جراء “صفقات سياسية”.. الغاز المحروق يتسبب بخسائر للعراق تصل لـ30 مليار سنوياً
من الواضح جدا ان الاقتصاد العراقي مازال ينقصه الكثير والكثير، فعلى الرغم مما تقدمه الحكومة العراقية، الا ان عجلة الاقتصاد مازالت تسير ببطء، فحسب المراقبين ان العراق ومنذ عام 2003 وحتى الان لا يمتلك اي رؤية اقتصادية واضحة تمكنه من السير عليها من اجل الوصول الى الهدف المنشود، وهذا ما بان واضحا من خلال الازمات الاقتصادية التي رافقت انخفاض اسعار النفط، الامر الذي اثر كثيرا على السياسة الاقتصادية للحكومة العراقية، وصل بها الحال الى انها لن تتمكن من دفع مرتبات الموظفين، ما اضطرها الى الاقتراض ولأكثر من مرة.
يرى المهتمون والمعنيون بالشأن السياسي والاقتصادي العراقي، ان ثمة موارد مهملة من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة، وعلى مدى السنين الماضية وصولاً الى هذا الحال للبحث عن بدائل للنفط او موارد اخرى من الممكن ان ترفد خزينة الدولة بإيرادات جديدة، ومن هذه الموارد الغاز الحر الطبيعي والغاز المصاحب للإستخراج، الذي لم يستغله العراق منذ عقود طويلة.
ايرادات خيالية
“الغاز يعد من الثروات الطبيعية النظيفة وحاجة العالم له بشكل كبير خصوصا في توليد الطاقة الكهربائية وفي مشاريع اخرى، ونلاحظ ان الدول التي تعتمد على انتاج الغاز مثل قطر والمكسيك والجزائر وايران وروسيا، تدر عليها إيرادات خيالية”، بحسب عضو مجلس النواب العراقي رياض المسعودي.
وقال المسعودي لشبكة رووداو الاعلامية اليوم الاثنين (16 أب 2021) ان “الغاز في العراق على نوعين، حر طبيعي ومصاحب للنفط، وكلا النوعين موجود في العراق، فالغاز الحر متوفر في حقول عكاز في محافظة الانبار وحقل سيبة في البصرة وحقل المنصورية في محافظة ديالى، بخزين احتياطي ستراتيجي يعد الاول على مستوى العالم”.
وفي أحدث تقرير صادر عن البنك الدولي نشر في تموز الماضي، احتل العراق المركز الثاني عالميا للسنة الرابعة على التوالي بين أعلى الدول إحراقاً للغاز الطبيعي، حيث حل العراق بعد روسيا وتبعته الولايات المتحدة ثم إيران، وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن العراق أحرق عام 2016 ما مجموعه 17.73 مليار متر مكعب من الغاز، ثم ارتفع ذلك عام 2019 ليصل إلى 17.91 مليار متر مكعب يحرق في الأجواء.
واكد المسعودي ان “العراق يمتلك الغاز المصاحب للنفط وهذا يتركز في المحافظات المنتجة للنفط، في كركوك شمالاً والبصرة جنوباً”، مردفاً ان “خسائر العراق سنويا من عدم استثمار الغاز بكلا نوعيه المصاحب والحر، تقدر بـ 12 مليار دولار الى 30 مليار دولار سنوياً، واسباب عدم استثماره تعود للحرب العراقية الايرانية والحصار الاقتصادي والاحتلال الاميركي، وهذه الاسباب ساهمت مساهمة فعالة في تراجع القطاع الغازي والنفطي في العراق”.
ويلفت المسعودي الى ان “استثمار الغاز واستثمار النفط يحتاج الى عقود استثمارية طويلة الامد، تصل مدتها من 30 سنة الى 40 سنة، فإذا كان العراق يرغب في تطوير حقول الغاز لابد من الذهاب باتجاه الاستثمار، وهذا يحتاج الى بنى تحتية بحدود 5 سنوات وبعدها يبدأ بكل تاكيد في انتاج الغاز، كما الان في المشاريع العملاقة كالمشروع الروسي والايراني والتركي”.
“العراق يمتلك موارد معدنية من الشمال الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب بحدود 12 مليار طن من الموارد المعدنية، في مقدمتها الفوسفات والكبريت والبوكسايد والجبس وغيرها الكثير، وقيمتها تصل الى اكثر من 2 تريليون دولار، اذا ما تم استثمارها عبر بوابات الاستثمار الاجنبية”، وفق عضو مجلس النواب رياض المسعودي.
اما بالنسبة لعدم استثمار الغاز في العراق مثلما فعل مع النفط في جولات التراخيص، اشار عضو مجلس النواب العراقي الى ان “البنى التحتية للنفط متوفرة، لكنها غير موجودة لانتاج الغاز وتصديره، وان الشركات التي جاءت واستثمرت النفط في العراق من خلال جولات التراخيص فانها قامت بسرقته، وكذلك الحال في اقليم كوردستان تمت سرقة النفط من قبل الشركات الاجنبية”، مردفاً أن “هذه الشركات لم تخسر شيئاً فهي وجدت بنى تحتية متكاملة ومنصات تصدير النفط، وهذا الامر غير متوفر في الغاز وهو معقد نوعاً ما”.
ويرى المسعودي ان “الاستثمار في الغاز الحر والمصاحب يحتاج الى قرار سياسي والى شركات كبيرة، ونحن لا توجد لدينا بيئة استثمارية، فالاستثمار في الغاز يحتاج الى بيئة امنة وبيئة سياسية وبيئة مالية وادارية من خلال التشريعات الادارية، فضلا عن عدم وجود فساد اداري ومالي”.
وأعلن وزير النفط العراقي إحسان عبد الجبار يوم الاثنين (3 ايار 2021) عن استثمار 3 مليارات دولار في مجال إنتاج الغاز في البصرة جنوبي البلاد، خلال السنوات الخمس المقبلة. جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده الوزير، وأعلن خلاله إقرار الخطة الاستثمارية لشركة غاز البصرة.
وقال عبد الجبار إن الخطة الاستثمارية التي تم إقرارها، تهدف لإضافة 1.4 مليار قدم مكعبة من الغاز المصاحب يومياً، مشيراً إلى أنها ستوفر نحو ألفي درجة وظيفية خلال مدة تنفيذها.
استيراد 20 مليون قدم مكعب ارهق خزينة الدولة
بدوره، قال الخبير الاقتصادي ادريس رمضان لشبكة رووداو الاعلامية اليوم الاثنين (16 آب 2021) ان “العراق يبلغ انتاجه من الغاز المصاحب هو 2.7 مليار قدم مكعب، وهو يستهدف الوصول الى 3.1 مليار قدم مكعب في اليوم، الا ان عدم استغلال الثروات الطبيعية من الغاز اصبح العراق بامس الحاجة للشروع باستثمار الغاز المصاحب اكثر من اي وقت مضى بسبب الاوضاع الاقتصادية وحاجة العراق للعملة الصعبة”.
ووفق تقديرات سابقة، يمتلك العراق مخزوناً قدره 132 تريليون قدم مكعبة من الغاز، جرى إحراق 700 مليار قدم مكعبة منها، نتيجة ضعف القدرة على استغلاله.
ويرى رمضان ان “استيراد العراق من ايران يوميا لـ20 مليون قدم مكعب من الغاز، وهو يحتاج الى 70 مليون قدم مكعب، مع هدر للثروات الطبيعية من الغاز المصاحب والحر، لا شك انه يؤثر على الجانب الاقتصادي بالنسبة للعراق ويرهق خزينة الدولة، مع ان البلاد تمتلك لهذه الثروات وبالامكان الاستفادة منها”.
ويعزو الخبير الاقتصادي اسباب عدم الاهتمام في هذه الثروات وعدم استغلالها لمصلحة المواطن، هو لـ”وجود صفقات سياسية واقتصادية بين القوى السياسية والحكومة في عدم استغلال هذه الثروات الطبيعية وهدرها وعدم الاستفادة منها مما يكلف العراق خسائر مالية كبيرة”.
وكانت قد أعلنت وزارة النفط العراقية يوم الخميس (17 حزيران 2021) افتتاح محطة لإنتاج الغاز المصاحب لاستخراج النفط، بطاقة 20 مليون قدم مكعب قياسية يومياً في حقل “أبو غرب / الجنوب 1” بمحافظة ميسان جنوبي البلاد.
وقال وزير النفط إحسان عبد الجبار في بيان، إن “الطاقة الانتاجية للمشروع تبلغ 100 ألف برميل من النفط وأكثر من 20 مقمق يوميا (المقمق يعادل مليون قدم مكعب قياسي باليوم)، تضاف إلى الانتاج الوطني لرفد محطات الطاقة الكهربائية بوقود الغاز”.
وختم رمضان بالقول، إن “العراق لو كان يستثمر هذه الثروات، فأنه لن يضطر لشراء الغاز من ايران، وانه لو استثمرها بالشكل الجيد لكان العراق الان هو الذي يصدر الغاز الى ايران وتركيا والبلدان الاخرى، ويستفيد من هذه الموارد التي يجني منها ملايين الدولارات لرفد ميزانية الدولة، وخاصة من الغاز المصاحب لاستخراج النفط، وهذا ايضا ينطبق على موارد اخرى التي قد لا يستفاد منها العراق بتاتا”.
يذكر ان شركة “سينوك” الصينية تتولى تطوير حقل “أبو غرب” في محافظة ميسان لإنتاج الغاز المصاحب لإستخراج النفط، ويضطر العراق إلى حرق كميات كبيرة من الغاز المصاحب لاستخراج النفط، لضعف إمكانات الاستثمار.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
