العراق وازدواجية القرار بين الدولة والفصائل المسلحة
شريف علي
شهد العراق منذ عام 2003 تحولات سياسية وأمنية عميقة أعادت تشكيل بنية الدولة ومؤسساتها، وفتحت المجال أمام فاعلين جدد داخل المشهد السياسي والأمني. فقد أدى سقوط النظام السابق إلى انهيار مؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسة العسكرية، ما خلق فراغًا واسعًا سمح بصعود جماعات مسلحة وأحزاب سياسية ذات ارتباطات خارجية، كان لإيران الدور الأبرز في دعمها وتوجيهها. ومع ضعف الدولة المركزية وتشتت القرار السياسي، أصبح العراق ساحة مفتوحة لتنافس النفوذ الإقليمي والدولي، وهو ما انعكس بوضوح على طبيعة العلاقة بين الدولة الرسمية من جهة، والفصائل المسلحة المنضوية تحت مظلة الحشد الشعبي من جهة أخرى.
منذ اللحظة الأولى لسقوط النظام، اعتمدت إيران على شبكة من الأحزاب والفصائل التي كانت قد دعمتها خلال فترة المعارضة، واستثمرت في حالة الضعف المؤسسي لتعزيز نفوذها داخل العراق. وقد تجلى ذلك في التأثير على القرار السياسي عبر الأحزاب الحاكمة، وفي دعم فصائل مسلحة مرتبطة بفيلق القدس الذراع الإيراني العسكري العابر للحدود، إضافة إلى بناء نفوذ اقتصادي وثقافي واجتماعي واسع. هذا التغلغل جعل العراق جزءًا من معادلة الصراع الإيراني–الأمريكي، وأدى إلى تداخل معقد بين السيادة الوطنية والولاءات الإقليمية.
في عام 2014، ومع سقوط الموصل بيد تنظيم داعش، أصدر المرجع الشيعي العراقي علي السيستاني فتوى – الجهاد الكفائي – ، التي شكلت نقطة تحول مفصلية في مسار الأمن العراقي. فقد تأسست هيئة الحشد الشعبي رسميًا في 15حزيران 2014، وبدأت الفصائل المسلحة بالاندماج تحت مظلتها. ورغم أن الفتوى جاءت تحت يافطة تعبئة المتطوعين للدفاع عن البلاد، فإن العديد من الفصائل التي انضمت للحشد كانت موجودة مسبقًا، وتمتلك ارتباطات وثيقة بإيران. وفي عام 2016، أقر البرلمان العراقي قانون هيئة الحشد الشعبي، لإضفاء الشرعية الدستورية على نشاطها، حيث نصّ القانون على اعتبار الحشد جزءًا من القوات المسلحة العراقية، إلا أن التطبيق العملي أظهر استمرار استقلالية العديد من الفصائل، خصوصًا تلك التي ترتبط بقيادات خارج الحدود.
على المستوى السياسي، دخلت القوى المرتبطة بالحشد العملية الانتخابية لأول مرة عام 2018 عبر تحالف الفتح، الذي حصل على المرتبة الثانية. وفي انتخابات المحافظات عام 2023، حصلت الأحزاب المرتبطة بالحشد على 101 مقعد من أصل 285 من مقاعد البرلمان ، ما أكد حضورها السياسي المتنامي. إلا أن الفترة بين 2024 و2026 شهدت تراجعًا نسبيًا في نفوذ هذه القوى بسبب الانقسامات الداخلية، والاحتجاجات الشعبية ضد النفوذ الإيراني، والضغوط الدولية على الحكومة العراقية. ومع ذلك، بقي الحشد لاعبًا رئيسيًا في المشهد السياسي والأمني العراقي، ويمتلك تأثيرًا واسعًا في القرارات الحكومية وفي موازين القوى داخل الدولة.
تضخم حجم الحشد الشعبي بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة ، إذ ارتفع عدد مقاتليه بشكل ملحوظ إلى ما يقارب المائتي ألف، ما جعله قوة عسكرية كبيرة ذات نفوذ سياسي متزايد. ومع انتهاء الحرب ضد داعش، برزت إشكالية ازدواجية القرار الأمني، حيث نفذت بعض الفصائل عمليات عسكرية وهجمات صاروخية دون تنسيق مع الحكومة، سواء ضد قواعد تضم قوات أمريكية أو ضد مواقع داخل إقليم كوردستان أو ضد أهداف مرتبطة بدول الجوار. هذا السلوك عزز فكرة وجود قرار أمني موازٍ، وأظهر محدودية قدرة الدولة على فرض سيادتها على كامل أراضيها.
ومع إندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية أواخر شباط 2026 شهد المشهد العراقي تصعيدًا كبيرًا في هذا السياق، حيث استهدفت ضربات أمريكية وإسرائيلية مواقع للحشد في الأنبار ونينوى ودیالی وكركوك، ما أدى إلى مقتل عدد من عناصره. وفي السابع والعشرين من آذار 2026، قُتل سبعة جنود عراقيين في ضربة أمريكية على قاعدة عراقية، وهو حدث كشف هشاشة التنسيق الأمني بين بغداد وواشنطن، وأبرز حساسية وجود فصائل مسلحة تعمل خارج السيطرة الحكومية وقرارات القيادة العسكرية . كما أظهر هذا الحدث أن العراق ما يزال ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، وأن الدولة الرسمية تجد نفسها في كثير من الأحيان مضطرة للتعامل مع نتائج قرارات لم تكن جزءًا من صناعتها.
الحشد الشعبي وإقليم كوردستان
اتسمت العلاقة بين الحشد الشعبي وإقليم كوردستان منذ عام 2017 بدرجة عالية من التوتر والتعقيد، نتيجة تداخل العوامل السياسية والأمنية والجغرافية، وارتباط بعض الفصائل المسلحة بحسابات إقليمية تتجاوز الإطار الوطني. وقد شكّلت أحداث أكتوبر 2017 نقطة تحول مركزية في هذه العلاقة، إذ جاءت بعد استفتاء إقليم كوردستان في 25 أيلول 2017، الذي صوّت فيه سكان الإقليم بشبه الإجماع لصالح الاستقلال. هذا الاستفتاء أثار ردود فعل حادة من الحكومة المركزية في بغداد، التي اعتبرته خطوة أحادية تهدد وحدة البلاد، وقررت اتخاذ إجراءات سياسية وأمنية -معتمدة أساسا على ميليشيلت الحشد – لإعادة فرض سلطتها على المناطق الكوردستانیة خارج إدارة إقلیم كوردستان او ماتسمی بـ (المتنازع عليها.)
في هذا السياق، برز دور الحشد الشعبي بوصفه قوة عسكرية فاعلة إلى جانب القوات المركزية فقد شاركت فصائل من الحشد في عمليات إعادة الانتشار في كركوك وبقیة المناطق الكوردستانیة عليها في أكتوبر 2017 .
بعد انسحاب قوات البيشمركة من مواقعها. ورغم أن الحكومة العراقية أعلنت أن العملية تمت تحت قيادتها المباشرة، فإن مشاركة فصائل مسلحة ذات ارتباطات خارجية شكلت مؤشرا لدى حكومة الإقليم، التي رأت في ذلك انتقال الصراع من إطار سياسي–دستوري إلى صراع ذي أبعاد طائفية أمنية وعسكرية. وقد تركت هذه الأحداث أثرًا طويل الأمد على العلاقة بين الطرفين، إذ اعتبر الإقليم أن بغداد اعتمدت على قوى غير نظامية مرتبطة بالخارج في إدارة ملف حساس يرتكز أساسا على الدستور ، بينما رأت الحكومة المركزية أن الحشد كان جزءًا من منظومة الدفاع الوطني.
بعد عام 2017، استمرت حالة التوتر بين الطرفين، خصوصًا مع تكرار الفصائل المرتبطة بإيران بتنفيذ هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة استهدفت مواقع داخل العاصمة أربيل. وقد شملت هذه الهجمات مناطق قريبة من مطار أربيل الدولي، ومقارّ تُعدّ رموزًا سيادية للإقليم، مثل مواقع حكومية أو أمنية أو دبلوماسية. ورغم أن الحكومة المركزية كانت تعلن في كل مرة فتح تحقيقات، فإن الإقليم كان يرى أن هذه الهجمات تُنفَّذ بعلم بغداد لكن خارج قدرتها على الضبط، ما يعمّق الشعور بوجود قوى موازية تتصرف وفق حسابات إقليمية.
كما شهدت السنوات اللاحقة تكرارًا لاستهداف مواقع تُعدّ حساسة داخل الإقليم، بما في ذلك مواقع قريبة من مقارّ حكومية أو أمنية، أو مناطق تضم بعثات دبلوماسية. وقد اعتبر الإقليم أن هذه الهجمات تستهدف رمزيته السياسية ومكانته الإدارية، بينما كانت بغداد تحاول التوفيق بين ضرورة الحفاظ على علاقاتها مع الإقليم، وبين واقع وجود فصائل مسلحة تمتلك قدرات عسكرية وتتحرك أحيانًا خارج إطار القرار الحكومي.
في الحرب الأمريكية – الإيرانية المشتعلة جعلت ميليشيات الحشد مدن وبلدات وقرى كوردستان ضمن قائمة أهدافها ومن أبرز وأحدث هذه الهجمات ،كان الهجوم الذي وقع في مارس 2026، حين استُهدف موقع لقوات البيشمركة بصواريخ باليستية، ما أدى إلى مقتل ستة من عناصرها، والهجوم الذي استهدف منزل رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني في دهوك ، اعتبرته حكومة الإقليم أنه يمثل انتهاكًا خطيرًا لسيادة الإقليم وللتفاهمات الأمنية بين أربيل وبغداد. هذا الحدث أعاد إلى الواجهة النقاش حول قدرة الدولة العراقية على ضبط الفصائل المسلحة، وحول مدى التزام هذه الفصائل بالسياسات الرسمية للدولة، خصوصًا في الملفات المتعلقة بالعلاقات الداخلية بين المكونات العراقية.
إن تتبع مسار العلاقة بين الحشد الشعبي وإقليم كوردستان منذ 2017 يكشف أن التوتر لم يكن نتيجة أحداث منفصلة، بل هو نتاج تراكمات سياسية وأمنية عميقة. فدخول الحشد إلى المناطق المتنازع عليها بعد الاستفتاء، وتكرار الهجمات التي استهدفت مواقع داخل الإقليم، وغياب آليات واضحة لضبط الفصائل المسلحة، كلها عوامل أسهمت في تكريس حالة من عدم الاستقرار. كما أن ارتباط بعض الفصائل بحسابات إقليمية جعل الإقليم ينظر إلى هذه القوى بوصفها أدوات لصراع إقليمي أكبر، وليس مجرد فاعلين محليين ضمن إطار الدولة العراقية.
وبذلك، يمكن القول إن العلاقة بين الحشد الشعبي وإقليم كوردستان تمثل نموذجًا للتعقيدات التي يواجهها العراق في إدارة التوازن بين سلطات الدولة المركزية وواقع القوى المسلحة غير النظامية. كما تعكس هذه العلاقة التحديات التي تواجهها الدولة في سعيها لبناء منظومة أمنية موحدة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على التوازنات السياسية بين مكوناتها المختلفة. ومن المرجح أن تستمر هذه الإشكاليات ما لم تُعالج جذور التوتر عبر حلول سياسية وأمنية شاملة تعيد بناء الثقة بين بغداد وأربيل، وتضمن حصر السلاح بيد الدولة، وتمنع استخدام الأراضي العراقية لاستهداف العراقيين وفي صراعات إقليمية تتجاوز حدودها الوطنية، إضافة إلى تبني سياسة خارجية متوازنة تقلل من تأثير الصراعات الإقليمية على الداخل العراقي. كما أن مستقبل الدولة العراقية سيظل مرتبطًا بقدرتها على إعادة بناء مؤسساتها على أسس مهنية، وتعزيز سيادة القانون، وتطوير منظومة أمنية موحدة قادرة على استيعاب التحديات المعقدة التي تواجه البلاد.
إن تتبع الأحداث بين 2003 و2026 يكشف أن العراق يعيش حالة مستمرة من التوازن الهش بين الدولة المركزية والفاعلين المسلحين غير الرسميين. وقد أثّرت هذه الازدواجية في سيادة الدولة، وفي علاقاتها الإقليمية، وفي استقرارها الداخلي، وفي علاقتها مع إقليم كوردستان. ورغم محاولات الحكومات العراقية المتعاقبة دمج الفصائل المسلحة ضمن مؤسسات الدولة، فإن النفوذ الإقليمي، وضعف البنية المؤسسية، واستمرار الانقسامات السياسية، تجعل هذا الهدف صعب التحقيق في المدى القريب.
وبذلك، يمكن القول أن العراق يقف أمام مفترق طريق حاسم، وأن نجاحه في تجاوز التحديات الراهنة يعتمد على قدرته في تحقيق توازن بين متطلبات الأمن الوطني، وضرورات الاستقرار السياسي، وحاجته إلى بناء دولة قادرة على فرض سيادتها على كامل أراضيها، بعيدًا عن تأثيرات الفاعلين المسلحين والضغوط الإقليمية المتشابكة.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
