فرهود العراق.. إسرائيل تستذكر “دماء اليهود” في بغداد 
أقام الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، حفلاً استحضر الذكرى الـ85 لأحداث ما يعرف بـ”الفرهود” التي جرت في العراق والتي قتل على إثرها العشرات من اليهود، واستعيدت خلاله أحداث دموية جرت في تلك الأيام، وجرى ربطها بـ”ظاهرة معاداة السامية” في الوقت الحالي، بالإضافة إلى التحولات السياسية التي شهدها العراق في ذلك الوقت وأدت لتلك الأحداث على أبناء هذه الديانة.
وجاء في تقرير لوكالة “الأخبار اليهودية” الأميركية، التي نقلت عن هرتسوغ قوله خلال إحياء الذكرى في مقر الرئاسة
في القدس، إنه ليس سرا أن يشعر الكثير منكم أن أحداث الفرهود لم تحظَ دائما بمكانها في الوعي الوطني الإسرائيلي، مشيرا بذلك إلى الأحداث الدموية التي جرت في العام 1941.
ودعا هرتسوغ، بحسب التقرير إلى ضرورة حصول أحداث الفرهود، والتاريخ الأوسع لليهود من الأراضي العربية، على اعتراف أكبر في الذاكرة والتعليم والخطاب العام الإسرائيليين.
واستضافت الاحتفال زوجة الرئيس الإسرائيلي ميشال، وأعضاء الجالية اليهودية العراقية الإسرائيلية إلى جانب الناجين من الفرهود وأحفادهم وباحثين.
ووضع هرتسوغ المذبحة في سياق القصة الأطول لليهود العراقيين، وتتبع جذورها إلى المنفى البابلي ووصفها بأنها واحدة من أقدم وأهم المجتمعات اليهودية في الشتات.
كما نقل التقرير عن هرتسوغ، قوله إنه “في تلك الليلة الرهيبة، بين 1 و2 يونيو/حزيران 1941، تحولت الكتابة والشعارات إلى عنف رهيب حيث تم ذبح 179 يهوديا، من النساء والأطفال والبالغين والرجال، لسبب واحد فقط هو يهوديتهم”.
وأشار إلى أن “معظم اليهود الذين عاشوا لأجيال في العراق غادروا في نهاية الأمر، وكثيرون منهم لجأوا إلى إسرائيل التي نشأت حديثا وقتها”. ويقول هرتسوغ إن المهاجرين العراقيين أصبحوا قوة رائدة في المجتمع ولعبوا دورا حاسما في المساعدة على بناء الدولة.
وبحسب هرتسوغ، فإن “تذكر أحداث الفرهود ليس فقط عملا من أعمال العدالة التاريخية وإنما هو جزء أيضا من مسؤولية إسرائيل لمواجهة معاداة السامية ونقل قصة اليهود البابليين إلى الأجيال القادمة عبر التعليم والثقافة والخطاب العام”.
ونقل التقرير عن الرئيس الإسرائيلي: “نحن نشهد تصاعد الهجمات المعادية للسامية، بما في ذلك في الدول الديمقراطية، وحتى بين الأصدقاء القدامى لدولة إسرائيل، وعندما نعبر عما تحملته أخواتنا وإخواننا في العراق قبل 85 عاما، فإننا نذكر العالم مرارا بالمخاطر الواردة في التحريض المعادي للسامية، وإلى أين قادتنا تلك الكراهية العنصرية في الماضي”.
وأشار التقرير إلى أن الاحتفال نظمه المخرج الوثائقي ديفيد قحطان، وتضمن إضاءة شموع، ومقتطفا من سلسلته الوثائقية رحلة العودة الطويلة إلى الوطن: القصة التي لم ترو عن يهود العراق، بالإضافة إلى حلقة نقاش أدارها الحاخام الحنان ميلر، وذلك إلى جانب معرض بورتريه تحت عنوان وجوه الفرهود، يضم صورا لرونا أولشيفسكي.
ونقل عن قحطان الذي أمضى أكثر من عقدين من الزمن في توثيق قصص اليهود العراقيين، قوله إن الحفاظ على الشهادة أصبح ملحا بشكل متزايد مع تلاشي الجيل الأخير من شهود العيان، موضحا أنه مع غروب الشمس على جيل والدي، آخر شهود الفرهود، بدأت في تسجيل شهادات الناجين المتبقين قبل أن تضيع أصواتهم بمرور الوقت، مضيفا أن “الذاكرة هي عمل من أعمال المقاومة”.
أما البروفيسورة إيميريتا إستير مئير غليتزنشتاين من جامعة بن غوريون في النقب، فقد تتبعت أحداث الفرهود رابطة إياها بالتغيرات السياسية والأيديولوجية التي حولت العراق في العقد الذي سبق المذبحة، موضحة أنه في بدايات عشرينيات القرن العشرين، تم تأسيس العراق كملكية دستورية كان فيها المسلمون والمسيحيون واليهود مواطنين، وشغل اليهود مناصب عامة ولعبوا أدوارا بارزة في الحكومة والتجارة والثقافة والفنون، وكان من بينهم وزير المالية ساسون حسقيل، الذي يوصف بأنه أحد مهندسي الدولة العراقية الحديثة.
وبحسب غليتزنشتاين، فإن الملك فيصل تحدث عن مواطني العراق بوصفهم أبناء إبراهيم، مضيفة أن الأساس الذي يهدف إلى جمع الشعب العراقي معا، هو الملكية الليبرالية.
وأشار التقرير إلى أنه بعد استقلال العراق في العام 1932 ووفاة فيصل في العام التالي، تبنت القومية العراقية بشكل متزايد طابعا أكثر إقصاء، في حين “انتشر النفوذ النازي في العراق”.
وبحسب غليتزنشتاين، فقد دخلت الدعاية النازية من خلال البعثة الألمانية في بغداد وتوسعت بشكل متزايد طوال ثلاثينيات القرن العشرين، بينما أنشأ النشطاء الفلسطينيون الذين وصلوا بعد الثورة العربية حركات شبابية على غرار شبيبة هتلر، في حين وصل مفتي القدس الحاج أمين الحسيني إلى العراق في العام 1938 ولعب فيما بعد دورا أساسيا في ثورة رشيد علي الكيلاني في العام 1941.
ولفتت غليتزنشتاين إلى أن كل هذا حدث في غضون 10 سنوات، مضيفة أن أهمية الفرهود اتسعت إلى ما هو أبعد من بغداد، حيث جرت لاحقا أعمال عنف مماثلة ضد اليهود في أماكن أخرى من العالم العربي، بما في ذلك ليبيا وعدن ومصر وسوريا.
ونقل التقرير عن غليتزنشتاين توضيحها بأن ما قالته هذه الأحداث هو أنه لا يوجد مكان لليهود في الحركات الوطنية للدول العربية، ولا مكان لهم في الدول التي يتم إنشاؤها، وأن السؤال الذي بدأ العديد من اليهود يطرحونه لم يكن يتعلق بمستقبلهم، وإنما بمستقبل أطفالهم أيضا.
وفي حلقة النقاش، كانت هناك هداسا لازار التي اعتبرت أن الفرهود لم تكن مجرد حدث في التاريخ، وهي ربطت خطا مباشرا بين العنف الذي جرى في بغداد وقتها، وبين أحداث ما أسمتها مذبحة حماس في 7 أكتوبر 2023، مشيرة بذلك إلى ما جرى مع شقيقها شلومو مانتسور.
وأوضح التقرير أن مانتسور ولد في العراق، ونجا من الفرهود عندما كان طفلا قبل أن يهاجر إلى إسرائيل، لكن بعد أكثر من 8 عقود، اختطف من كيبوتس كيسوفيم خلال هجوم حماس، وكان بعمر 86 سنة، أي أنه كان أكبر رهينة تم خطفه في ذلك اليوم، ثم قتل في الأسر واحتجزت جثته في غزة لمدة 509 أيام قبل إعادتها للدفن.
ولفتت لازار إلى أنها كانت تعتقد أن ما جرى في الفرهود لن يتكرر أبدا. وأشارت إلى أن شقيقها حذر مرارا من أن الخطر يتصاعد بالقرب من حدود غزة، وأنه قال لها لن يستيقظ أحد، إلى أن تقع كارثة هنا.
ونقل التقرير عن لازار قولها إن “الدرس لم يتغير.. نحن بحاجة إلى تصديق عدونا بأنه ينوي فعل شيء ما، وعدم القول إنه مردوع”.
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
