شبكة لالش الاعلامية

خيري بوزاني: واقع سنجار بعد اثني عشر عاماً على اجتياح داعش

واقع سنجار بعد اثني عشر عاماً على اجتياح داعش

خيري بوزاني

اليوم مرّ اثنا عشر عاماً على اجتياح تنظيم داعش الإرهابي على منطقة سنجار، والى اليوم آثار ذلك اليوم لم تصبح جزءاً من الماضي بعد.

انتهت المعارك، نعم، وتغيرت خرائط السيطرة أكثر من مرة، نعم، غير أن المدينة لم تخرج تماماً من الحرب. حيث يكفي أن تمر في بعض أحيائها وقراها لترى بيوتاً بقيت على حالها نعم على حالها تماماً، وأراضي زراعية جفّت، وطرقات لم تصل إليها يد الإعمار إلا قليلاً.

أما المصيبة هو ما لا يظهر للعين، فهو أشد قسوة: الخوف الذي بقي في نفوس الناس، والأسئلة التي لم تجد جواباً، والعائلات التي ما زالت تنتظر خبراً عن غائب منذ آب 2014.

ما حدث في الثالث من آب لم يكن هجوماً عسكرياً عابراً، بل عملية منظمة استهدفت الوجود الإيزيدي في موطنه التاريخي. قُتل الآلاف، وخُطف النساء والأطفال، واستُعبد كثيرون، فيما اضطر السكان إلى الهرب نحو الجبل أو النزوح إلى مناطق أخرى. وحتى اليوم، لا يزال نحو ألفين وخمسمئة شخص في عداد المفقودين والمختطفين، ولا تعرف عائلاتهم إن كانوا أحياء أم قتلوا في العراق أو سوريا.

وفي المقابل، ما زالت المقابر الجماعية تُفتح ببطء، وتنتظر عائلات كثيرة نتائج فحوص الحمض النووي كي تتمكن من معرفة مصير أبنائها ودفنهم بما يليق بهم.

قد تبدو هذه الإجراءات، في لغة المؤسسات، ملفات قانونية وفنية تحتاج إلى وقت. لكنها ليست كذلك بالنسبة إلى أم تنتظر ابنها منذ اثني عشر عاماً. الزمن هنا ليس تفصيلاً. كل سنة تمر من دون جواب تعني سنة أخرى من القلق، وربما من الأمل الذي لا تعرف الأسرة إن كان عليها أن تتمسك به أم تتخلى عنه.

لهذا لا يمكن النظر إلى النزوح بوصفه مسألة سكانية أو رقماً يرد في تقارير المنظمات. فقد اضطر مئات الآلاف من الإيزيديين إلى مغادرة سنجار، وظل نحو مئتي ألف منهم، خلال سنوات ما بعد التحرير، يعيشون في المخيمات أو مناطق النزوح. وحتى الذين عادوا لم تكن عودتهم دائماً مستقرة. بعضهم عاد إلى منزل متضرر، وبعضهم وجد قريته من دون مركز صحي أو مدرسة صالحة، فيما بقيت فرص العمل محدودة والخدمات الأساسية ضعيفة.

العودة إلى البيت لا تعني بالضرورة انتهاء النزوح. قد يعود الإنسان إلى عنوانه القديم، لكنه يظل نازحاً في حياته اليومية إذا لم يجد ماءً صالحاً للشرب، أو كهرباء مستقرة، أو عملاً يعيش منه، أو جهة أمنية واحدة يعرف أنها مسؤولة عن حمايته. وهذا، في رأيي، ما لم يُفهم جيداً عند الحديث عن عودة أهالي سنجار. المسألة ليست نقل الأسر من المخيم إلى القرية، بل توفير الشروط التي تجعل بقاءها ممكناً.

تعاني مناطق واسعة من القضاء ضعفاً في شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق والاتصالات. وقد أظهرت متابعات للأسر العائدة خلال عام 2025 أن نحو نصفها لم يكن يحصل بصورة منتظمة على مياه نظيفة. المدارس بدورها تعاني الاكتظاظ ونقص الأبنية والكوادر، أما المراكز الصحية فلا تزال أقل من حاجة السكان، ولا سيما في مجالات الطوارئ والأدوية والرعاية النفسية.

قد تبدو هذه المطالب عادية إذا نُظر إليها من بغداد أو أربيل، لكنها ليست عادية بالنسبة إلى مجتمع تعرض للإبادة. وجود مدرسة جيدة أو مستشفى يعمل بصورة منتظمة ليس خدمة إضافية، بل رسالة تقول للناس إن الدولة لم تنسهم. والعكس صحيح أيضاً؛ فحين يبقى المواطن سنوات ينتظر إصلاح شبكة ماء أو فتح مركز صحي، يبدأ بالشعور بأن غيابه وحضوره متساويان في نظر السلطة.

قبل عام 2014، كان اقتصاد سنجار يعتمد إلى حد كبير على الزراعة وتربية المواشي والتجارة المحلية. لم يكن اقتصاداً غنياً، لكنه كان يوفر لكثير من الأسر مورداً ثابتاً وحياة مستقرة. بعد الاجتياح، تضررت الآبار وشبكات الري، وأُهملت مساحات زراعية واسعة، ثم جاءت موجات الجفاف وارتفاع أسعار الوقود والنقل لتزيد الوضع سوءاً. كما بقي التمويل ضعيفاً، ولم تظهر برامج جدية تساعد المزارعين وأصحاب المشروعات الصغيرة على البدء من جديد.

نتيجة لذلك، أخذ الشباب يفكرون في الهجرة، ثم بدأ بعضهم يغادر فعلاً. وهنا تكمن واحدة من أخطر مشكلات سنجار. فالمدينة لا تخسر سكاناً فقط، بل تخسر أطباء ومدرسين ومزارعين وأصحاب مهن، أي الأشخاص الذين تحتاج إليهم كي تستعيد حياتها. كل شاب يغادر لأنه لا يجد فرصة عمل يترك وراءه فراغاً يصعب تعويضه. وربما يكون هذا النزيف البطيء أخطر، على المدى البعيد، من كثير من مظاهر الدمار التي يمكن إصلاحها بالمال.

هناك أيضاً جانب بيئي لا يحظى بالاهتمام الكافي. فالأنقاض والمخلفات الحربية تؤثر في التربة والهواء، وشح المياه يهدد الزراعة والثروة الحيوانية، فيما يتسع التصحر وتتراجع المراعي. وفي الوقت نفسه، تحتاج المزارات الدينية والمقابر والمواقع الأثرية إلى حماية وتوثيق وترميم. سنجار ليست مجموعة أبنية وطرقات فحسب؛ إنها ذاكرة دينية واجتماعية تشكلت خلال قرون. وإذا أُعيد إعمار المكان من دون حماية هذه الذاكرة، فسنحصل في النهاية على مبانٍ جديدة وهوية مجروحة.

أما الوضع الأمني، فما زال شديد التعقيد. توجد في المنطقة قوات اتحادية، وفصائل تابعة للحشد الشعبي، وقوى محلية متعددة، إلى جانب تأثير حزب العمال الكوردستاني والضربات الجوية التركية المتكررة. وكل جهة تبرر وجودها بالحاجة إلى حماية المنطقة أو الدفاع عن مصالحها. لكن المواطن العادي لا ينظر إلى الأمر بهذه الطريقة. ما يراه هو حواجز متعددة، وأوامر متباينة، وسلاح لا يخضع دائماً لمرجعية واحدة.

كثرة القوات لا تعني بالضرورة وجود الأمن. ففي بعض الأحيان، تؤدي كثرة الجهات المسلحة إلى نتيجة معاكسة، لأنها تجعل المسؤولية موزعة وتسمح لكل طرف بإلقاء اللوم على الآخر. الأمن الذي تحتاجه سنجار هو أمن يخضع للقانون، وتكون قيادته واضحة، ويثق به السكان، لا توازن مؤقت بين قوى قد تتفق اليوم وتختلف غداً.

كان اتفاق سنجار، الذي أبرمته الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان عام 2020، محاولة لمعالجة هذا الوضع. وقد تضمن ترتيبات إدارية وأمنية، إلى جانب وعود بإعادة الإعمار وتسهيل عودة النازحين. لكن معظم بنوده لم يُنفذ بالصورة المطلوبة. فقد استمرت الخلافات بشأن الإدارة والصلاحيات، وبقيت جهات محلية تشكو من عدم إشراكها الحقيقي في صياغة مستقبل المنطقة، كما أثّر تضارب المصالح السياسية والإقليمية في التنفيذ.

ولا يمكن لأي اتفاق يتعلق بسنجار أن ينجح إذا جرى التعامل مع أهلها بوصفهم موضوعاً للتفاوض، لا طرفاً فيه. هذه واحدة من المشكلات التي رافقت القضية منذ سنوات. يتفاوض الآخرون بشأن المنطقة، بينما لا يُمنح سكانها التمثيل الكافي في القرارات التي تحدد أمنهم وإدارتهم ومستقبل أبنائهم.

إلى جانب ذلك كله، لا تزال الآثار النفسية والاجتماعية للإبادة حاضرة بقوة. الناجيات والناجون لا يحتاجون إلى خطابات متكررة عن القوة والصمود بقدر حاجتهم إلى علاج نفسي مستمر، وفرص عمل، وتعويض عادل، وإجراءات قضائية تحاسب الجناة. ليس من الإنصاف أن نطالب الضحية بالصبر كلما تأخرت الدولة في أداء واجبها. الصمود صفة نبيلة، لكنه يتحول إلى عبء حين تستخدمه المؤسسات بديلاً عن الحقوق.

كما تحتاج أسر المفقودين إلى تسريع فتح المقابر الجماعية والتعرف على الرفات، وتحتاج النساء إلى مشاركة حقيقية في سوق العمل والإدارة المحلية، ويحتاج الأطفال إلى تعليم يحميهم من خطاب الكراهية ويعرّفهم بتاريخهم من دون أن يحبسهم داخله. أما قانون الناجيات الإيزيديات، فعلى الرغم من أهميته، فإن قيمته الحقيقية تقاس بمدى وصول الحقوق إلى مستحقيها من دون تعقيدات بيروقراطية أو تأخير طويل.

العدالة الانتقالية في سنجار ليست موضوعاً قانونياً نظرياً. إنها شرط ضروري لإعادة بناء الثقة بين الإنسان والدولة. فلا يمكن مطالبة الأهالي بالعودة إلى مناطقهم، ثم تركهم أمام الجهات نفسها التي فشلت في حمايتهم، أو أمام مؤسسات لا تستطيع أن تقدم لهم جواباً عن مصير أبنائهم.

مع ذلك، لا أعتقد أن مستقبل سنجار مغلق. فالمنطقة تمتلك أرضاً زراعية واسعة، وموقعاً مهماً، ومجتمعاً قادراً على النهوض إذا وجد حداً معقولاً من الاستقرار والدعم. وما تحتاجه ليس سلسلة جديدة من الوعود، بل خطة واضحة تتفق عليها بغداد وأربيل، وتحدد المسؤوليات والميزانيات ومواعيد التنفيذ. ويجب أن تشمل هذه الخطة توحيد المرجعية الأمنية، وإعادة بناء الخدمات، ودعم الزراعة والمشروعات الصغيرة، وحماية الممتلكات، وترميم المزارات، ومعالجة ملف المفقودين.

لكن الشرط الأول يبقى إشراك أهالي سنجار أنفسهم. فلا يجوز أن يكونوا آخر من يعلم بما يُتخذ بشأن مدينتهم. لقد جُرّبت طوال السنوات الماضية حلول كثيرة صيغت بعيداً عنهم، وكانت النتيجة مزيداً من التأخير والشك وعدم الثقة.

بعد اثني عشر عاماً، لم تعد مشكلة سنجار في غياب التشخيص. الجميع يعرف ما الذي تحتاجه المنطقة، وقد كُتبت عشرات التقارير وعُقدت اجتماعات كثيرة. المشكلة الحقيقية هي غياب الإرادة السياسية القادرة على تحويل هذا الكلام إلى عمل.

أهل سنجار لا يطلبون امتيازاً، ولا يريدون أن يبقوا مادة موسمية للخطابات والزيارات الرسمية. ما يطلبونه واضح: أمن لا يتغير بتغير القوى، وخدمات تحفظ كرامتهم، وعدالة تعترف بما وقع عليهم، وإدارة يكون لهم رأي حقيقي فيها. والسؤال الذي ينبغي أن يوجَّه إلى الدولة، بعد كل هذه السنوات، ليس ما إذا كان أهالي سنجار قادرين على الصمود أكثر، بل لماذا يُطلب منهم أن يظلوا صامدين وحدهم؟

تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

___

قاسم مرزا الحندي: حساب الأربعينية في جدلية التقويمين (الميركه والفقراء)

Khidir khalat

فلاح رشوكا: رسالة مفتوحة الى النائب على المتيوتي وجميع المتيوت

Lalish Duhok

عادل نعمان: السيد الرئيس: تجديد الخطاب الدينى مسئولية دولة

Lalish Duhok