين، والإيزيديين) هذا الإرث الأخلاقي هو الذي شكّل فيما بعد العقيدة العسكرية للپـيشمرگة.
مما لا يمكن إنكاره أن مناطق بارزان تحولت إلى محرقة حقيقية باعتراف السلطات نفسها، فقد اعترف (نوري السعيد) بنفسه بأنه “حتى أشجار بارزان احترقت”! وتعرض سكانها إلى النفي والتشريد.
-ولادة مفهوم الپـيشمرگة في عام (1946) في مهاباد بصورة رسمية.
شهد عام (1946) المنعطف التاريخي الأبرز إذ وُلد مصطلح (الپـيشمرگة) رسميًا، وبشكل مؤسسي عند تأسيس جمهورية كوردستان الديمقراطية في مهاباد (شرق كوردستان/إيران) بقيادة رئيسها (القاضي محمد)، أُطلق اسم (الپـيشمرگة) رسميًا على القوات المسلحة الفتية للجمهورية.
تولى الجنرال (مصطفى بارزاني) قيادة جيش جمهورية كوردستان، وبعد انهيارها نتيجة المؤامرات الدولية، والانسحاب السوفيتي رفض البارزاني الخضوع، وقاد مع (500) من رفاقه الپـيشمرگة مسيرة ملحمية سيرًا على الأقدام خارقين الحصار الإيراني، والتركي، والعراقي عابرين نهر (آراس) باتجاه الاتحاد السوفيتي في رحلة لجوء دامت (12) سنة.
بعد عودة الزعيم (مصطفى بارزاني) من الاتحاد السوفيتي عقب ثورة (14 تموز 1958) في العراق دخلت الحركة التحررية مرحلة جديدة من التنظيم العسكري، والسياسي. اندلعت ثورة أيلول التحررية في (11 أيلول1961 )، وتعدُّ أكبر ثورة قومية مسلحة في تاريخ الشعب الكوردستاني، وهي أعظم ثورة لأنها كانت تشمل مناطق كوردستان. تحولت الپـيشمرگة خلالها من مجاميع صغيرة إلى جيش شبه نظامي يمتلك هيكلية واضحة من (الفصائل، والسرايا، والأفواج، والألوية).
أجبرت الانتصارات العسكرية للپـيشمرگة الحكومة العراقية على توقيع بيان (11 آذار 1970) التاريخي الذي اعترف لأول مرة بالحكم الذاتي للشعب الكوردي، وهو الثمرة السياسية الأولى لتضحيات الپـيشمرگة.
ففي (26 أيار 1976) انطلقت ثورة (گولان) التقدمية بقيادة القيادة المؤقتة للحزب الديمقراطي الكوردستاني برئاسة (إدريس بارزاني)، و(مسعود بارزاني) عادت الپـيشمرگة إلى الجبال لتثبت للأنظمة الدكتاتورية أن جذوة المقاومة لا تنطفئ برحيل الحلفاء، أو تغير المصالح الدولية.
ارتكب النظام العراقي البعثي السابق جرائم بحق شعب كوردستان:
– تغيير ديموغرافية المناطق الكوردستانية كان ضمنَ إطار سياسة الترحيل القسري حيث مُورس الترحيلُ، وتعريب المناطق الكوردستانية التي أضيفت إلى دولة العراق قبل تأسيس دولة العراق، وبعده في سنة (1963) بعد استيلاء البعثيين على الحكم دخلت خطط الترحيل، والتعريب، والتبعيث مرحلة واسعة، وشديدة، ففي تلك المرحلة تعرّضت (42%) من أراضي كوردستان لحملات الترحيل، وتهجير السكان من أراضي آبائهم، وأجدادهم.
– وفي سنة (1970) بدأت جرائم الترحيل القسري ضد الآلاف من الكورد الفيليين، وبعدها، وفي مرحلة أخرى للترحيل التي كانت بموازاة تدمير القرى بعد سنة (1974)، وامتدت حتى سنة (1979).
– أما الإخفاء القسري، والأنفال، والإبادة الجماعية، فهي جريمة أخرى من جرائم الحكومات العراقية ضد المواطنين الكورد، ففي سنة (1980) تم تهجير (12000) شابًا كورديًا فيليًا من قبل الحكومة العراقية، وضمن سلسلة الجرائم المرتكبة ضد الكورد الفيليين تم تهجير عشرات الآلاف منهم من العراق إلى إيران بعد أن تم تجريدهم من هوياتهم، ومستمسكاتهم القانونية.
– وفي (31تموز1983) هاجمت القوات العراقية المجمعات السكنية القسرية في قوشتبه (القدس، والقادسية(، و(هرير، وبحركة، وديانا)، واعتقلت(8000) من الرجال البارزانيين.
– في سنة (1988) بدأت حملة (الأنفال) على (8) مراحل من العمليات العسكرية غير الإنسانية ضد الكورد أباد خلالها النظام العراقي السابق أكثر من (182000) مواطن كوردي بريء.
– وفي (16 آذار 1988) نفّذ النظام العراقي البعثي جريمة قصف مدينة (حلبـچـة) بالسلاح الكيمياوي التي راح ضحيتها (5000) شهيد من المدنيين.
– دَمّرت الحكومة العراقية بيئة كوردستان من خلال زرع الألغام في الغابات، والجبال، والطرق، وتهديم، وحرق (4500) قرية.
شكّل عام (1991) نقطة التحول الكبرى في مسار الپـيشمرگة حيث تحولت من حركة جبليّة إلى قوة نظامية تدير إقليمًا شبه مستقل، وفي (5 آذار1991) تلاحمت الجماهير الكوردستانية مع قوات الپـيشمرگة التي انضوت تحت راية الجبهة الكوردستانية في انتفاضة عارمة انطلقت من رانية، وتمددت لتشمل السليمانية، وأربيل، ودهوك، وصولاً إلى كركوك، وطرد قوات النظام، وفرضت الأمم المتحدة قرار الملاذ الآمن بقرارها التاريخي المرقم (688) في (5نيسان 1991) بحظر الطيران، مما وفّر حماية دولية لإقليم كوردستان.
مع إجراء أول انتخابات برلمانية وتشكيل حكومة إقليم كوردستان في عام (1992) بدأت الخطوات الأولى لمأسسة قوات الپـيشمرگة، وتأسيس وزارة شؤون الپـيشمرگة. تحول المقاتلون الثوار تدريجيًا إلى قوات نظامية يتلقون التدريب في كليات عسكرية متخصصة.
وخلال عملية (تحرير العراق) من زمرة (صدام حسين)، وأزلامه في عام (2003) كانت قوات الپـيشمرگة الشريك الأرضي الوحيد، والموثوق لقوات التحالف الدولي في الجبهة الشمالية، وقد ساهمت البيشمرگة بفعالية في تأمين مدينتي (نينوى، وكركوك)، ومنع الفوضى، وملاحقة عناصر نظام (صدام حسين) المتوارية. وأثبتت انضباطًا عاليًا في التعامل مع المكونات العرقية، والدينية المختلفة في المناطق المختلطة.
وبفضل حنكة، وحكمة القيادة السياسية الكوردستانية، وتضحيات الپـيشمرگة نجح الكورد في تثبيت مكانة هذه القوات البطلة بالدستور العراقي الدائم لعام (2005)، فقد نصت المادة (121/خامسًا) على أحقية إقليم كوردستان في إنشاء قوات أمن داخلي، وحرس للإقليم (الپـيشمرگة) مما منحها غطاءً دستوريًا، وقانونيًا محليًا، ودوليًا بوصفها جزءًا شرعيًا من المنظومة الدفاعية للعراق.
ومن الجدير بالذكر أن المجلس الوطني لكوردستان- العراق شرّع قانون وزارة الپـيشمرگة لإقليم كوردستان- العراق بالقانون المرقم (19) لسنة (2007).
الپـيشمرگة كسرت أسطورة (داعش) الإرهابي، وقاتلت نيابة عن العالم (2017-2014)، تعد الحرب ضد تنظيم (داعش) الإرهابي المحطة الأبرز في التاريخ المعاصر الپـيشمرگة حيث تحولت من قوّة إقليمية إلى جيش عالمي يدافع عن قيم التسامح، والتعايش الإنساني.
وتأسيسًا على ما تقدّم يمكننا القول بأن:
– الپيشمرگة تاريخيًا أقدم من دولة العراق الحديثة التي تأسست في سنة (1921).
– الكورد أسسوا النواة الأولى للجيش العراقي في عام (1921)، لكن بعد أن ثبّت الشوفينيون أقدامهم في السلطة أحالوا الكورد إلى التقاعد، ومن ثم قاموا بتصفيتهم، واستبعادهم من المناصب الحكومية، وقمعوا الشعب الكوردستاني على مراحل مختلفة من تعاقب الحكومات العراقية.
– الپيشمرگة وقفت بوجه الحكومات الدكتاتورية التي حاولت صهر الكورد في بوتقة العروبة، وتعويم القضية الكوردية، وعدم الاعتراف بحقوق شعب كوردستان.
– الپيشمرگة قادت ثورتي (أيلول) التحررية، و(گولان) التقدمية.
– الپيشمرگة طهّرت أرض كوردستان من البعثيين، وأزلامه في انتفاضة (سرهلدان) بعام (1991)، وكانت نقطة تحوّل تاريخيّة في التاريخ الكوردي المعاصر.
– الپيشمرگة لم تحارب الحكومات على أساس عنصري قومي؛ لأنها مؤمنة بالإخوة الكوردية العربية لكن المشكلة كانت تكمن مع الحكومات الرجعية التي همّشت الكورد.
– الپيشمرگة شاركت في عمليات تحرير العراق من حكومة البعث الصدامي في عام (2003).
– الپيشمرگة حافظت على الأمن، والاستقرار في (نينوى، وكركوك) من بعد عام (2003).
– الپيشمرگة جزء أساسي من المنظومة الدفاعية للعراق.
– الپـيشمرگة ساعدت آلاف العوائل النازحة الهاربة من جحيم (داعش) الإرهابي إبّان عمليات النزوح في سنة (2014).
– الپيشمرگة ساعدت، وشاركت، ودعمت تحرير محافظة (نينوى) من تنظيم (داعش) الإرهابي.
– الپيشمرگة حررت قضاء (شنگال)، وناحيتي (زمار، وربيعة)، وسد الموصل، وسهل نينوى، وساهمت بتحرير قضاء (تلعفر).
– الپـيشمرگة لم تشهر سلاحها يومًا بوجه العراقيين الوطنيين الشرفاء، أو هددت حياتهم، وأمنهم، واستقرارهم.
– الپيشمرگة لم تكن عنصر تهديد للدول الإقليمية، والمجاورة للعراق بزعزعة الوضع الأمني فيها، أو ضربها بالطائرات المُسيّرة.
– الپيشمرگة لم تستهدف البعثات الدبلوماسية في العراق، ولم تخطف الشخصيات الدبلوماسية أيضًا.
– الپيشمرگة ليست لديها مكاتب اقتصادية في محافظات (نينوى، وكركوك، وصلاح الدين، وديالى)!
– الپيشمرگة لم تنصّب سيطرات بين المحافظات العراقية، وتأخذ (الگمارك) من السيارات المحمّلة بالمواد!
– الپيشمرگة لم تأخذ الإتاوات (الخاوات) من المواطنين في السيطرات بحجج مختلفة.
– الپيشمرگة لم تمنع المواطنين من شراء البيوت، والأراضي، أو بناء البيوتات إلا بعد دفع الأموال مثلما تفعل بعض الجهات، أو الفصائل المسلحة الخارجة عن القانون!
– الپيشمرگة قوات معترفة بها في الدستور العراقي ضمن المادة (121/ خامسًا) باسم (حرس الإقليم).
– الپيشمرگة لها قانونها الخاص في المجلس الوطني الكوردستاني المرقم (19) لسنة (2007).
– الپيشمرگة قدمت في حربها ضد تنظيم (داعش) الإرهابي (1814) شهيدًا، و(10725) جريحًا، ولايزال (44) منهم في عداد المفقودين.
– الپيشمرگة ليست لها انتماءات، وولاءات خارجية، أو تأخذ الأوامر من خارج الحدود.
– الپيشمرگة حليف، وشريك أساسي في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية الذي تشكّل في عام (2014).
الپيشمرگة درع إقليم كوردستان الحصين، وسياجها المتين، وتاريخ من النضال، وسجل حافل بالبطولات، وقصة شعب واجه الموت من أجل حرية، وحقوق شعب كوردستان على مدى أكثر من قرن من الزمان.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
