الهجرة المليونية 1991 حين أعاد الرماد صياغة الجغرافيا السياسية
لقمان برزنجي
لم تكن قمم الجبال المكللة بالثلوج في ربيع عام 1991 مجرد ملاذ للمشردين الفارين من بطش الآلة العسكرية العراقية ، بل كانت المسرح الأكبر لعملية تحول جيوسياسي غيرت وجه الشرق الأوسط إلى الابد. إن المسيرة المليونية الكوردية، التي تمر ذكراها لتذكرنا بواحدة من أقسى تراجيديات القرن العشرين، لم تعد مجرد ذكرى للألم بل هي بيان سياسي صاغه شعب بأقدامه قبل أقلامه.
لسنوات طويلة كانت القضية الكوردية تحشر في زاوية الشأن الداخلي للدول التي يتواجد فيها الکورد ، وتقايض في اسواق المصالح الإقليمية، لكن صرخة المليونين على حدود الجوع والبرد عام 1991، كسرت هذا الطوق ، ولأول مرة وجد المجتمع الدولي نفسه أمام استحقاق أخلاقي لا يمكن القفز فوقه بحجج (السيادة الوطنية)، إذ ان الدرس الأول الذي قدمته الهجرة هو أن السيادة التي تبنى على جثث المواطنين تسقط شرعيتها دولياً، لقد كان قرار مجلس الأمن رقم (688) ثمرة مباشرة لهذه التضحيات، حيث شرع التدخل الإنساني كاداة قانونية فوق سيادة الدولة القمعية، مما أرسى سابقة تاريخية في القانون الدولي. وحدة المصير وقوة الرفض العفوي تجلت في عظمة المسيرة المليونية في كونها فعلاً جماهيريا عفوياً تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة. لم يخرج الكورد ببيان سياسي، بل خرجوا بوجودهم المادي، معلنين للعالم ان العودة إلى حظيرة القمع باتت مستحيلة. هذا الرفض الجماعي كان الصخرة التي تكسرت عليها محاولات النظام آنذاك لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل انتفاضة اذار.
لقد اثبتت التجربة ان وحدة الصف في لحظات الخطر الوجودي هي القوة الوحيدة القادرة على انتزاع الاعتراف، وبدون هذا الصمود الأسطوري وسط الثلوج والبرد القاارس القاتل ، لما وجدت القيادة السياسية الكوردية موطیء قدم للتفاوض أو بناء المؤسسات التي نراها اليوم، لقد كانت الهجرة المليونية أول مأساة كوردية تنقل ببث مباشر إلى بيوت الغرب، هنا برز درس قوة الصورة فالمشاهد التي نقلتها الوكالات العالمية حولت الكوردي من متمرد في الجبال إلى إنسان يستحق الحياة والأمان في نظر الرأي العام العالمي.
هذا التحول في الصورة الذهنية كان المحرك الأساسي للضغط على الحكومات الغربية لفرض منطقة حظر الطيران، اما العبرة الأهم من ملحمة 1991 هي ان المكتسبات التي تتحقق بالدم والدموع تتطلب حكمة سياسية للحفاظ عليها. لقد نجح الكورد في تحويل التعاطف الإنساني إلى كيان سياسي اداري دستوري، وهو تحول نادر في تاريخ حركات التحرر.
اليوم تظل الهجرة المليونية تذكيرا دائما بأن الاستقرار الذي يقوم على تهميش المكونات وإقصائها هو استقرار زائف وقابل للانفجار في أي لحظة. إن دروس 1991 ليست للتذكر فقط، بل هي بوصلة توكد أن الحقوق الوطنية لا تهب، بل تنتزع بصمود الشعوب وبقدرتها على لفت انتباه الضمير العالمي في اللحظة التاريخية المناسبة. إن الطريق الذي شقه الملايين وسط الثلوج عام 1991 لم ينتهِ عند الحدود بل كان هو الطريق ذاته الذي أدى إلى البرلمان، والحكومة، والاعتراف الدستوري. لقد كانت مسيرة نحو المجهول، لكنها انتهت برسم معالم الخارطة الجديدة لملامح الحرية والاستقلال.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
