جبل من مدينتي
جلال خرمش خلف
يقاس الرجال بثباتهم وعزيمتهم في وقت الشدائد . فالرجولة والشهامة كانت وما تزال تتطلب مثل هكذا مواقف , فالانسان الذي يبقى على مبادئه وثوابته الاخلاقية ولا يميل مع التيارات و نسمات الهواء ولا ينجرف مع المغريات ذلك الانسان يستحق ان يكون محل تقدير واحترام من قبل الجميع , ففي زمن اصبحت المادة هي اساس تقدير الناس واصبحت المقامات والمناصب هي التي تفرض نفسها على الساحة الاجتماعية قليلا , من الاشخاص من اصر البقاء على مبادئهم و مواقفهم وهم بذلك قد شكلوا حالة من الاعجاب و التساؤل والعشرات من علامات الاستفهام خاصة بالنسبة اولئك الاشخاص الذين غيرتهم المناصب و الاموال .
قيل قديما ( اذا خليت غربت ) والناس كلهم يعلمون ان البعض من الاشخاص لو ملك كل كنوز الدنيا او تسنم اكبر المناصب فانهم سيبقون على بساطتهم واخلاقهم الحميدة في الوقت الذي نجد العشرات من الاشخاص الذين كانوا الى الامس القريب ينتقدون بعض المسؤولين والاشخاص لانهم قد تغيروا عن طبعهم الاول وتكبروا على اصحابهم , اصبحوا هم ايضا من مقلدي من كان ينتقدهم في الامس بمجرد ان توظف في احدى الدوائر فكيف بهم لو اصبحوا من اصحاب الكراسي .
لا يخلو منطقة من المناطق من وجود اشخاص عظام و شرفاء يعقدون على الصداقة امال كثيرة ويسالون عن اصدقائهم في كل الاوقات , لم يغيرهم المناصب او الالقاب , ظلوا محل احترام الاخرين رغم مرور السنين . يتذكرونهم دائم و يتشرف المرء بمصاحبتهم . ولعل في سنجار اشخاص ينطبق عليهم كل الصفات الحميدة و هم يستحقون ما وصلوا اليه واكثر , فبتواضعهم دخلوا قلوب الناس وبأسلوبهم السلس لاقوا الاحترام و بمنزلتهم الاخلاقية الرفيعة اصبحوا قدوة للاخرين . من الصعب ان يجد المرء في مدينة سنجار كلها وفي كل المناطق المحيطة بها انسان يجمع ما بين وعي المسؤولية و وعي الثقافة و حب التواضع والبساطة بالاضافة الى تقدير الاخرين وعدم الانجراف مع المغريات المادية . انسان يقدر النزاهة والاخلاق و يقدر الثقافة والمثقفين ويحب وطنه و قوميته ودينه اشد حب . من الصعب ان ينطبق كل هذه الصفات الا على شخص واحد وهو الاستاذ ( سعيد جردو ) فهو انسان مبدع وكاتب عظيم وشاعر يمتلك من الاحاسيس ما لا يسعه الوديان . مرهف الاحساس و محمل بهموم الناس و معاناتهم . انسانا يناصب كل المناصب فهو الرجل المناصب لكل المناصب وفي كل الظروف , لا يهمه التعب و لا يبالي بالصعاب . رجل همه الوحيد رفع الغبن والتخفيف من معانات الناس , ومد يد العون لكل المواهب في سبيل ابراز طاقاتها والاستفادة منها لتطوير المجتمع . انسانا يتشرف المرء بمعرفته و فخرا لكل دائرة او منصب يشغله . لو حاورته في مجال الثقافة لوجده خير مثقف ومنبع الثقافة , ولو ناقشته في مسالة ما لكان عنده ما تبتغي اليه من اسلوب جميل لحل ما تريد الوصول اليه دون ان يجرح مشاعر احد , ولو اردت ان تسمع من الشعر ما يزيل عنك هموم الحياة او يجعلك تكون في قلب المعاناة في أن واحد لوجدته في دقائق معدودة منظم اروع الابيات الشعرية التي تعبر عن الواقع وعن اي موضوع ترغب به خير تعبير .ان كل ما سطرته الان قليلا بحق هذا الانسان الرائع ففي هذا الزمن نادرا ما ستجد من يجتمع فيه هذه الصفات والاخلاق والتواضع . فتحية حب وتقدير لهذا الجبل الاشم الذي اصبح عنوانا للثقافة و المواقف الانسانية .
تُتاح هذه الصورة أيضا في: العربية
