«جمهورية الفصائل» تبتلع الدولة: هل تنسف «المسيّرات» جهود انفتاح العراق على العالم؟
العالم الجديد – تتزايد التحذيرات من دخول العراق مرحلة عزلة إقليمية أو دولية بعد الحرب، ففي ظل تصاعد الهجمات العابرة للحدود أخذت الثقة مع دول الخليج والإقليم والولايات المتحدة بالتآكل، وفيما رأى مراقبون أن عجز الحكومة عن ضبط الفصائل وتعدد مراكز القرار عمّق الانطباع بضعف السيادة، أشاروا إلى أن استمرار هذا المسار قد يدفع نحو ضغوط دولية متصاعدة وتقليص التعاون وصولاً إلى العزلة.
انهيار العلاقات
ويقول أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي، خلال حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الثلاثاء (7 نيسان أبريل 2026)، إن “ما بناه العراق خلال السنوات الثماني الماضية من جهود لتجسير علاقاته مع دول الخليج بات مهدداً بالانهيار، إن لم يكن قد وصل فعلاً إلى حافته، نتيجة اتهامات متزايدة بأن أراضيه استُخدمت لإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت مصالح تلك الدول”.
ويضيف الفيلي، أن “الفصائل المسلحة لم تنجح في كبح هجماتها، كما لم تتمكن الحكومة العراقية من إيقافها، وهو ما رسّخ انطباعاً لدى دول الخليج بأن النظام السياسي في العراق أقرب إلى إيران منه إلى محيطه الخليجي، رغم حاجة تلك الدول إلى مواقف داعمة، حتى وإن كانت على المستوى المعنوي”.
خطاب تصعيدي
ويتابع أستاذ العلوم السياسية، أن “الاتصالات الرسمية التي أجراها رئيس الوزراء لم تكن كافية لمعالجة الأزمة، في ظل خطاب إعلامي تصعيدي تتبناه بعض القوى السياسية، ما أسهم في تقويض الثقة وإضعاف العلاقات بشكل كبير”.
ويشير إلى أن “تداعيات هذه الأزمة قد تتفاقم في مرحلة ما بعد الحرب، إذا استمر المشهد السياسي الحالي من دون تغيير”، مؤكداً أن “استعادة التوازن تتطلب العودة إلى مفهوم الدولة المركزية، بعيداً عن تعدد مراكز القرار والنفوذ داخل النظام السياسي”.
مسيّرات الفصائل
وشهدت الأسابيع الماضية تصعيداً لافتاً في الأنشطة العسكرية العابرة للحدود، حيث أعلنت فصائل عراقية مسلحة، من بينها جماعة “سرايا أولياء الدم”، مسؤوليتها عن تنفيذ مئات العمليات شملت استهدافات بطائرات مسيرة وصواريخ طالت منشآت في دول الخليج العربي (خاصة السعودية والكويت) والأردن وسوريا.
وتزامن هذا التصعيد مع اتساع رقعة المواجهة الإقليمية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، حيث بررت الفصائل هجماتها بأنها رد على الوجود العسكري الأمريكي ومزاعم استخدام قواعد في تلك الدول لشن ضربات ضدها وضد إيران.
ورداً على هذه التحركات، أصدرت دول مجلس التعاون الخليجي بالاشتراك مع الأردن بياناً موحداً في 25 آذار مارس الماضي، طالبت فيه الحكومة العراقية باتخاذ إجراءات فورية وحازمة لوقف الهجمات المنطلقة من أراضيها، محذرة من تضرر “العلاقات الأخوية” واحتمالية دخول العراق في عزلة إقليمية.
من جانبها، سارعت الخارجية العراقية لإعلان رفضها القاطع لاستخدام أراضيها كمنطلق للاعتداء على الجيران، معربة عن استعدادها للتحقيق في أي أدلة تُقدم بشأن هذه العمليات، في محاولة للحفاظ على توازن سياسي يحمي سيادة البلاد واستقرارها.
انخراط غير رسمي
بدوره، يرى المحلل السياسي نزار حيدر، خلال حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الثلاثاء، أن “العراق يبدو اليوم الدولة الوحيدة في المنطقة التي انخرطت بشكل غير منظم في مسار الحرب، وأن هذا الانخراط لم يكن بقرار رسمي للدولة، بل عبر تحركات فصائل ومليشيات تعمل خارج الإطار الحكومي، سواء في ما يتعلق بالهجمات أو الخطاب السياسي والإعلامي تجاه دول الإقليم”.
ويضيف، أن “هذه الإشكالية تكشف خللاً جوهرياً في بنية القرار داخل العراق، حيث لم تعد مؤسسات الدولة، كالحكومة أو البرلمان أو وزارة الخارجية، هي الجهة الحاكمة للموقف الرسمي، بل باتت القرارات مرهونة بتأثيرات قوى مسلحة وزعامات توصف بـ(زعماء الحرب)، وهو ما يجعل الدولة في موقع العجز أمام ضبط مسارها السيادي”.
خيبة واشنطن
وييبين حيدر، أن “الولايات المتحدة، التي ترتبط مع العراق باتفاقية الإطار الاستراتيجي، تنظر إلى بغداد على أنها لم تلتزم بتعهداتها، لا سيما في ما يتعلق بحماية المصالح الأمريكية ومنع استهدافها من داخل الأراضي العراقية”، مشيراً إلى أن “هذه الاتفاقية التي أقرها البرلمان تمثل الأساس القانوني للعلاقة بين الطرفين، وتُلزم العراق بمواقف محددة في حالات النزاع”.
ويردف، أن “واشنطن، وفي ظل عدم التزام العراق بهذه التعهدات، بدأت تلوّح بخيارات أكثر تشدداً، من بينها التحرك بشكل منفرد لحماية مصالحها، وهو ما يعكس تراجع الثقة بقدرة الدولة العراقية على فرض الأمن والسيطرة على الفصائل، في ظل استمرار الهجمات وتكرارها”.
عزلة دولية
وينبه المحلل السياسي إلى أن “المخاوف لا تتوقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى احتمالية دخول العراق في حالة عزلة دولية متصاعدة، خاصة مع اعتراضات دولية على بعض التعيينات الدبلوماسية المرتبطة بفصائل مدرجة على قوائم الإرهاب، ما قد يدفع دولاً عدة إلى رفض استقبال ممثلي العراق أو تقليص علاقاتها معه”.
ويخلص حيدر إلى أن “العراق يقف أمام مسارين محتملين في مرحلة ما بعد الحرب، إما البقاء تحت هيمنة القوى الحالية بما قد يقود إلى حصار سياسي ودبلوماسي، أو الدخول في مرحلة إعادة تشكيل للنظام السياسي، بما يفضي إلى تقديم نفسه كدولة جديدة بمنظومة مختلفة قادرة على استعادة التوازن في علاقاتها الدولية”.
وقالت السفارة الأمريكية في العراق، في بيان الأحد (5 نيسان أبريل)، بأن الولايات المتحدة “حثت الحكومة العراقية مراراً وتكراراً على الالتزام الفوري بمسؤوليتها في وقف الهجمات على المنشآت الأمريكية ومنع المليشيات الإرهابية من شن هجماتها في العراق”.
وأعلنت عن مكافأة تصل إلى 3 ملايين دولار لمن يقدم معلومات تفضي إلى تحديد هوية أو مكان المليشيات المسؤولة عن الهجمات: “ساعدونا على وقف الهجمات الإرهابية ضد سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في بغداد أو أي مكان آخر”.
وأشارت إلى أن مئات الهجمات انطلقت من الأراضي العراقية أو نُفذت داخلها، مستهدفة مواطنين أمريكيين ودولا مجاورة للعراق ومؤسسات عراقية بما في ذلك إقليم كردستان العراق.
وأكدت “لن نتردد في الدفاع عن أفرادنا ومنشآتنا إذا عجزت الحكومة العراقية عن الوفاء بالتزاماتها”.
تآكل الثقة
إلى ذلك، يجد الباحث والأكاديمي مجاشع التميمي، خلال حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الثلاثاء، أن “الحديث عن عزلة شاملة للعراق يبدو مبالغاً فيه في المرحلة الراهنة، لكنه في الوقت نفسه يبقى احتمالاً قائماً في حال استمرار حالة الانفلات وعدم ضبط المشهد الداخلي”، موضحاً أن “ما يشهده العراق حالياً لا يصل إلى حد القطيعة الدولية، بل يتمثل بتآكل تدريجي في مستوى الثقة الدولية”.
ويضيف، أن “مواقف عدد من القيادات السياسية، من بينها عمار الحكيم وحيدر العبادي ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني، تعكس إدراكاً متنامياً داخل النظام السياسي لخطورة الانخراط غير المنضبط في الصراعات الإقليمية، لا سيما تلك المرتبطة بالتوتر بين إيران والولايات المتحدة”، مشيراً إلى أن “هذا المسار قد يهدد بشكل مباشر المصالح العليا للعراق”.
الحذر من القطيعة
ويتابع التميمي، أن “التعامل الإقليمي مع العراق سيتجه نحو مزيد من الحذر، إذ قد نشهد تقليصاً في مستويات التعاون دون الوصول إلى القطيعة، فيما قد يترافق ذلك دولياً مع تصاعد الضغوط الدبلوماسية، وربما فرض قيود اقتصادية محدودة، خصوصاً في حال تكرار استهداف المصالح الأجنبية داخل البلاد”.
ويؤكد، أن “هناك عاملاً موازناً يمنع الوصول إلى العزلة الكاملة، يتمثل في الأهمية الجيوسياسية والطاقوية التي يتمتع بها العراق”، لافتاً إلى أن “الخطر الحقيقي لا يكمن في العزلة بقدر ما يتمثل في تحوّل العراق إلى دولة عالية المخاطر، الأمر الذي ينعكس سلباً على بيئة الاستثمار ويقيد الحركة الدبلوماسية”.
ويختتم بالقول، إن “معالجة هذا التحدي تتطلب خطوات واضحة، في مقدمتها ضبط الفاعلين المسلحين وتوحيد القرار الخارجي، لأن استمرار حالة التردد قد يحول القلق الدولي إلى إجراءات ملموسة تؤثر بشكل مباشر على واقع البلاد”.
وكان رئيس تحالف قوى الدولة الوطنية عمار الحكيم، حذر من عزلة عراقية محتملة في مرحلة ما بعد الحـرب، لافتا إلى أن الإطار التنسيقي تبنّى ثلاث “لاءات”: لا لاستهداف المصالح العراقية، ولا لاستهداف البعثات الدبلوماسية، ولا لاستهداف دول الجوار، محذِّراً من عزلةٍ عراقية محتملة، وداعياً إلى نبذ خطابات التخوين وتغليب الوحدة الوطنية ومعادلة “العراق أولاً”.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
