شبكة لالش الاعلامية

حسين خوشناو: اعتداء سافر على السيادة .. متى يتوقف استهداف كوردستان؟

اعتداء سافر على السيادة .. متى يتوقف استهداف كوردستان؟
حسين خوشناو

فجر أمس الاثنين، وفي تمام الساعة 00:28، لم تكن أربيل تستعد ليوم عادي. طائرتان مسيّرتان مفخختان من طراز “حديد-110″، انطلقتا من الجانب الإيراني للحدود، لتحطّا رحالهما على هدفين لا يمكن اعتبار اختيارهما صدفة: المكتب الشخصي لرئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني، ومقر إقامة رئيس وكالة الأمن والمعلومات “باراستن” في قضاء بيرمام بمحافظة أربيل. لم يسقط ضحايا هذه المرة، لكن الرسالة كانت واضحة: إيران، مرة أخرى، تُقرر متى وأين تُطلق نيرانها على اقليم كوردستان، دون اكتراث بسيادة دولة واحترام الجيران، ولا باتفاقيات دولية، ولا بحياة الناس الذين لم يكن لهم يد في هذه الحرب المفتوحة على كوردستان.

نمط متكرر لا حادثة عابرة

هذا الاعتداء ليس استثناءً، بل حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات. فمنذ مطلع آب/أغسطس الجاري وحده، استُهدف إقليم كوردستان بما يقارب ست عشرة طائرة مسيّرة وثلاثة صواريخ، توزعت بين محافظتي أربيل والسليمانية. إنه نمط ممنهج، لا حادثة عابرة يمكن تبريرها بـ”سوء تفاهم” أو “خطأ في التصويب”. من يستهدف مكتب رئيس حكومة إقليم بأكمله، ومنزل مسؤول أمني رفيع، إنما يوجّه رسالة سياسية مباشرة: نحن نملك القدرة على الوصول إلى قلب القرار الكوردستاني، ولن نتردد في استخدامها.

ولا يخفى على أحد أن طهران، عبر أذرعها وميليشياتها في العراق، طالما تعاملت مع إقليم كوردستان بوصفه “الحديقة الخلفية” لأعدائها المفترضين، متجاهلة أن هذا الإقليم لحد الان جزء من دولة عراقية ذات سيادة، معترف بها دوليًا، وعضو في الأمم المتحدة.

انتهاك مزدوج للسيادة

ما جرى فجر الاثنين ليس مجرد اعتداء على إقليم كوردستان، بل هو انتهاك مباشر لسيادة العراق بأكمله. فالقانون الدولي لا يعترف بتجزئة السيادة: من يخترق الأجواء العراقية بطائرات مفخخة، متجاوزًا حدودًا دولية معترفًا بها، إنما يرتكب عملاً عدوانيًا بحق دولة عضو في منظومة الأمم المتحدة، بصرف النظر عن الهدف الذي يقصفه داخل هذه الدولة. والصمت العراقي الرسمي المعتاد، أو الاكتفاء ببيانات الشجب الخجولة، لم يعد كافيًا ولا مقبولًا. فحكومة بغداد مطالَبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن تتعامل مع هذا الاعتداء بوصفه قضية سيادة وطنية عليا، لا شأنًا كورديًا داخليًا يمكن تجاوزه بلغة دبلوماسية باهتة.

ماذا بعد؟ خمسة مطالب لا تحتمل التأجيل

أولاً، على الحكومة العراقية، ومعها حكومة إقليم كوردستان، رفع شكوى رسمية وموثقة إلى مجلس الأمن الدولي، مدعومة بالأدلة التقنية التي جمعتها مديرية مكافحة الإرهاب في الإقليم حول نوع الطائرات ومسار انطلاقها. فمجلس الأمن هو الجهة المخوّلة دوليًا بالنظر في انتهاكات السيادة والأعمال العدائية العابرة للحدود، ولا معنى لوجود هذه المؤسسة إن لم تتحرك إزاء اعتداء موثق بهذا الوضوح.

ثانيًا، مطالبة مجلس الأمن بتوفير مظلة حماية دولية حقيقية لإقليم كوردستان، لا تكتفي بإدانة لفظية عابرة. وهذه الحماية لا معنى لها ما لم تترجَم إلى دعم فعلي لقوات البيشمركة، بوصفها خط الدفاع الأول عن أرض الإقليم وسكانه، عبر تزويدها بمنظومات دفاعية حديثة قادرة تحديدًا على التصدي لهذا النوع من الهجمات بالمسيّرات والصواريخ التي أثبتت التجربة أن الترسانة الحالية غير كافية لاعتراضها. فحماية شعب من طائرات مفخخة تُطلق من خارج حدوده تتطلب أدوات دفاعية فعلية، لا بيانات تضامن.

ثالثًا، على الحكومة العراقية، بالتنسيق مع حكومة الإقليم، استدعاء القنصل الإيراني في أربيل فورًا لتسلّم احتجاج رسمي، مع إغلاق القنصلية الإيرانية في المدينة لفترة زمنية محددة، بوصف ذلك رسالة دبلوماسية واضحة مفادها أن استمرار العلاقات الطبيعية مستحيل بينما تستمر طهران في استهداف مسؤولين رسميين داخل الإقليم.

رابعًا، إغلاق جميع المنافذ التجارية والحدودية بين إقليم كوردستان وإيران، ولو مؤقتًا، كخطوة ضغط اقتصادي تُفهمها طهران بلغتها. فحجم التبادل التجاري بين الجانبين ورقة ضغط حقيقية بيد أربيل وبغداد، ولا يجوز الاستمرار في فتح هذه المنافذ وكأن العلاقة التجارية منفصلة عن سلوك الدولة المعتدية.

خامسًا، على بغداد أن تعيد النظر جذريًا في طبيعة علاقاتها مع طهران على المستوى السياسي والدبلوماسي الأشمل. فدولة لا تحترم حدود جارتها، ولا تتورع عن استهداف مسؤولين رسميين داخل أراضيها، لا يمكن أن تبقى العلاقة معها “طبيعية” وكأن شيئًا لم يكن. وإلا فإن استمرار العلاقة على حالها سيُقرأ في طهران على أنه ضوء أخضر لمزيد من الاعتداءات.

وأخيرًا، نداء إلى كل من يعتبر نفسه صديقًا لشعب كوردستان: هذه اللحظة تستدعي مواقف واضحة، لا بيانات تضامن باهتة. الدول الإقليمية والدولية المعنية بالاستقرار في العراق والمنطقة، والتحالف الدولي، والأمم المتحدة، مدعوة جميعها إلى الوقوف الفعلي، لا الرمزي، إلى جانب إقليم كوردستان في مواجهة هذا التصعيد الخطير.

الضرر لا يقف عند حدود أربيل

من يظن أن ما جرى شأن كوردي محلي، فهو يخطئ قراءة المشهد. استهداف مكتب رئيس حكومة إقليم كوردستان يرسل رسالة إلى كل الفاعلين في المنطقة: أن السيادة العراقية قابلة للاختراق بلا ثمن، وأن القرار في أربيل، كما في بغداد، يمكن أن يُقصف من الخارج متى شاءت طهران. وهذا بحد ذاته تهديد مباشر لأي مسار دبلوماسي أو استثماري أو أمني يحاول العراق، وإقليم كوردستان تحديدًا، بناءه مع شركائه الدوليين. فأي مستثمر أو شريك سياسي سيتردد ملياً قبل التعامل مع منطقة يمكن أن تتحول مكاتب مسؤوليها إلى أهداف عسكرية بين ليلة وضحاها.

كوردستان، التي طالما قدّمت نفسها كواحة استقرار نسبي في عراق مضطرب، لا يجوز أن تُترك وحيدة في مواجهة هذا الاستهداف المتكرر. فالتصعيد الإيراني هذا لا يواجه إقليمًا بمفرده، بل يضرب في الصميم فكرة السيادة العراقية ذاتها، ويختبر جدية المجتمع الدولي في الدفاع عن مبادئه التي كثيرًا ما رفعها شعارًا دون أن يترجمها فعلاً على الأرض. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كم اعتداءً آخر يلزم كي يتحول الشجب اللفظي إلى موقف حقيقي؟

  • كاتب ورئيس تحرير صحيفة “الفرات” في أستراليا

تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

___

حسن الخفاجي: خلعوا قنادرهم واستعدوا للهرب!

Lalish Duhok

فلاح المشعل: انتصار البغدادية …!

Lalish Duhok

خضر دوملي: أثارة الفتن لأخفاء التهم

Lalish Duhok