شبكة لالش الاعلامية

ماجد حسن: مركز لالش فرع شاريا، منارة إنسانية في خدمة المجتمع

مركز لالش الثقافي والاجتماعي في مجمع شاريا.. منارة إنسانية في خدمة المجتمع
شبكة لالش الاعلامیة
من بين المؤسسات التي أثبتت حضورها الحقيقي في حياة المجتمع الإيزيدي، يبرز مركز لالش الثقافي والاجتماعي في مجمع شاريا بوصفه واحداً من المراكز التي لم تكتفِ بالنشاط الثقافي، وإنما تحولت، مع مرور السنوات، إلى مساحة واسعة للعمل الإنساني والاجتماعي والتربوي والخدمي، ولا سيما بعد كارثة الإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون في الثالث من آب/أغسطس 2014.
ومنذ تأسيس المركز في مجمع شاريا، وحتى يومنا هذا، لم تتوقف نشاطاته المختلفة، بل تعددت مجالات عمله واتسعت بحسب حاجات المجتمع والظروف التي مر بها أهلنا. وقد اكتسب دوره أهمية استثنائية بعد وصول آلاف النازحين من سنجار إلى مجمع شاريا، وهم يحملون معهم جراح الإبادة، وفقدان الأحبة، ومرارة النزوح، وانهيار مصادر العيش، والحاجة إلى السكن والعلاج والتعليم والعمل.
من مركز ثقافي إلى خلية عمل إنساني
لم يكن المركز في تلك المرحلة مجرد مكان للاجتماعات أو الفعاليات الثقافية، بل تحول إلى خلية عمل متواصلة. فقد بادر أعضاء الهيئة الإدارية، إلى جانب عدد كبير من الشخصيات الاجتماعية والثقافية والدينية والتعليمية والطبية والهندسية والقانونية وأبناء مجمع شاريا، إلى تشكيل لجان للعمل الميداني، بهدف التعرف بصورة دقيقة إلى احتياجات النازحين والفئات الأكثر ضعفاً بينهم.
وكان من أهم الخطوات التي قام بها المركز إجراء مسح ميداني وإحصاء اجتماعي للفئات المحتاجة، وتسجيل أسماء المرضى والفقراء والأيتام والأرامل والثكالى وذوي الإعاقة والمتضررين وغيرهم من أصحاب الحالات الإنسانية الخاصة.
ولم تكن هذه المعلومات مجرد قوائم عابرة، بل جرى تنظيمها وحفظها في سجلات موثقة بالبيانات والصور، الأمر الذي جعل المركز يمتلك قاعدة معلومات ميدانية يمكن الاستفادة منها عند توجيه المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها.
وهذه الخطوة تحديداً تمثل جانباً مهماً من العمل المؤسسي؛ لأن المساعدة حين تستند إلى معلومات دقيقة تصبح أكثر عدالة وتنظيماً، وتصل إلى من هم أكثر حاجة إليها، بعيداً عن العشوائية أو المحاباة.
الغذاء والمال والملابس.. ومساعدة العائلات على الوقوف من جديد
تنوعت المبادرات التي ساهم فيها المركز، فشملت توزيع المواد الغذائية والمساعدات المالية والملابس والاحتياجات الأساسية على العائلات المحتاجة والنازحة.
لكن العمل لم يتوقف عند تقديم المساعدة المباشرة، بل اتجه أيضاً إلى البحث عن وسائل تساعد العائلات على الاعتماد على نفسها وتأمين مصدر رزق مستدام.
ومن المبادرات المهمة في هذا المجال توجيه بعض الجهات والمنظمات الخيرية نحو توزيع الأغنام والماعز والدواجن وغيرها من الحيوانات على بعض الأسر، لتكون وسيلة إنتاج تساعدها على توفير مورد يومي، بدلاً من بقائها رهينة للمساعدات الإنسانية.
إن مساعدة الإنسان على امتلاك وسيلة للعيش والعمل قد تكون، في كثير من الأحيان، أكثر أهمية من تقديم مساعدة مؤقتة تنتهي بانتهاء الحاجة الآنية.
التعليم.. لأن إنقاذ جيل أهم من إنقاذ يوم
أدرك المركز أن النزوح لم يهدد حياة الناس ومصادر رزقهم فقط، بل هدد أيضاً مستقبل أبنائهم.
ولهذا أُقيمت دورات تعليمية وتقوية للطلبة في مختلف المراحل الدراسية، بهدف مساعدتهم على تعويض ما فاتهم خلال سنوات النزوح والاضطراب، وتهيئتهم للامتحانات ومواصلة تعليمهم.
كما شملت النشاطات إقامة دورات لتعليم المهن والحرف اليدوية، للرجال والنساء على حد سواء، ومن بينها الخياطة والتطريز والطبخ والتجميل النسائي والحلاقة والكهرباء والحدادة واللحام وغيرها من المهن التي يمكن أن تتحول إلى مصدر دخل للعائلة.
وكان الهدف من هذه الدورات واضحاً: ألا يبقى الإنسان محتاجاً إلى المساعدة إلى الأبد، بل أن يحصل على المعرفة والمهارة التي تمكنه من بناء حياته بيده.
تأهيل الناجين ودعمهم
ومن الجوانب المهمة التي شارك فيها المركز دعم الناجين من الإبادة، مادياً واجتماعياً وثقافياً وصحياً، والمساهمة في تنظيم برامج ودورات لإعادة تأهيلهم ومساعدتهم على استعادة شيء من توازنهم النفسي والاجتماعي بعد ما مروا به من تجارب قاسية.
وقد أثبتت السنوات الماضية أن آثار الإبادة لا تنتهي بمجرد الخروج من مناطق الخطر؛ فالناجي يحتاج إلى السكن، والعمل، والتعليم، والعلاج، والدعم الاجتماعي، والشعور بالأمان والانتماء، وكل ذلك يتطلب عملاً مستمراً وطويل الأمد.
حلقة وصل بين المحتاج والجهة المانحة
من أهم الأدوار التي يمكن أن يفتخر بها المركز أنه لم يكن في كثير من الحالات مجرد منفذ للمساعدة، بل كان حلقة وصل بين الجهات الخيرية والمانحة وبين المحتاجين الحقيقيين.
فعندما تكون لدى المركز قوائم واضحة بأسماء الأيتام أو الأرامل أو المرضى أو ذوي الإعاقة أو الأسر الأكثر تضرراً، يصبح بإمكان الجهات الداعمة أن توجه مساعداتها وفق الأولويات، وأن تحقق قدراً أكبر من العدالة والشفافية في توزيع مواردها.
كما ساهم المركز في توجيه المنظمات والجهات الخيرية إلى بعض الاحتياجات الأساسية للنازحين، ومنها توفير المساكن وتحسين الخدمات، وبناء المدارس، ودعم الخدمات الطبية، وتوفير فرص العمل ومصادر الرزق.
المركز مساحة للمجتمع كله
ولا تقتصر أهمية مركز لالش في شاريا على العمل الإنساني المباشر؛ فقد أصبح أيضاً مساحة اجتماعية وثقافية مفتوحة لأبناء المجمع.
فحدائقه وقاعاته تستقبل يومياً مجموعات من الشباب والشخصيات الاجتماعية والدينية والسياسية والرياضية، كما يستضيف مناسبات اجتماعية مختلفة، وولائم الأفراح والأحزان، والاجتماعات والندوات والسمينارات.
وتستفيد القرى الثماني التي يتشكل منها مجمع شاريا من هذه المساحات في إقامة اجتماعاتها ونشاطاتها المختلفة، الأمر الذي جعل المركز جزءاً من الحياة اليومية للمجمع، وليس مؤسسة معزولة عن محيطها.
كما أن توفر قاعاته على الخدمات الأساسية من الماء والكهرباء والمرافق الصحية، فضلاً عن خدمات الضيافة من الشاي والقهوة والماء البارد، جعله مكاناً مناسباً لاستضافة مختلف الفعاليات والمناسبات.
سجل موثق يستحق أن يتحول إلى أرشيف
ومن النقاط التي تستحق الاهتمام أن الكثير من نشاطات المركز جرى توثيقها بالصور والكتابة والسجلات.
وهذا التوثيق ليس مجرد ذاكرة للماضي، وإنما يمثل أرشيفاً اجتماعياً وإنسانياً يمكن أن يكون له دور مهم في المستقبل، سواء في تقييم احتياجات المجتمع، أو إعداد الدراسات، أو تعريف الجهات المانحة بحجم العمل الذي أنجز، أو توثيق مرحلة تاريخية مهمة من حياة الإيزيديين بعد إبادة 2014.
ومن هنا، فإن من المفيد مستقبلاً تطوير هذا الأرشيف وتحويله إلى قاعدة بيانات إلكترونية منظمة، تحفظ تاريخ المركز ونشاطاته وعدد المستفيدين والمشاريع التي نفذها، مع مراعاة حماية خصوصية الحالات الإنسانية.
ما الذي يحتاجه المركز اليوم؟
على الرغم من كل ما قدمه المركز وأعضاؤه، فإن حجم الاحتياجات لا يزال أكبر بكثير من الإمكانات المتاحة.
فما زالت هناك حاجة إلى مشاريع إسكان أفضل، وبرامج لدعم الأسر الفقيرة، ومشاريع صغيرة مدرة للدخل، وبرامج تعليمية مستمرة، ودعم طبي للمرضى، ورعاية الأيتام والأرامل وذوي الإعاقة، ودورات مهنية أكثر تخصصاً، إضافة إلى برامج دعم وتأهيل اجتماعي ونفسي للناجين والنازحين.
كما يحتاج المركز إلى دعم لوجستي ومادي يتيح له توسيع نشاطاته، وتوفير الأجهزة والمستلزمات، وتطوير قاعاته، وتأهيل كوادره، وإنشاء قاعدة بيانات حديثة، وربط الحالات المحتاجة بالجهات المانحة بصورة أكثر سرعة وتنظيماً.
خطط لم تجد طريقها إلى التنفيذ
ومن المفيد أن يضع المركز، بصورة واضحة، قائمة بالمشاريع والأفكار التي لم يتمكن من تنفيذها بسبب نقص التمويل أو الإمكانات، ومنها على سبيل المثال:
– إنشاء صندوق دائم لدعم المرضى والفقراء والأيتام.
– إقامة مشاريع صغيرة مدرة للدخل للأسر المحتاجة.
– توسيع برامج التدريب المهني للنساء والشباب.
– إنشاء مركز متخصص للتدريب والتعليم المستمر.
– تطوير برامج الدعم الاجتماعي والتأهيل للناجين.
– توفير خدمات طبية دورية وميدانية للفئات الأكثر حاجة.
– إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية شاملة للمستفيدين والحالات الإنسانية.
– دعم الطلبة المتفوقين والفئات التي تحتاج إلى تقوية تعليمية.
– تطوير مكتبة ومركز ثقافي للشباب.
– إقامة برامج رياضية وثقافية وفنية للأطفال والشباب.
– إنشاء شبكة تعاون دائمة مع المنظمات الإنسانية والجهات المانحة.
نحو مؤسسة أكبر وأكثر تأثيراً
إن أفضل وسيلة لتسهيل عمل المركز وتوسيع أثره هي الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى برنامج مؤسسي طويل الأمد، يتضمن خطة سنوية واضحة، وموازنة تقديرية، وأولويات محددة، وقاعدة بيانات محدثة، وتقارير دورية موثقة، ولجان متخصصة في مجالات التعليم والصحة والإغاثة والتدريب والاقتصاد والثقافة والشؤون الاجتماعية.
كما أن بناء علاقات مؤسسية مستقرة مع المنظمات الإنسانية والجهات المانحة، داخل العراق وخارجه، يمكن أن يفتح أمام المركز أبواباً واسعة لتنفيذ مشاريع أكبر وأكثر استدامة.
وفي هذا السياق، سيكون من المفيد أيضاً توثيق تاريخ تأسيس المركز، وعدد أعضائه، وأسماء الهيئات الإدارية السابقة والحالية منذ عام 2014، وعدد المستفيدين من كل نشاط، وعدد مراكز لالش وفروعه في مناطق تواجد الإيزيديين، لأن هذه المعلومات تمنح صورة أكثر دقة عن حجم المؤسسة ودورها وانتشارها.
كلمة وفاء :-
إن الحديث عن مركز لالش الثقافي والاجتماعي في مجمع شاريا هو، في الحقيقة، حديث عن مجموعة من الرجال والنساء الذين آمنوا بأن خدمة الإنسان ليست شعاراً، وأن المجتمع الذي مر بالإبادة والنزوح لا يحتاج إلى الكلام وحده، بل يحتاج إلى من يقف إلى جانبه عندما تضيق به الحياة.
لقد أثبت أعضاء الهيئات الإدارية السابقة والحالية، ومعهم الشخصيات الاجتماعية والثقافية والدينية والتعليمية والطبية والهندسية والقانونية وكل الخيرين الذين تعاونوا مع المركز، أن العمل الإنساني الحقيقي يبدأ من معرفة حاجة الإنسان، ثم الوصول إليه، ثم مساعدته على استعادة قدرته على الوقوف من جديد.
وإذا كان ما تحقق حتى اليوم يستحق التقدير، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى دعم أكبر، ورؤية أوسع، وإمكانات أكثر.
فالأمل أن يتحول مركز لالش الثقافي والاجتماعي في مجمع شاريا، بما يمتلكه من تجربة ورصيد اجتماعي وثقة بين أبناء المنطقة، إلى مؤسسة إنسانية وثقافية واجتماعية أكثر اتساعاً واستدامة، قادرة على خدمة قطاعات جديدة، والوصول إلى شرائح أكثر من المجتمع، وأن يكون نموذجاً يحتذى به في العمل التطوعي والمؤسسي وخدمة الإنسان.
وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نتقدم بخالص الاحترام والتقدير إلى جميع أعضاء الهيئات الإدارية السابقة والحالية، وإلى كل المتطوعين والخيرين وأبناء مجمع شاريا، وإلى كل من ساهم بوقته أو جهده أو ماله أو خبرته في إنجاح مسيرة هذا المركز.
فالأوطان والمجتمعات لا تُبنى بالكلمات وحدها، وإنما تُبنى بأيادٍ تؤمن بالإنسان، وتعمل من أجله، وتبقى إلى جانبه في أصعب الأيام. ومركز لالش في شاريا واحد من تلك المساحات التي اختارت أن يكون الإنسان فيها أولاً.

تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية

___

تعليمات الموازنة الثلاثية تدخل حيز التنفيذ بعد نشرها بالوقائع العراقية

Lalish Duhok

تقرير: إيران تسعى للتهدئة مع أربيل

Lalish Duhok

صحيفة بريطانية تهاجم ولي العهد السعودية وتصفه بـ”الطاغية الدولي”

Lalish Duhok