تماسك الايزيديين في فكرهم وعقيدتهم
زهير كاظم عبود
حين تعرضت الكويت للغزو سارعت جيوش العالم لتشكيل التحالف الدولي ، والذي احرق الأخضر واليابس ليس فقط لإنهاء صفحة الغزو والاحتلال وتحرير الكويت ، إنما تعدى ذلك إلى تدمير بنية القوات العسكرية العراقية ، ولحق ذلك بتدمير الجسور والمنشآت الصناعية والبنى التحتية والخدمية في العراق ، ثم قرر المجتمع الدولي معاقبة الشعب العراقي بفرض حصار قاتل كانت السلطة الصدامية قد استخدمته أبشع استخدام ضد الشعب وديمومة سلطتها البغيضة عليه بالقوة .
العالم مع الأسف ينظر إلى الأحداث بمنظارين ، احدهما معتم والآخر شفاف ، ولايمكن للدول أن ترى إلا من خلال مصالحها وانسجاما مع موقف الولايات المتحدة الأمريكية ، ولهذا فأن الموقف الدولي يبقى أسير تلك المصالح والانسجام والسير في خطى الدولة العظمى .
وحين تعرضت القرى والمدن التي يسكنها الايزيديون لهجوم شامل ومخطط له ، من قبل مجموعات تتشابه في أشكالها مع البشر ، وتفتقد للضمير والفكر والشرف ، متسلحة بكل أنواع الأسلحة الفتاكة ، بعد أن فسح لها الأخوة الطريق دون مقاومة ، وبعد أن قرر القائد الضرورة أن يتخلى عن هذا الجزء من شعبه ، فحصل ما حصل .
لم يتحرك ضمير العالم ولا اهتزت جدران الأمم المتحدة تعرض شعب وعقيدة إلى مجزرة من بين اكبر المجازر في التاريخ البشري ، لم تتناخى الجيوش الجرارة لكنس تلك الشراذم التي تجمعت من أزبال البلدان ومخلفاتها ، ولم يكن هناك موقف دولي إنساني يمكن أن يعين الأيزيديين في محنتهم ، أو يسهل عمليات تحرير النساء من براثن الدواعش ، والجميع يعرف أن هذه المجموعات إنما تمثل قمة الانحطاط الخلقي والتدني الإنساني ، وإنهم مارسوا واستمروا في ممارسة انتهاك كل قيم حقوق الإنسان ، بعد أن خذلت الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم هذه المجموعة البشرية المسالمة ، ودون أن تحاسب ضميرها أو المسؤولين الذين ساهموا في تمهيد الطريق للدواعش أن يغدروا بخسة وجبن لأهل تلك القرى الوادعة ، ودون أن يتم تسليحهم للدفاع عن أنفسهم على الأقل .
إن هذه المجموعة التي تطلق على نفسها داعش – الدولة الإسلامية – لم تتشكل وتتكون بين ليلة وضحاها ، ولم تأت من القمر إلى الأرض ، هذه المجموعات كانت تحت رعاية وإشراف ، وأماكن تدريب وتسليح ، وتجمعات وأموال تمكنها من التواصل والسفر والتجمع في بلدان متجاورة مع العراق ، هذه المجموعات كانت تتدرب وتنظم حالها حتى تحين اللحظة المناسبة لدخولها العراق ، وليس اعتباطا أن يتم اختيار الأيزيدية ككمون بشري وعقيدة مسالمة لإيقاع الضرر عليها ، وانتهاك شرفها وقتل رجالها ونساؤها وأطفالها وذبح شيوخها وتخريب مزاراتها ، لم يكن اختيار مواقع الحدود للقرى الأيزيدية جرى دون سبب ودون دراسة ، ولم يعد خافيا تلك الصفحة المريرة من التعاون الداخلي والخارجي ، وتلك السيناريوهات المعدة في أروقة دولية لتمرير تلك المأساة ، وليكون الأيزيدية ضحاياها ، بعد أن تأكدوا بان ليس للأيزيدية ميليشيات مسلحة ، ولااسلحة مخزونة للدفاع عن النفس ، وبعد أن تأكدوا من أن العقيدة الأيزيدية لا تبيح القتل ولا الغدر .
اللافت للنظر أن الفكر الوهابي الذي تتسلح به مجموعات داعش فكر عقيم ولا ينسجم مع تطور الحياة ، هذا الفكر يؤمن بان تغيير الفكر والعقيدة يمكن أن يكون بالسيف والذبح ، وهذا الفكر يعتقد بأن كل مخالف له في الدين والمذهب فكرا كافرا ملحدا يستحق القتل ، وعلى جميع أتباع الفكر الوهابي ممارسة القتل والذبح بأسم الإله الذي تؤمن به جماعتهم ، اله قاتل وسفاك ومتوحش ، ومثل كل الحركات التي تتبرقع بالدين وتتخذ منه شعارا وستارا ، تقوم حركة داعش أو ما يسمى بالدولة الإسلامية باعتماد الدين ستارا لعملها ، وتطويع الآيات والأحاديث لصالح فكرها وعقيدتها ، وهي تعتقد إنها بهذه الأعمال الإجرامية تستطيع أن ترهب أعداء الوهابية ومن تعتبرهم في فكرها أعداء دينها .
يمكن للإنسان أن يغير عقيدته أو فكره لأسباب عديدة ، غير أن إجباره وقسره على اعتناق فكر أو دين أو مذهب لايمكن أن تترسخ معه العقيدة ، حتى وان استكان أو اتخذ موقف المؤمن ، تبقى الجذور في أعماق روحه ، وسينقلب في أول فرصة تتاح له ، ولنا في قراءة الارتداد الذي حصل بعد وفاة النبي محمد من قبل قبائل عديدة في الجزيرة العربية مثالا على ذلك ، كما أن المسلمين كانوا يعرضون الإسلام على الكفار أو تعرضهم للقتل بالسيف أن رفضوا ، كانت الغالبية من الكفار ترضخ وتقبل بالدين الجديد ، غير ان عدم إيمانهم وقناعتهم متجذرة في نفوسهم .
وما نلمسه اليوم في العراق السعي الحثيث لتنفيذ مشروع لإقامة دولة يزعم انها دينية ، وان مشروعهم بزعم إقامة الدولة الإسلامية ، في الوقت الذي تتشظى الرؤى والأفكار الدينية إلى عقائد وملل وطوائف ، تتفرع معها الأفكار والتفرعات ، غير إنها جميعا تتخذ من الدين شعارا وستارا لتنفيذ أفكارها وفرضها على الغير قسرا ، بقوة السلطة وبالأجبار والقسر ، وهي بهذه المحاولة لا تختلف عن الفكر الداعشي سوى بالاسم ، ومهما كانت التبريرات والتطمينات ، تبقى الفكرة التي تصطدم بالواقع وبالحياة ، وبما يفرضه العقل ، فلا يمكن أن تبقى متبرقعة ومتسترة بلباس الدين وتطويعه لصالح مشروعها ، فقد كشفت القاعدة وداعش الوجه الحقيقي في التخريب والجرائم حتى عدتها اليوم من بين أكثر الحركات أجراما وخسة في التاريخ البشري ، وتنظيم القاعدة وداعش تتخذان من الإسلام برقعا وستارا ، ومن الفكر الوهابي خارطة للطريق ، وبالتالي فهما يعتمدان الإرهاب والقتل وسائل لنشر الفكر وتطويع العقائد .
العقيدة في اللغة ما ينعقد عليه القلب والضمير ، ما يؤمن به الإنسان ويعتقده ، وحكمها لا يقبل الشك ، وهي دليل على الشدة والوثوق ، ولاشك أن العقيدة الأيزيدية تقوم على ثوابت وقيم ، حالها ككل العقائد البشرية ، وأتباعها ومعتنقيها يؤمنون أيمانا راسخا بهذه الثوابت والقيم ، والأيمان قاعدتهم الثابتة ، ومن يؤمن بهذه العقيدة لايمكن للسكين ان تغيرها في قلبه ، ولايمكن للقوة والإرهاب أن يوقفها في ضمائر الأتباع .
صورة الفلاح الايزيدي الذي يبلغ من العمر فوق السبعين وهو أسير لدى مجموعة من الدواعش يعرضون عليه تغيير ديانته وأن يؤمن بالإسلام أو يتعرض للذبح ، فيتم ذبحه لأنه لا يستطيع حتى وهو في تلك المحنة أو الموقف الذي لا يحاسبه عليه احد أو يلومه احد ، يتمسك بعقيدته الأيزيدية ، ومع ان الإسلام يقول (( لكم دينكم ولي دين )) و (( أدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة )) و (( فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب )) و (( فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر )) ، لكن الدواعش يستلون ما يتناسب مع فكرهم الإجرامي من الآيات ، ويقومون بتطبيقه على الضعفاء والعزل من البشر ، يقومون بالتلذذ بارتكاب الجرائم البشعة التي تتعارض مع المفاهيم الإنسانية والفكرية والحضارية .
وليس أكثر دليلا على الفكر المنحط الذي تؤمن به مجموعة داعش من إنهم يسلبون حلال الناس ويستحوذون على ممتلكاتهم ، كما يسوقون النساء والأطفال سوق النعاج ، يستغلونها في ملذاتهم الجنسية كأي بهائم ، ويقومون ببيع الإنسان الذي كرمه الله على كثير من المخلوقات ، والأيزيدي موحد يؤمن بان الله واحد لاشريك له ، وقتل الموحد جريمة لا تغتفر .
وليس فقط وقائع الذبح والقتل التي تعرض لها الايزيدي ، ولافي اسر بناته وتسويقهن كأي بضاعة قابلة للبيع والشراء ، ولافي استغلال أطفالهم وبيع حلالهم والاستيلاء على أموالهم ، ولا حتى في تخريب مزاراتهم الدينية ، إنما يتعرضون الى صفحة بشعة أخرى سيكون لها مردودا سلبيا في المستقبل على وجودهم البشري ، في تهجيرهم وهجرتهم إلى أماكن بعيدة عن أرضهم ومقدساتهم الدينية .
ولان الفكر يعني العقل ، التأمل والاعتقاد ، انعكاس المباديء التي يؤمن بها العقل والضمير ، ولأن الفكر يعني حركة العقل ، فهو نتاج بشري يعتمد على المعرفة ، وجميع الأديان التي حلت بالبشرية تعتمد الفكر وقواعد الأخلاق في الحياة ، ومن بين تلك الديانات الأيزيدية ، والتي يؤمن بها عدد لا يستهان به من الناس ، والايزيدية تؤمن بفكر بسيط لتوجيه الإنسان نحو الخير والمحبة والتآخي والسلام ، وبعيدا عن التعقيد والتأويل في العقيدة ، فقد ظهرت السبقات الدينية التي يتم اعتمادها غاية في البساطة ، تغلفها نزعات إنسانية ، مع تقديس لكل قوى الطبيعة المعطاء ، وبالرغم من كل تلك المآسي والمجازر والنكبات التي حلت عليهم من جيرانهم وأعداؤهم ، ألا أن قضية الفكر عاندت كل تلك النكبات والمجازر والظروف وبقيت راسخة في ضمائر معتنقيها .
تواجه العقيدة الأيزيدية عقيدة وفكر ضالين ، تتناقض في كل شيء ، وفي الوقت الذي يملك الأيزيدي الأرض ، فأن الداعشي طاريء دخيل على هذه الأرض ، ورغم المحنة يظهر الأيزيدي قيما والتزامات تدلل على قوة عقيدته ، في حين يظهر الدواعش محبتهم للمادة ورغبتهم في القتل وتعطشهم للدم ، إضافة إلى ميلان شخوصهم في انحراف وسادية وانحطاط ، وفي الوقت الذي تبرز قضايا الانحطاط وسوء الخلق بين الدواعش ، يجسد الأيزيدي أسمى معاني التكاتف والتعاطف والشجاعة في جميع المواقف ، كما أن الدواعش يشكلون غلوا في الفكر والعقيدة لا يستقيم مع التطور الحضاري والإنساني ، تبرز القيم والأعراف الأيزيدية عنوانا إنسانيا عريضا .
منظومة دولية وأجهزة تقف مساندة للدواعش في حين يلملم الأيزيديون جراحهم وحدهم ، ويبذلون كل جهدهم وجهادهم من اجل استعادة بناتهم من أنياب الوحوش والبهائم ، وستنتهي صفحة غادرة وماكرة في التاريخ الايزيدي مسجلة بذلك رقما يضاف إلى أرقام تلك الصفحات والفرمانات التي قتلت وذبحت وسرقت ، ولكنها لم تقدر أن تنهي علاقة الإنسان بالعقيدة ، ذلك هو من سيبقى تماسك الأيزيدي بعقيدته وفكرة مهما طالت المنازلة .
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
