شبكة لالش الاعلامية

شيخ زيدو باعدري: لالش المعبد تحت المجهر

لالش المعبد تحت المجهر

شيخ زيدو باعدري

هذا نقدٌ من أجل الحماية والتطوير لا من أجل التجريح، فالنقد البنّاء هو هدفنا ومسعانا. وأكتب هذه السطور بصفتي واحداً من أبناء المجتمع الإيزيدي الذين عايشوا مراحل مختلفة من تاريخه الحديث، وأسهموا بقدر ما استطاعوا في خدمة قضاياه الثقافية والاجتماعية والقومية.

إن ما أطرحه هنا لا يندرج ضمن باب المعارضة أو الخصومة أو البحث عن الأخطاء، بل هو محاولة صادقة لقراءة الواقع بروحِ المسؤولية، لأن المؤسسات العظيمة لا تُصان بالمجاملات وحدها، بل بالمراجعة والتقييم والتطوير المستمر، كوني متابعاً للشأن الكوردي عامةً، وللشأن الإيزيدي على وجه الخصوص.

لالش بالنسبة للإيزيديين ليس مجرّد معبدٍ أو موقع ديني، بل هو القلبُ النابضُ للديانة الإيزيدية، والرمز الأبرز لهويتها الروحية والتاريخية والفلسفية. فمنذ قرونٍ طويلة بقي هذا المكان المقدّس شاهداً على صمود الإيزيديين في مواجهة عشرات الفرمانات وحملات الإبادة والتهجير ومحاولات الاقتلاع. ولذلك ارتبط اسم لالش بالمقاومة والثبات والبقاء والاستمرارية.

لقد كان لالش دائماً نقطةَ الالتقاء المشترك الدائمي التي تجمعُ الإيزيديين مهما تباعدت أماكنُ إقامتهم، واختلفت ظروفُهم. ففيه يجد المؤمن الإيزيدي جذورَه الروحية، ومنه يستمدُّ شعوره بالانتماء والاستمرارية التاريخية.

إن الحديث عن لالش يختلفُ عن الحديث عن أيّة مؤسسة أو موقع آخر، لأنه يرتبط بالعقيدة والهوية والوجدان الجماعي.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل استطاعت المؤسسات المرتبطة بلالش أن تواكبَ حجم التحوُّلات التي شهدها المجتمع الإيزيدي خلال العقود الأخيرة؟

فالعالم تغيّر، وكذلك المجتمع الإيزيدي، وأعداد المتعلمين والأكاديميين والمختصين ازدادت بشكلٍ كبيرٍ، كما أن الهجرة الواسعة خلقت واقعاً جديداً يتمثل بوجود الآلاف من الإيزيديين في أوروبا وأمريكا وأستراليا. وأصبحت التحديّات أكثر تعقيداً من أيّ وقت مضى، الأمر الذي يتطلب رؤيةً جديدةً وأدواتِ عمل أكثر فاعلية.

إن النقد البنّاء يبدأ من الاعتراف بالإنجازات أولاً. فلا يمكن لأيّ منصف أن ينكر الجهود الكبيرة التي بُذِلت للحفاظ على قدسية لالش وخدمة زوّاره واستمرار رسالته الدينية عبر القرون الماضية. كما لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبه رجال الدين والمهتمون بالشأن الإيزيدي في حماية هذا الإرث العظيم في ظروفٍ لم تكن سهلة أبداً، ومتّسمة بالمخاطر الجمّة.

لكن الاعتراف بالإنجاز لا يعني تجاهُل جوانب القصور أو الامتناع عن طرح الأسئلة الضرورية.

فهل توجدُ اليوم استراتيجيةٌ واضحةٌ للحفاظ على التراث الديني الإيزيدي وتوثيقه بصورة علمية حديثة؟ وهل جرى استثمار الطاقات الأكاديمية الإيزيدية المنتشرة في الجامعات والمؤسسات العلمية داخل العراق وخارجه؟ وهل هناك برامجُ مدروسةٌ لإعداد جيلٍ جديدٍ قادرٍ على حمل المسؤولية الدينية والثقافية في المستقبل؟

ومن القضايا التي تستحقُّ النقاش أيضاً مسألة الشفافية والمشاركة في اتخاذ القرار. فالمؤسسات القوية تزداد قوة عندما توسع دائرة المشاركة، وتستفيد من مختلف الآراء والخبرات، لأن الحكمة لا تنحصر في شخص أو جهة أو فئة معينة.

كما أنّ العلاقة بين المؤسسة الدينية والشباب تحتاجُ إلى مراجعة مستمرّة. فالأجيال الجديدة تعيش في بيئة مختلفة تماماً عن بيئة آبائها وأجدادها، وتواجه أسئلةً وتحديات فكرية وثقافية جديدة. ومن واجبنا أن نبحثَ عن أساليب حديثة للحوار والتوعية والإرشاد، بعيداً عن لغة التلقين أو الانغلاق.

ولا يمكن الحديثُ عن مستقبل لالش دون التوقُّف عند دور المرأة الإيزيدية التي تحمّلت أعباءً كبيرةً في مختلف المراحل التاريخية، وخصوصاً بعد كارثة شنكال، وما تعرّضت له آلاف النساء من جرائم وانتهاكات جسيمة.

إنّ تعزيزَ حضور المرأة في الأنشطة الثقافية والاجتماعية والفكرية المرتبطة بالشأن الإيزيدي أصبح ضرورة مجتمعية وثقافية.

ومن الملفات المهمة أيضاً كيفية الاستفادة من الطاقات الإيزيدية في المهجر. فهناك اليوم علماء وأساتذة جامعات وخبراء ومثقفون ورجال أعمال ناجحون في مختلف دول العالم، ويمكن لهذه الطاقات أن تقدّم الكثيرَ إذا ما توفّرت آليات مؤسسية صحيحة للتواصل والتعاون.

كما أن لالش بحاجةٍ إلى حضور ثقافي وإعلامي عالمي أكبر. فالعالم يعرف الكثير عن مآسي الإيزيديين، لكنه لا يعرفُ بالقدر الكافي عن فلسفتهم الدينية وتراثهم الثقافي وقيمهم الإنسانية. ومن هنا تبرز الحاجةُ إلى مشاريعَ بحثيةٍ وثقافيةٍ وإعلاميةٍ تليق بتاريخ هذه الديانة العريقة وفق متطلبات العصر.

إنّ الحفاظ على قدسية لالش لا يتحقق فقط بصيانة الأبنية والمزارات، بل أيضاً بصيانة الفكر والتراث والهوية، وبناء مؤسسات قادرة على مواجهة تحديّات المستقبل. فالمعبد الذي استطاع أن يصمدَ أمام الفرمانات والحروب يستحقُّ أن يمتلك رؤيةً واضحةً للمستقبل، تستندُ إلى العلم والمعرفة والتخطيط.

إن ما يحتاجه المجتمع الإيزيدي اليوم ليس الانقسام أو تبادل الاتهامات، بل الحوار والتكامل والعمل المشترك. فالتحديات التي تواجه الإيزيديين أكبر من أيّة خلافات جانبية، والمسؤولية التاريخية تفرضُ على الجميع تغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية والفئوية.

ولا يفوتنا هنا إلا أن نثمّن الخطوة التاريخية العظيمة التي قام بها الأمير الراحل تحسين بك بالتبرُّع بكل خيرات معبد لالش، وتأسيسه الصندوق الخيري للايزيديين المحتاجين من المرضى والطلبة والمعوقين والأيتام والمهاجرين حصراً.. الخ.. متمنين في الوقت نفسه للأمير الحالي السيد حازم تحسين بك بالسير وفق خُطا الوالد الراحل، ونحن واثقون من إخلاصه وتفانيه لأجل بني جلدته.

في الختام، يبقى لالش أكبر من الأشخاص والمناصب والاعتبارات الآنية. فهو رمزٌ دينيٌّ وحضاريٌّ وإنساني سيبقى قائماً ما بقي الإيزيديون متمسكين بقيمهم وتراثهم وهويتهم.

ومن هذا المنطلق فإن وضع لالش تحت المجهر لا يعني التشكيك به، بل يعني الحرص عليه، لأن ما نحبّه بصدق هو ما نسعى دائماً إلى تطويره وحمايته.

إن النقد الصادق ليس عداءً، بل هو أعلى درجات المسؤولية، وأصدق أشكال الوفاء للمكان الذي اجتمع عنده تاريخ الإيزيديين وروحهم وذاكرتهم الجماعية عبر مئات السنين.

*كاتب وباحث في الشأن الإيزيدي

تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

___

طارق كاريزي: بغداد تماطل بحق كوردستان

Lalish Duhok

اسعد عبدالله عبدعلي: سوالف العم اسعد: مؤسسات الدولة والعبودية

Lalish Duhok

جــودت هوشيار: من يدفع ثمن الولاية الثالثة للمالكي ؟

Lalish Duhok